القدر كتب له حكاية استثنائية لا يعلمها إلا المقربون منه سؤال ابنته الصغرى فريدة أبكى عيون الحاضرين للموت والطقوس الجنائزية قدسية خاصة ومهابة عند العديسى
ربما كان المشهد الأكثر تأثيراً خلال تسليم ميداليات «وسام ماسبيرو» لكبار مبدعى «الهيئة الوطنية للإعلام» الذين أثروا الحياة الثقافية فى مصر والعالم العربى، هو اللحظة التى صعدت فيها بنات الشاعر والزميل الراحل سيد العديسى الثلاث: لوجين، وآسيا، وفريدة، لتسلُّم التكريم نيابة عن والدهن الذى رحل منذ أيام قليلة. كانت لحظة امتزج فيها الحزن بالفخر، وغلبت الدموع على كثيرين داخل المسرح، وزاد المشهد تأثيراً على عقول الحاضرين عندما التفتت الصغرى فريدة (6 سنوات) لحظة التصفيق الحار الذى تلا إعلان تكريم والدها الراحل بـ«وسام ماسبيرو»، وسألت ببراءة مؤثرة وصوت طفولى عذب جعل من سمعها يجهش بالبكاء: «هم دول أصحاب بابا؟».
من المؤكد أن هذا المشهد سيظل محفوراً فى ذاكرة ووجدان البنات الثلاث، خاصة أن هذه اللفتة الإنسانية تُحسب للهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب الكبير أحمد المسلمانى، التى كرمت شاعراً كبيراً وأديباً شاباً له اسمه على مستوى العالم العربى، بالإضافة إلى أنه ابن مجلة الإذاعة والتليفزيون، وقد شارك فى تسليم الوسام أيضاً الشاعر الكبير فاروق جويدة الذى تم تكريمه بنفس الوسام.
لو كُتب للعديسى أن يعود للحياة مرة أخرى، ليرى كل هذا الاحتفاء الذى بدأ منذ وفاته حتى الآن، لاختار أن يموت مائة مرة، حتى يرى كل هذه الحفاوة والتقدير المستحقين، فللأسف قدر بعض المبدعين الكبار أن تأتى لحظات الانصاف متأخرة، وأن تتجلى قيمتهم كاملة بعد الرحيل.
سيرة سيد العديسى حملت منذ بدايتها مفارقة إنسانية لافتة، فبحسب العادات السائدة فى بلدته التى نشأ فيها، كتب القدر له حكاية استثنائية، إذ كان لوالديه ابن أكبر منه -اسمه سيد- توفى بعد ولادته بفترة، لكن الأهل رفضوا استخراج شهادة وفاة، طبقاً للعادات والتقاليد، واستبشاراً بأن الله سيرزقهم بولد غيره.
انتظرت أسرة العديسى سنوات، حتى رُزقت بالشاعر سيد العديسى، ليحمل الاسم ذاته، ليعيش الشاعر سيد العديسى باسم شقيقه المتوفى، وكأنه مات قبل أن يولد، لكنه بالفعل منح الاسم حياة أخرى أوسع، فى جسد شاعر كبير جاء لاحقاً، ليكتب حكايته الخاصة.
تربى سيد العديسى بين محافظتى الإسكندرية والأقصر. صرامة الأب العسكرية، الممزوجة بالعادات والتقاليد الصعيدية، لم تمنع الابن من أن يكون شاعراً ومثقفاً، فوالده كان أحد أبناء القوات المسلحة، وفى الوقت ذاته هو ابن قرية العديسات بالأقصر.
وُلد شاعرنا الراحل بالإسكندرية، ثم انتقل إلى الأقصر وهو فى عمر الـ8 سنوات، والتحق بمدرسة «العديسات بحرى»، وهى مدرسة من الطين اللبن، وبها دور واحد و6 فصول فقط، وظهرت فى هذه المدرسة موهبة فنية أخرى، لا يعلم عنها أحد شيئاً إلا القليل، وهى موهبة الرسم، حيث كان يرسم بدقة متناهية، كأحد أكبر رسامى البورتريهات العالميين.
