قراءات - «غَرّب مال» تنويعات على السيرة الهلالية

فى روايته الثانية "غَرّب مال.. ما لم يحكه جرمون فى السيرة الهلالية" (2018) يعزف الشاعر والصحفى والكاتب الشاب أحمد عطا الله تنويعات جديدة على السيرة الهلالية، كما رواها

فى روايته الثانية "غَرّب مال.. ما لم يحكه جرمون فى السيرة الهلالية" (2018) يعزف الشاعر والصحفى والكاتب الشاب أحمد عطا الله تنويعات جديدة على السيرة الهلالية، كما رواها الشاعر على جرمون (1950- 2008)، وكان جرمون، كما يقول الكاتب، "متمردًا. أخذ ما أعجبه من السيرة، كما تروى فى الصعيد، وراح يؤلف عليها.. قصصًا وأبطالًا وشخصيات جددًا، وخطوطًا درامية لم تكن موجودة من قبل". اختار أحمد عطا الله تغريبة أبو زيد الهلالى ورحلته إلى تونس مع أبناء أخته ليكتب سردًا مغايرًا، تتداخل فيه السيرة الشعبية مع سيرة حياة الكاتب، فتتشابك فيها الخطوط الدرامية وتلتقى وتتعارض، يتحرك فيها السارد/الكاتب بين زمن الحكاية الشعبية فى الماضى وزمن حكايته وسيرته الخاصة فى الحاضر.
فى مستهل الرواية يومئ الكاتب أن روايته من جزأين، وأن سيرته الشخصية المتشابكة هنا مع سيرة الهلالية، هى شذرات من طفولته: "لدى أمل أن أعود الطفل الذى كنته"، يدلف بعدها إلى عتبة النص بأبيات من المدائح النبوية فى التراث الشعبي: "حلو يا نبي/ كام حلو مدحك، أنا ال شبكنى غرامك/ طول العمر، أنا سيرتى مدحك/ حزين ال ماشافش مقامك". فى الفقرة الاستهلالية يدلف السرد إلى قلب الحكاية ليعلن الفقر والقحط سببًا لغربة البشر فى الماضى وفى الحاضر. يدخل الدلال جعفر إلى قصر السلطان معبد فى تونس ليبيع عُقد يونس، تقابله الجارية مى عند باب القصر، وما أن ترى العُقد حتى تثور فى قلبها الشجون: "كان مُشعًا يخطف الروح ويحكى القصص، بكت مى فور أن رأت العُقد، نسيت الدلال والباب وسيدتها، وراحت تسأله كما يسأل الناس بعضهم بعضًا... آآآه كيف حالك؟.... تعرفه، قابلته من قبل فى بنى هلال، حيث عاشت، حيث أكلت وشربت وصاحبت وعملت وحلمت، وقرأت الودع للنساء. كانت تبكى نفسها، حياتها الأولى". وتعلن الجارية سبب فراق الناس عن أوطانهم، الفقر والقحط، تيمة السرد الأساسية التى تجمع كل الأزمان: "يا أيها القحط اللعين، ماذا تفعل فى الناس؟ لماذا تبعدهم عن أوطانهم؟ لماذا تفرق بينهم وبين أرواحهم؟". وبعدها تعود إلى البداية وتروى الحكاية: "فى أيام القحط الأولى مر تاجر على بنى هلال، على سمع قديم لمكانتهم، ولم يكن يعرف بأمر القحط... مر ضيفًا يطلب حقه فى الضيافة، ولم يجد ما يعطيه له السلطان حسن". كانت مى تقف عند الباب، فنظر إليها التاجر، وفهم السلطان المغزى فأهداها له. صحبته من بلد إلى آخر، وعندما اختلف معها باعها فى سوق الرقيق، فتنقلت بين البلدان حتى وصلت تونس و"كانت من نصيب قصر عزيزة بنت السلطان". يخطف العُقد عقل عزيزة ويخطف صاحبه قلبها، بعد أن وصفه لها الدلال وأنه لا مثيل لجماله، فعرفته عزيزة وخفق قلبها: "هو ذاته، يونس... نعم جميل بنى هلال. أى قدر ينتظرك يا عزيزة، أى قدر ذلك الذى يداعب روحك". تطلب من الدلال أن يحتال على صاحب العُقد ليدخل القصر، بعد أن علمت أنه اشترط أن يأتى له الدلال بالمال دون أن يدخل القصر. يحتال الدلال على يونس ليأتى إلى القصر: "فُصل عُقدك بأموال كثيرة، ولأنى رجل كبير، لم يأتمننى أهل القصر على المال، فلتأت معى وتأخذ ثمن عُقدك، تعال وأحمل أموالك". ويؤكد يونس رفضه لدخول القصر: "ألم أقل من البداية، ألا تجوب بى البيوت والشوارع، وأننى لن أدخل قصورًا".
