السعادة ممكنة - تشويه الآخر خطوة إلى تشويه نفسك

نضع نبتته الأولى، ونحصدها، ثم .. نصدره ونتعجب أننا نعانى منه، ذلك هو العنف الذى نتبرأ جميعا من أننا جزء فاعل فى وجوده ظنا فى أننا لا نمارسه، فما دمنا لا نستخدم العصا

نضع نبتته الأولى، ونحصدها، ثم .. نصدره ونتعجب أننا نعانى منه، ذلك هو العنف الذى نتبرأ جميعا من أننا جزء فاعل فى وجوده ظنا فى أننا لا نمارسه، فما دمنا لا نستخدم العصا أو السلاح فكيف يكون لنا علاقة به من قريب أو بعيد؟!، وننسى أو نتجاهل أن العنف ليس ماديا فقط بل معنويا أيضا وهو الأخطر والأهم والأعمق أثرا، كما أنه الممارس من قبلنا جميعا.

ذلك لأن العنف فى معناه البسيط هو أن تستبيح نفس ودم وكرامة وحرية الغير فتوجهه كيفما تشاء ضاربا بعرض الحائط رغباته المشروعة وقدراته النفسية ومدى استيعابه للأمور، فتعمل على تشويه هويته النفسية والفكرية بدعوى الإصلاح كشرط لقبوله، والحقيقة أنك فى هذه الحالة لن تقبله هو بل تقبل نفسك فى صورة مشوهة أيضا لأنه لا يصبح أنت كلية بل يبقى فيه جزء من نفسه من ذاته، هذا الجزء الذى يرفض أن يغادر صاحبه مهما كان ضعيفا ومغلوبا على أمره.

وعليه لا نستطيع أن نجزم أن العنف الذى قد تعانى منه المرأة فى مجتمع ما لا يعانيه الرجل أيضا، وبالضرورة الأبناء، فالمعاناة واحدة فى نوعها، لكنها مختلفة فى شكلها وطبيعتها، إلا أن العنف الموجه ضد المرأة هو ذلك النوع من العنف المبرر دائما والمباح أحيانا ذلك لأن المساواة داخل الأسرة أو خارجها قد فقدت مرجعيتها الدينية بل والإنسانية خاصة فى ظل تلك الأفكار المتطرفة التى قد اختلطت فيها المبادئ الإسلامية الصحيحة بالعادات والتقاليد المتعصبة ضد المرأة.  

والقضية فى رأيى تبدأ فى اللاوعى حين ندرس لتلاميذ المرحلة الابتدائية أن العرب كانوا يدفنون البنات الرضع أحياء على أنها عادات نهى عنها الإسلام فتترك الفكرة لدى الأطفال من الإناث نتيجة مؤداها أن البنت أقل شأنا من الولد، مقابل شعور مبرر بالتفوق لدى الذكور منهم، وبسبب عوامل التنشئة الاجتماعية تلك، وفى ظل منظومة قيمية تعلى من سلطة الرجل تبدو أحيانا صورة المرأة لدى نفسها خافتة ومتوارية وبعيدة عن السيطرة على مقدراتها، والنتيجة أن تنشأ تابعة للرجل القريب منها سواء أكان أبا أو أخا أو زوجا.

حتى الأشكال الثقافة ذاتها قد تتضمن قيما ومعانى وقصصا وحكايات وأشعارا وأمثالا تحط من قيمة المرأة وما ينتج عن ذلك من مفاهيم وصور وقوالب تحدد سلفا صورة المرأة فى الحياة وتخلق نوعا من السلوكيات التى تضر بمشاعرها وتقلل من مكانتها وتؤثر على قدراتها بداية من الختان وتزويج القاصرات ومنعهن من استكمال تعليمهن، إلى الإهانة التى تشعر أثناء قيادة السيارة عندما يضايقها أو يتضايق منها الرجال على اعتبار أنها أقل كفاءة، مرورا بعدم الثقة فى كفاءاتهن رغم حصولهن على مؤهلات تثبت ذلك. 

والمثير للدهشة والتأمل أن الوضع بصورته تلك والتى كثيرا ما نجزم أنها تخص الماضى البعيد أو حتى القريب وأن وضع المرأة ووضعيتها الآن قد تجاوز كل ذلك، وأن المواطنة كمبدأ يقر المساواة التامة بين الرجال والنساء قد خرج من بين أروقة المؤتمرات والندوات إلى حيز الواقع وبات كافيا أن نقول إنسان لنعنيهما معا، وعلى الرغم من كل الجهود الإقليمية والدولية إلا أن هذا المبدأ ما زال يتناقض كلية مع الكثير من مواد قانون الأحوال الشخصية خاصة المتعلقة بالولاية والقوامة والوصاية وحقوق الزواج والطلاق، وحق الزوجة فى الإقامة والسفر دون وصايا، كما أن القاضية ولية من لا ولى له لكن لا يحق لها الولاية على نفسها أو الوصايا على أولادها، وكذلك يتناقض مع بعض مواد قانون العقوبات المجحفة فى جرائم الشرف وإسقاط العقوبة عن المغتصب أو تشريع اغتصاب الزوج لزوجته. وكلها ممارسات تدعم العنف من المرأة أو ضدها.