لم يركز الشاعر الراحل فى الرسم، واتجه نحو الثقافة والأدب منذ المرحلة الإعدادية. وفى المرحلة الثانوية انطلق إلى قصر الثقافة الموجود فى بلدته، وانفتح على آفاق أكبر وأعمق، واكتشف فى نفسه موهبة شعر العامية، فالبيئة التى خرج منها العديسى، الكل فيها يقول شعر العامية، والكل يتقن فن الواو، فالإنسان العادى هناك شاعر بالفطرة.
ترك العديسى خلفه تجربة أدبية وإنسانية ثرية ومختلفة، جعلته واحداً من أبرز أبناء جيله، سواء على مستوى الشعر أو على مستوى حضوره الإنسانى، وعلاقاته الواسعة التى تركت أثراً بالغاً لدى كل من عرفه واقترب منه.
كان أبرز ما يميز الصديق الراحل سيد العديسى نزوعه الدائم إلى السخرية، وحبه الصادق للحياة والضحك، مهما اشتدت الظروف أو قست الأيام، فقد كان حريصاً على مواجهة أوجاعه الخاصة بالطريقة التى أتقنها دائماً: الابتسام فى وجه الألم، ومداواة الجراح بالضحك، وكأن السخرية بالنسبة له لم تكن مجرد أسلوب حياة، بل وسيلة للمقاومة والانتصار على قسوة العالم.
كانت العلاقة الإنسانية الأهم والأعمق فى حياة العديسى هى علاقته بوالدته -أمد الله فى عمرها- إذ ارتبط بها ارتباطاً استثنائياً، تجاوز حدود العلاقة التقليدية بين الأم وابنها، وبشهادة أشقائه وأقاربه، لم تُعرف عن والدته لحظة غضب منه يوماً، بل كان هو من يتولى معاتبة أشقائه إذا تسبب أحدهم فى إغضابها أو إزعاجها.
احتل سيد مكانة خاصة جداً فى قلب والدته، فلم يكن مجرد أحد أبنائها، بل كان الأقرب إليها والأكثر حضوراً فى وجدانها، وربما الأشد خصوصية بينهم جميعاً، فقد كان الابن الأكبر الذى جاء بعد سنوات من الألم والفقد، وبعد أن عاشت تجربة فقدان أكثر من ابن وابنة، لذلك لم يكن حضوره فى حياتها حدثاً عادياً، بل بدا وكأنه تعويض إلهى، أعاد إليها شيئاً من الطمأنينة والفرح، وهو ما جعل العلاقة بينهما تتجاوز المحبة المعتادة إلى رابطة إنسانية شديدة العمق والخصوصية.
العديسى، كأدباء الصعيد، يمثل حالة خاصة ومختلفة داخل المشهد الثقافى، فعلاقتهم بالأدب والشعر تبدو أكثر نقاءً وبراءة من حسابات الشهرة والمكاسب، فهم يتعاملون مع الكتابة بوصفها فعلاً إنسانياً خالصاً، لا وسيلة لعبور سريع نحو الأضواء أو تحقيق حضور اجتماعى.
كان العديسى يكتب لأن الكتابة بالنسبة له ضرورة روحية، وحالة وجدانية لا يمكن الانفصال عنها، فقد كان يؤمن بأن للكلمة قيمة تتجاوز المكاسب العابرة، لذلك احتفظ فى إبداعاته بقدر كبير من العفوية والصدق فى تجاربه الإبداعية، فلم تفسده حسابات السوق الثقافى أو سباقات الظهور.
صدر للعديسى 7 دواوين شعرية ورواية وحيدة، هى: «قبل النجع» 2004، و«ابتسامة ندل يموت» 2013، و«يقف احتراماً لامرأة تمر» 2015، و«أموت ليظل اسمها سراً» 2016، و«كيف حالك جداً» 2018، و«كقاطع طريق» 2020، و«صباح الخير تقريباً» 2023، ورواية وحيدة هى «طواحين الهوى» 2025.