ويلتقط السرد المفتاح "القصور" لينتقل إلى الزمن الحاضر وقصر آخر، وشخص آخر (السارد/ الكاتب) يكره القصور، ولكنه يضطر إلى دخول ذلك القصر فى ذلك البلد البعيد: "لا أحب القصور، لم أتمن أن أعيش فيها قط، تقبض قلبي، يقلقنى بغى الكمال، ومع ذلك أنا فى هذا القصر. بالأمس، حين هاتفتني، حدثتنى عن كارلس أكوستا: هو الأكثر شهرة بين أبناء جيله، خرج من هافانا ليشكل مصدر إلهام للجمهور وفنانى الرقص المستقبليين...". عزيزة أخرى فى الزمن الحاضر، تتعلق روحها بالصحراء وقلبها بالسارد. يسألها: "لماذا لم تكملى حياتك فى فرنسا، مع أن فيها قهوة جيدة مما تحبين"؟ - فتأتى الإجابة بأن "كل روح معلقة فى المكان الذى ولدت فيه، فى معرضى الوحيد الذى قدمته فى باريس، رأيت دهشة كبيرة فى عيون الحاضرين، تجاه المساحات الشاسعة فى لوحاتي، وكأنهم يقولون لي... لماذا الصحراء؟". يتنقل السرد بين عزيزة، ابنة الحكاية الشعبية "عزيزة ويونس" وعزيزة سلطان، ابنة الحاضر التى التقاها السارد فى بيروت. تحاول عزيزة ابنة الحاضر استبقاء السارد معها: "لماذا لا تبقى يومين إضافيين فى بيروت؟... أرسل لى تيكت الطائرة الآن ودعنى أرتب لك الأمر، يمكننى أن أعود معك إلى الفندق، لنمد..." يقاطعها: "- انتظري، لا يمكننى أن أتخلف عن زملائي.... سعيد بمقابلتك، كان وقتًا لطيفًا، من يدري؟ ربما نلتقى مرة أخرى". وعلى الطرف الآخر تنتقل كاميرا السرد إلى عزيزة بنت السلطان ومحاولاتها المستميتة لإغراء يونس، ولكنه يقاوم ويرفض: "وفى لحظة غامضة وقوية قال يونس: - ربما كُتب لى أن أقضى ما بقى من عمرى هنا، وهذا لا أملكه، غير أنكِ لن تنالى ما تريدينه مني، ما بقيت، وهذا أملكه".
على مدى فصلين تاليين، ينقسم كل منهما أيضًا إلى فقرات سردية، ينتقل السرد إلى معالجة درامية يكتبها السارد للسيرة الهلالية، فى عشر حلقات،  تلقى بظلالها وتشتبك مع حاضر السارد وسيرته الذاتية. يأتى الفصل أولهما بعنوان "يُسمى الهلالى سلامة.. معالجة للحلقات من الأولى إلى الخامسة"، وينقسم إلى خمسة فصول، يهتم كل منها بحلقة من الحلقات الخمسة. يُستهل الفصل بفقرة يعترف فيها الكاتب أن ما يكتبه ليس السيرة الهلالية التى عرفها التراث الشعبى ورواها الرواة جيلًا بعد جيل، وهى أيضًا ليست ما رواه على جرمون، ولكنه أضاف وعدل على ما جاء عند على جرمون، فجاء سرده يتكئ على الخطوط العريضة للسيرة الهلالية ولكنها امتزجت بخياله وتضافرت مع سيرته الشخصية: "أحببت قصة عزيزة ويونس. وأحببت الهلالية. لم يكن على جرمون (1950 – 2008)، راويًا عاديًا، كان متمردًا. أخذ ما أعجبه من السيرة، كما تروى فى الصعيد، وراح يؤلف عليها.. قصصًا وأبطالًا وشخصيات جددًا، وخطوطًا درامية لم تكن موجودة من قبل.... جرمون لم يؤمن بالانتماء إلى نص واحد لتلك الرواية الشفوية المتواترة، مجهولة المؤلف. جرمون كان كذابًا.... وقد كانت حيلتى فى جرمون قليلة، أحببت صوته وأحببت سيرته، وأعطيت لنفسى الحق الذى أعطاه هو لنفسه، من قبل، لأكتب من وحى ما رواه ما رأيته، وأكذب كذبًا على كذبه". بعدها يدخلنا الكاتب معه عالم ما وراء الكتابة: "بدت لى المقدمة السابقة جميلة حين قرأتها لأول مرة، غير أننى بعد أن أعدت قراءتها لمرة ثانية، وأنا أتناول فنجان قهوتي، كانت خارج السياق، لا تصلح، لا علاقة لها بالمعالجة التليفزيونية. أنا فى حاجة... لبدء الأحداث مباشرة".
