الساعات الأولى لثورة 23 يـوليو فى الإذاعة

الناس بعد أن شاهدوا الدبابات حول الإذاعة قالوا: دول بيصوروا فيلم حلمى النمنم: لجنة كتابة التاريخ التى شكلها السادات أكدت أن محمد نجيب هو أول من ألقى بيان الثورة

الناس بعد أن شاهدوا الدبابات حول الإذاعة قالوا: دول بيصوروا فيلم

حلمى النمنم: لجنة كتابة التاريخ التى شكلها السادات أكدت أن محمد نجيب هو أول من ألقى بيان الثورة وليس السادات

فهمى عمر: قال لى السادات بأدب وتواضع: لدينا بيان فقلت له: حاضر  يا روح ما بعدك روح 

محمد شرف محرر النشرة: أعطانى السادات بيان الثورة على ورقة فولسكاب مسطرة مكتوبة بقلم كوبيا وقلت له: مطالبكم إصلاحات فى الجيش فقال: النهاردة حاجة وبكرة حاجة تانية

جلال معوض: أذعت بيان الثورة بصوتى فأوقفنى كبير المذيعين عن العمل وأعادنى على خليل

سباق محموم جرى بين حكومة الملك والضباط الأحرار للاستيلاء على الإذاعة، الجيش يريد إذاعة بيان الثورة، والملك لا يريد،  ومن ثم تحركت سيارتى نقل لتفريغ محطة الإرسال فى أبو زعبل من أجهزتها لتعطيلها، ولكن الجيش كان أسرع حتى يتمكن من إعلان أول بيان لقيام ثورة 23 يوليو 1952، كان امتحاناً عسيراً، وفتنة صعبة لكل من تواجد فى ذلك الصباح، أينحازون إلى ثورة لا أحد يعلم مصيرها، أم يؤثرون السلامة انتظاراً لما يمكن أن يسفر عنه الغيب المجهول؟،  شهود ذلك اليوم الفارق فى تاريخ مصر، تحدثوا عن تلك الساعات الرهيبة المفعمة بالأمل والقلق والترقب، والتى سبقتها ساعات الفجر الأولى التى شهدت تحرك قوة مسلحة لتضع الإذاعة فى قبضتها، كهدف استراتيجى، فبغيرها لا يمكن لأحد أن يعلم عن قيام الثورة شيئاً.

استيلاء الجيش على الإذاعة

فى الثالثة إلا الربع صباحاً، والقاهرة يغطيها الصمت والليل، كانت القوة تغادر القشلاق فى الطريق إلى الإذاعة.. كانت مكونة من فصيلة واحدة تضم 26 جندياً وثلاثة ضباط وسيارتين مدرعتين.. وبعد خمس عشرة دقيقة بالضبط كانت القوة فى شارع الشريفين، ولكن أول بيان للثورة لم يذع إلا فى السابعة والنصف موعد أول نشرة للأخبار، وخلال هذه الفترة من الرابعة وحتى السابعة والنصف، تتابعت مجموعة من الأحداث المثيرة.

فمع وصول أول قوة إلى مبنى الإذاعة، كانت حراسة المبنى تقوم بها قوة دائمة من بلوكات النظام، مكونة من حوالى 12 جندياً، وقوة الجيش لديها أوامر باحتلال المبنى دون أى احتكاك، وقائد الشرطة لا يفهم تفسيراً لموقف القوة القادمة، ويسأل عن السبب.

ضابط الجيش يقول إنها تعليمات بالخروج طوارئ لحراسة المنشآت العامة.

ضابط الشرطة يرفض الانسحاب لأنه لم يبلغ رئاسته.

ضابط الجيش يقول إن القانون يُلزم قوة الشرطة بالانسحاب فى حالة الطوارئ.

ضابط الشرطة يُصر على عدم الانسحاب.

ضابط الجيش يحرك السيارتين المدرعتين إلى طرف الشارع ويعلن أنه مضطر لاختبار قوة المدافع الرشاشة، وأنه سيطلق النار للتجربة، وأن الرصاص سيغطى الشارع كله.

ضابط الشرطة يجد أنه لا مفر من الانسحاب، وينتهى الموقف بسلام بعد أن يوزع ضابط الجيش قواته داخل جميع الممرات وأمام الاستديوهات، ويصدر أمراً بمنع دخول أى شخص أو خروجه من المبنى إلا بإذن خاص.

وفى نفس اللحظات التى كان فيها ضابط الجيش ينتهى من مهمته الأولى، كانت أصوات دبابات قوة ثانية تقترب من الإذاعة، وبسرعة أصدر أمراً إلى قواته خارج المبنى لتأخذ أماكنها وترد هجوم القوة القادمة، وبعد دقائق ظهرت دبابتان فى المقدمة وثلاثة لوريات ودبابتان فى المؤخرة.. ثم اتضح الموقف.. القوة الجديدة جاءت لتعزز القوة الأولى بعد أن نسى قائدها أن يُعطى الإشارة المتفق عليها، والتى تثبت أن مهمته نجحت فى الإذاعة.