وعلى الرغم من تباهى بعض الدول بقلة عدد حالات العنف الجسدى المسجلة ضد المرأة فى مجتمعاتها إلا أن ذلك لا يعنى عدم تعرض المرأة للعنف لأن معاناة المرأة من العنف واحدة فى كل أنحاء العالم وأن مفهوم العنف مهما تنوع فهو واحد من حيث الجذور رغم تعدد أسبابه، إلا أن ما يعد عنفا فى مجتمع قد لا يعد كذلك فى مجتمع آخر فالعنف كسلوك يخضع للمفاهيم الاجتماعية والثقافية التى تميز مجتمعا عن آخر لذلك إلى الحد الذى قد لا تكون المرأة واعية بتعرضها للعنف بسبب القيم الثقافية وفى أحيان كثيرة تكون المرأة طرفا فى الدفاع ليس عن حقوقها ولكن عن هضم حقوقها دون أن تعى ذلك ففى كل الثقافات هناك صورة نمطية للمرأة تتجدد فى إطارها كل العلاقات وأنماط الفعل التى تمارسها المرأة أو توجه لها. والغريب أن ليس هناك سمات خاصة حددتها البحوث الأكاديمية والدراسات الميدانية لطبيعة الأسر التى يزداد معدلات العنف بين أفرادها وذلك لأن العنف الأسرى يحدث على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية بل ومع الأسف- الثقافية إلا أن أسر الطبقة المتوسطة والعليا يتكتمون عليه.

وقد يرجع ذلك إلى الزيجات غير السعيدة والذى يتعمد طرفاها إلقاء اللوم على بعضهما البعض من خلال الشكوى المستمرة والنقد الذى يؤدى بالعلاقة إلى عدم الاستقرار وكلما بدأ الزواج فى التداعى والانهيار كانت الزوجة عرضة للعنف والإيذاء، حيث مازالت مشكلة ضرب الأزواج للزوجات مطروحة على أنها ذلك النوع من العنف المقبول اجتماعيا والدليل على ذلك أن معظم قضايا قتل الأزواج للزوجات يسجل على أنه ضرب أفضى إلى الموت خاصة فى حالة عدم استخدام السلاح، كما أن بعض الزوجات فقط يهجرن البيوت بسبب ضرب الأزواج لهن بينما يكتفى البعض الآخر بالبحث عن العون والمساعدة من الآخرين.

وعلى الرغم من أن التعامل مع الأبناء من قبل الزوجين خضع بدوره إلى أيديولوجية جديدة مؤداها أن هؤلاء الأطفال لهم قيمة كبيرة ويحققون إشباعا عاطفيا لآبائهم، وسعى الآباء إلى تحقيق أعلى مستويات الرعاية الاقتصادية والنفسية والاجتماعية لهم. إلا أن هذا الاهتمام لم يشمل تجنب مشاهدة الأطفال للعنف الأسرى سواء نحو الزوجة أو الزوج والذى يدركون معه أن ضرب الآخرين «الذين نحبهم وعلى علاقة حميمة بهم» أمر مشروع وفعال وقد يؤدى ذلك إلى ممارستهم العنف مع الزوجة أو الشريكة كما قد يؤدى إلى ممارستهم العنف مع آبائهم الكبار.

 وبصفة عامة نستطيع القول إن هذه الظاهرة تتسم بالتناقض والتداخل فى بعض جوانبها لأن مهما كانت العلاقة جيدة بين الزوجين فهناك أوقات لا يتفقان فيها فيتشاجر الطرفان ويشتد بهما الشجار سواء لأنهما فى حالة مزاجية سيئة أو بسبب الإرهاق البدنى أو العصبى أو الانفعالى أو أية أسباب أخرى. وقد يختلف التعبير عن الضيق والتوتر فيتدرج من السب والإهانة إلى التهديدات بالضرب أو الضرب وأخيرا التهديد بالقتل.

كل ذلك حدث ويحدث وسيحدث منذ أن توارى الهدف الأصلى فى علاقة الزواج عندما كان مجرد وسيلة لنجاح قصة حب بين شاب وفتاة وجدا السعادة والاستقرار والأمان فى علاقة حب وزواج، فكان الهدوء هو عنوان أغلب البيوت والمودة والرحمة هدفها والإيثار والعمل على إشباع حاجات أفراد الأسرة النفسية والمادية هدف الأب والأم اتجاه الأبناء بل وهدف الأبناء اتجاه والديهم.

أما أن يصبح الزواج هدفا فى ذاته وسيلته عقد مدنى وأحيانا عقد شخصى بين طرفين، هدف قابل لعمليات تباديل وتوافيق متعددة اختلف على أثرها أدوار أفراد الأسرة وبالتالى زيادة الصدام فيما بينهم نتيجة للتفسيرات المتغيرة للأدوار الحقيقية لكل من الزوج والزوجة والأبناء  فكل منهم يحاول أن يفرض تعريفاته الخاصة والتى تحقق أهدافه الذاتية على الآخرين. 

ولأنها قيمة حضارية وإنسانية وأخلاقية لابد من بلوغها إذا كنا نعى معنى أن تكون إنسانا، فلابد من مناهضة العنف سواء كان ضد الرجل أو المرأة أو الطفل أو الشيخ أو الممتلكات، وذلك بقبول الآخر كسبيل للقضاء على الظاهرة، قبوله بمعنى احترام رغباته وآرائه ومشاعره مع عدم إجباره على أى شىء مادى كان أو معنويا، وعدم تكليفه بما ليس من شأنه القيام به، أو إجباره على التنازل عن أى من حقوقه المعنوية أو المادية كخطوة فى الطريق لبلوغ السعادة الممكنة دائما.


 	دعاء السنجرى

دعاء السنجرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

​الأهراماتُ المقلوبةُ.. أخطارٌ تهددُ الوطنَ والمواطنَ

​المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...

ما وراءَ المُسيّرَة .. كيف وُئِدَ الانفِجار قبْل أن يُولد..؟

لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...

في مئويّة الصّوت وستّينيّة الضّوء.. "ماسبيرُو" والبعثُ الرّقمي لذاكرة الأُمّة

للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...

رحيلٌ يُورث الوحشة

ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...