يقدم الكاتب الحلقة الأولى بأبيات دالة: "سبحان من لا يزول أبدًا ولا ينام...". وهو ما ينتهجه فى سائر الحلقات. ويومئ فى الهامش إلى أن "كل الأشعار التى وردت فى هذا العمل، هى نقل عن الشاعر على جرمون". فى الحلقة الأولى يطرح السرد التيمة الرئيسية – التغريب، والخروج من الوطن هربًا من الجوع والفقر: "يعرض السلطان حسن على بنى هلال التغريبة، الهرب بهم من الجوع الذى يفضى إلى موت، البحث عن وطن آخر يبث فى أرواحهم الحياة". وتنتهى الفقرة عند تساؤل أحد المجتمعين "أو نترك الوطن"؟ ويلتقط السارد الخيط ليصف ذكريات الوطن التى عاشها طفلًا فى إحدى قرى جنوب الصعيد: "لمبة بائسة، أسلاكها المترهلة تجعلها مثل شعلة نار ترغب فى الانطفاء، فتبعث دفئًا غامضًا وشيئًا من ترقب.... الشمس المحمولة على كفى الجبل طوال النهار. طين الأرض. رائحته التى تتغير بتغيير فصول السنة. جدتى أمام الفرن تنتظر الفطير المطبق. جلاليب سوق السبت، شيشان الرأس البيضاء فى صلاة الجمعة.... قطار مصنع سكر دشنا.... الطريق المحاذى للترعة. مدرسة الشرابلة الابتدائية المشتركة، الطابور، لعبة القتل فى الفسحة.... الوطن. حكايات يامنة أم إبراهيم". وفيما يشبه الحوار يعود السرد إلى زمن الحكاية الشعبية، فيتوحد مفهوم الوطن فى الزمانين: "من قال إن الوطن هو الأرض فقط، الوطن هو من يعيش على الأرض أولًا، قبل الزرع وقبل الرمل وقبل المطر، الوطن هو أنا وأنت وهؤلاء، فإن نجونا، نجا معنا، وإن متنا مات، ومات معنا كل شىء .... أن نغامر أفضل من أن نموت فى أماكننا". فى الفصل التالي، "يُسمى الهلالى سلامة.. معالجة للحلقات من السادسة إلى العاشرة"، يتواصل الحوار بين الزمانين – الماضى والحاضر - وُيستهل الفصل بما وراء الكتابة فيروى السارد قصة عثوره على ما كان يبحث عنه من أجزاء سيرة جرمون: "محل صغير بشارع "كلوت بيك"، ذو فاترينة زجاجية، تُعرض فيها ساعات ونظارات صينية رخيصة، أسفلها.. وجدت ما أبحث عنه من سيرة جرمون غارقة فى التراب...".