 شاهد على محاولة الحكومة وقف الإرسال

فى نفس الوقت لم تكن حكومة جلالة الملك غافلة عما يحدث فى القاهرة رغم أنها كانت تقضى المصيف فى الإسكندرية، فقد كانت تدرك أن الاستيلاء على الإذاعة هدف استراتيجى لأى تحرك عسكرى، ولذلك ما إن علم رئيس الوزراء الهلالى باشا بسيطرة الجيش على الإذاعة حتى تحرك فى اتجاهين: عدم اصطدام قوات الشرطة التى تحرس الإذاعة، بقوات الجيش، والعمل على تأخير إذاعة بيان الثورة الأول، خاصة أنه قد أجرى اتصالاً باللواء محمد نجيب – الضابط الأشهر المؤهل لقيادة حركة الجيش كما هو متوقع– فأنكر علمه بوجود تحركات للجيش – ليخدع رئيس الحكومة بهدوء الأمور – وهو ما جعل رئيس الوزراء يشك فى هوية المسيطرين على الإذاعة، فحاول منعهم من إذاعة أى بيانات للتأكد من حقيقة مطالبهم والسيطرة عليهم دون أن يدرى أحد فى مصر بشىء، ظناً منه أن الأمر قد يكون بسيطاً، بعد أن طمأنه اللواء محمد نجيب، وفى كل الأحوال فقد تصرف رئيس الوزراء بحنكة سياسية ومسئولية فى التعامل مع الموقف،  فإن كانت عاصفة ومرت، فلن يشعر بها أحد، وإن كانت إعصاراً فقد أحنى رأسه له، دون أن يخطئ باتخاذ قرارات تكون لها عواقبها، ومن ثم كانت تعليماته لقيادة الإذاعة بعدم الاصطدام سواء من القوة المكلفة بالحراسة، أو سواء من المذيعين.

وكانت قيادة الإذاعة فى ذلك الوقت العصيب يحمل مسئوليتها على خليل، الرجل الثانى فى الإذاعة، خاصة أن مدير الإذاعة كان فى إجازة مصيف، لذلك جرى تعامل حكومة الملك مع على خليل من أجل محاولة وقف الإرسال الإذاعى واحتواء الموقف قبل أن يصحو المصريون.

كشاهد وطرف مشارك يروى على خليل قصة الساعات التى سبقت فجر23 يوليو فى محاولة يائسة لمنع أى بيان لحركة الجيش، يقول:

أكتب عن الإذاعة فى هذا الفجر شهادة شاهد عيان..

كنت نائماً ليلتها وحدى فى منزلى، إذ كنت أعيش مع والدتى – وكانت تقضى مع بعض إخوتى وآلنا فى مدينتنا بورسعيد بعض الوقت - فى تلك الليلة صحوت على دقات جرس باب الشقة فى الساعة الثانية وعشر دقائق من الفجر، فإذا اثنان من ضباط الشرطة أحدهما محمد إبراهيم إمام – رئيس القلم السياسى – يخبراننى بأن محافظ القاهرة ورئيس الشرطة حاولا الاتصال بى، ولكن تليفونى معطل، وأنهما جاءا ليخبرانى بأن قوات الجيش نزلت إلى المدينة، وأن جماعة منها احتلت دار الإذاعة بشارع علوى، وأن أوامر رئيس الوزراء نجيب الهلالى باشا – وكان فى الإسكندرية - تقضى بألا نقاوم وحدات الجيش، وأن تلتحم الشرطة بالجيش فى أى حال من الأحوال، وأن المطلوب الآن عدم تمكينهم من استخدام الإذاعة حتى لا ينتشر أمر الثورة، وذلك بأن تعطل محطة الإرسال فى أبى زعبل، حتى يتم اتفاق وتفاهم بين الحكومة والثوار.. وكأن شيئاً لم يحدث.

فقلت رداً عليهما: إن هذا العمل– تعطيل محطة أبى زعبل– ليس من اختصاصى، لأنه عمل هندسى من اختصاص وكيل الإذاعة للشئون الهندسية المهندس صلاح عامر، أما أنا فوكيل الإذاعة لشئون البرامج والشئون الإدارية والمالية، فقال لى رجلا الشرطة: ومع هذا نرجو أن تحضر معنا إلى دار المحافظة لتلتقى بالمحافظ والمسئولين هناك.

ارتديت ملابسى بسرعة، وهناك كررت القول إننى لست المسئول عن ذلك، فقرروا الاتصال بالمهندس صلاح عامر الذى اتصل بدوره بمحطة الإرسال فى أبى زعبل.. وعلم من المهندس المقيم بها أن القوة العسكرية لم تصل إليها، فطلب صلاح من مسئولى الأمن أن يرسلوا سيارتى نقل لحمل بعض صمامات المحطة، وست سيارات تاكسى لنقل المهندسين والعمال المقيمين فى أبى زعبل وعائلاتهم إلى القاهرة، حتى إذا وصلت وحدات من الجيش وجدت المحطة غير صالحة للعمل، بسبب رفع الصمامات، ولا يجدون بالتالى من يديرها.