هيبة الموت
للموت قدسية خاصة وطقوس جنائزية عند العديسى وأبناء الجنوب، فى الأدب والشعر والحياة، وهذا ما قاله شاعرنا الراحل فى حديث له: «يحتل الموت مكانة مركزية فى الشعر العربى، قديمه وحديثه، إذ ظل حاضراً بوصفه أحد أكثر الأسئلة الإنسانية إلحاحاً وتعقيداً، سؤالاً مفتوحاً يحيط به الغموض والرهبة، ويثير فى النفس تأملات لا تنتهى حول الفقد والغياب ومعنى الوجود».
رأى العديسى أن الموت، فى الوعى الجمعى العربى، لا يتوقف عند لحظة الرحيل البيولوجى أو مشهد الوداع الأخير، بل يمتد أثره إلى منظومة كاملة من الطقوس والعادات الاجتماعية والإنسانية المتجذرة.
ظل العديسى معتزاً بأصوله الجنوبية حتى فى حديثه عن الطقوس الجنائزية قائلاً: «وفى القرى والنجوع المصرية، وتحديداً فى صعيد مصر، يكتسب الموت بُعداً اجتماعياً يتجاوز حدود الحزن الفردى، حيث تتحول لحظات الفقد إلى حالة جماعية من التكاتف والتضامن الإنسانى».
تمتد مراسم العزاء لأيام طويلة، وتغدو القرية بأكملها بيتاً واحداً، يتقاسم سكانه الحزن نفسه، مستدعين فى تلك اللحظات ذاكرة شعبية حافلة بطقوس راسخة وموروثات متوارثة فى التعامل مع الموت والفقد.
ركز العديسى فى كلامه عن الموت على ملامح الاحترام والتضامن الاجتماعى، التى تميز حياة القرى والنجوع، مشيراً إلى أن العزاء لا يُنظر إليه باعتباره مناسبة عابرة، بل بوصفه طقساً اجتماعياً متكاملاً يحمل دلالات عميقة.
وأوضح أن «المندرة» تظل مفتوحة 15 يوماً أو أكثر، يغادر خلالها رجال أسرة الفقيد بيوتهم للإقامة فيها، فى تعبير واضح عن المشاركة الجماعية فى الحزن، بل إن بعض الرجال قد يمتد بهم الأمر إلى ما بعد الأربعين، فلا يعودون إلى نمط حياتهم المعتاد إلا بعد انقضاء فترة الحداد كاملة.
كما أشار العديسى إلى أن طقوس الحداد تمتد لتشمل تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتوقف مظاهر البهجة والرفاهية المختلفة، فيغيب الراديو والتليفزيون، وتتراجع مظاهر الزينة والاحتفاء بالحياة، فلا تُشترى الملابس الجديدة، ولا تتزين النساء بالحناء أو أدوات التجميل، ويصبح السواد اللون الطاغى على المشهد، كما تؤجل الأفراح إن أمكن، وإذا لم يكن هذا متاحاً يتم الزفاف فى صمت، إلا من قراءة القرآن
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحتفل قنوات الهيئة الوطنية للإعلام بالعيد من خلال خريطة برامجية تضم برامج متنوعة وباقة من الأفلام والمسرحيات والحفلات تلبى كافة...
كرمت الهيئة الوطنية للإعلام الشاعر الكبير فاروق جويدة، ومنحته وسام ماسبيرو، تقديراً وتكريماً لمسيرته الأدبية المتميزة، وذلك عندما حل ضيفاً...
استوعبت درس هيكل.. وعلاقتى به امتدت حتى رحيله مدين لجدتى التى فتحت أمامى آفاقا من الثقافة والجمال والخيال انتهيت من...
وسام ماسبيرو أسعدنى لأنه تكريم من بيتى الأول المجلة تحولت إلى مدرسة فى الصياغة الصحفية عملت شهراً فى «الديسك» دون...