يتمحور السرد حول تنويعات يعزفها السارد على لحن "التغريبة"، تتقافز فيها النغمات بين زمن الحكاية والزمن الحاضر، حاملة معها شذرات من سيرة الكاتب/ السارد فى طفولته وصباه وتغريبته الخاصة وعمله كعامل بناء فى حوش "آب كرشان": "أسوأ مهمة فى المطهاة.. غسيل المواعين، هى الآن من نصيبي، فى عالم تتزايد المهام فيه كلما كنت صغيرًا، لم أكن قد حصلت بعد على لقب "عجان"، لم أرق لأن أناول مبيض المحارة خلطة الأسمنت، وأعجن له قليلًا منها بالجبس، مهارات لم أكتسبها بعد". ومع تيمة التغريبة تتضافر تيمة الحب، فتلتقى "عزيزة" فى زمن الحكاية وشغفها بيونس، وعزيزة، ابنة الصعيد، التى أحبت الشيخ امبارك وقتلها أهلها: "أحب الشيخ امبارك عزيزة. كانت تذهب إليه كل يوم، تقضى معه النهار، حتى إذا حل الليل، جلست عزيزة مع الشيخ امبارك على أحد جرون القمح أو الفول، يطبخون ويصنعون الشاي، ويتسامرون دون أن تصيبه النار بأذى. وكثر اللغو، والغمز واللمز. اتهمها ناس آب ناصر، أهلها، صراحة فى الرجل، حبسوها فى البيت، عينوا على حجرتها حارسًا، غير أنهم حين خرجوا، وجدوها فى الخارج معه. لم يفهموا دلالة ذلك.. فذهبوا يقتلوها". وتحكى الجدة أنه قبل أربعمائة عام، حين تعارك عرب هوارة مع ناس حجازة بعد أن قتلوا عبدًا نزل أرضهم ودخل زرعهم دون استئذان: "نزل هوارة، يطيحون فى عرب حجازة ضربًا بالشوم... ولحق بهم الشيخ امبارك، قضى معهم ليالى أربع فى صقيع الجبل، حتى أصابته الحمى، فحملوه معهم مريضًا، إلى أبناء عمومتهم فى قوص. تابعهم هوارة من بعيد. فى الطريق، مات الشيخ امبارك. تقدم هوارة ليأخذوه ويدفنوه فى القرية، فرفض أهله، وزاد الخلاف، حتى كاد يعيد الضرب والحرب"، وهنا كان اقتراح رجل مسن "أن يضعوه على ناقته، وفى المكان الذى تتوقف فيه يكون قبره. اختار الشيخ امبارك الحجازية، توقفت ناقته آخر القرية، وجدوا قبره مفحوتًا، بجوار قبر عزيزة التى أحبها وأحبته. وتشارك المتحاربون فى بناء مقام للشيخ امبارك، بجوار مقام الشيخة عزيزة، وبعد أن انتهوا، سجلوا تاريخ السنة، 1626 ميلادية، 1046 هجرية". وتتحول عزيزة، فى أجيال لاحقة إلى رمز للحب. ففى عام 1990 تكتب عزيزة زوجة مبارك محمد اسماعيل من السعودية إلى أهل زوجها فى الصعيد: "شعور غريب وأنا أمسك القلم وأكتب إليكم وأنتم لا تعرفوني، وإن كنت من خلال عشرتى لزوجى العزيز، عرفت معدن هذا البيت الطيب الكريم.... يمكن تعريف بسيط بيا، أنا اسمى عزيزة السيد مرعى من البحيرة، من بيت محافظ جدًا، والدى ووالدتى موجودين.... أنا موظفة فى إدارة التخطيط والمتابعة بالمحافظة، ومعايا معهد فنى خياطة، يعنى خياطة فساتين من الدرجة الأولى، وبمارس المهنة فى السعودية.... ابنتكم/ عزيزة 11/9/1990".  وأخيرًا تأتى "عزيزة سلطان" الفنانة التشكيلية، صديقة السارد فى الزمن الحاضر. 
فى نهاية معالجة الحلقة العاشرة يعود السرد دورته ليحكى كيف وصل يونس وعُقده إلى قصر الأميرة عزيزة، وكيف عاد السارد ليلتقى بالفنانة التشكيلية عزيزة سلطان: "فتحت. بدا المكان فارغًا، كرسيان فى المنتصف، طاولة خشبية وضعت عليها الألوان، وأخرى صغيرة عليها جرامافون، أسطوانات قليلة ورواية. لوحات مرصوصة على الأرض، ولوحة بيضاء على الحامل، لم يطلها اللون بعد. – لطيف مرسمك.... توقفت طويلًا، أمام وجهها ونحن نشرب القهوة، توقفت مثلى دون أن نتكلم". ويختتم السرد بالأبيات الشعبية: "عزيزة قالت: يا يونس/ عليك ف الغرب، دلوني/ لما طال غيابك يا يونس/ أتوا المداليل ودلوني/ بيمين ما أملكك يا يونس،/ ل أخلى الهوا ينساك/ وأركبك قصر عالي، / وأخلى البيبان تنساك/ بيمين ما أنساك/ لو عـ القبر، دلوني".
"غَرّب مال" تجربة إبداعية متميزة تمتزج فيها حكايات التراث الشعبى بحكايات بشر يعانون واقعًا أليمًا. يبحث الجميع عن طوق النجاة فى غربة لا تحمل سوى مزيد من الألم والمعاناة. على أرض الواقع وفى سماء الحكايات، وعلى مدى الأزمان يبقى الحب حلمًا يستشرف الأمل فى النجاة.



 	د. عزة مازن

د. عزة مازن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،