بعد حوالى الساعة اتصل المهندس صلاح عامر تليفونيا وعلم أن المركبات التى طلبها لم تصل بعد، فطلبنا منه أن ينتظر، ثم عاود الاتصال مرة أخرى وأكد لنا أنه لم يصل أحد، بينما الجيش هو الذى وصل، وكان محافظ القاهرة على اتصال مباشر برئيس الوزراء فى الإسكندرية يخبره أولاً بأول بما يحدث، وهنا جاءت تعليمات جديدة من الهلالى باشا بأن يترك لرجال الجيش استخدام الإذاعة وألا يتعرض لهم أحد..

هنا أمسكت التليفون وطلبت فهمى عمر – مذيع الفترة الصباحية – فخرج من الاستديو ليحدثنى، فسألته عن الحال، فقال: الحمد لله، فقلت له: عليك أن تتعاون مع من لديك من رجال الجيش.. وهذه هى أوامر الحكومة. وكان رئيس الإذاعة محمد حسنى نجيب بك خارج القاهرة، فتصرفت وحدى وأصدرت أمراً بإلغاء جميع الإجازات المقررة واستدعاء من كانوا فى إجازة، واتصلت فى اليوم التالى بعبد الحميد يونس الذى كان يغطى الدورة الأوليمبية فى هلسنكى وطلبت منه أن يواصل موافاة الإذاعة برسائله، ذلك أن برامج الإذاعة وإن لونتها أحداث الثورة إلا أنها كانت مستمرة تؤدى خدماتها العادية.

بقى أن أوضح أننا حاولنا فى الفجر أن نحول دون الجيش واستخدام الإذاعة، ثم عُدنا فانتظمنا فى التعاون مع الثوار، سبب ذلك أنه عندما حضر إلى منزلى ضابطا الشرطة فى الفجر قالا لى قولا كرره المحافظ عندما وصلنا إليه، وهو: "أن رئيس الوزراء اتصل تليفونياً باللواء محمد نجيب – وكان معروفا أنه عميد الضباط المخالفين للملك – فأبلغ بأنه لا يعلم شيئاً عن تحرك الجيش".. هنا نشأ شك أن تكون القوة التى تحركت إلى دار الإذاعة.. "يهود" لبسوا ثياب الجيش المصرى مثلاً، أو أية قوة معادية مدسوسة، ما دام الرجل الوحيد الذى ينتظر أن يقود تمرداً أو انقلاباً عسكرياً ينفى علمه بأى تحرك..من هنا كانت محاولة التعاون مع الحكومة، وإلا كنا سلمنا لجماعة مجهولة.. كان هذا عند الفجر وقبل طلوع النهار وانقشاع الغموض وظهور ضباط جيش مصر وجنودها فى وضح النهار".

انتهت الشهادة الوحيدة المُهمة لعلى خليل عن كواليس السباق المحموم للحكومة لحرمان الثوار من استخدام الإذاعة، فكانوا أسبق منها، ومع ذلك لم تيأس الحكومة فحاولت مرة أخرى ونجحت جزئياً فى تأخير إذاعة البيان الأول ساعة كاملة – وهو ما سنتعرض له – بعد قليل – ولكن ليس قبل التوقف عند جزئية جانبها الصواب فى شهادة على خليل الذى لا نلومه كمسئول فى تعاونه مع الحكومة الملكية فى مواجهة خطر يهدد الإذاعة، ولم تكن أبعاد هذا الخطر قد اتضحت لأحد بعد، ولكن الذى نأخذه على شهادته قوله باحتمال سيطرة قوة يهودية متنكرة فى ثياب الجيش المصرى، على الإذاعة – وهو قول يجافى المنطق، فضلاً عن خروجه حتى عن الخيال، فلا سبب ولا مناسبة ولا حتى سياقاً معقولاً لوصول اليهود إلى الإذاعة متنكرين، فضلا عن دخولهم القاهرة أصلاً – إلا أن يكون الإذاعى القدير المخضرم قد أراد المبالغة فى نوعية الخطر الذى يُهدد الإذاعة، تبريرا لوقوفه مع الحكومة ليدرء عن نفسه شبهة التواطؤ ضد الثورة، مع أن له العذر كل العذر ولمن هم فى مثل موقفه فى لحظات فتنة لا أحد يدرى فيها لمن ستكون الغلبة.. للحكومة الشرعية أم للجيش الذى قام بانقلابه ضدها، فى هذه الحالة لا أحد يستطيع أن يحسم أمره أو يقرر موقفه إلا مغامر أو مقامر على المجهول، ومع ذلك فإن رجال الثورة قد أسروا فى أنفسهم موقف على خليل– لاشك أنهم علموا به فيما بعد – حتى قاموا بتنحيته عن الإذاعة فى أقرب فرصة لاحت لهم.

  كواليس ميلاد البيان الأول

ندخل الآن إلى الإذاعة نفسها لنرسم صورة ما يحدث بداخلها قبل إذاعة بيان الثورة وحتى إذاعته، وذلك من خلال الشهود المتواجدين بحكم عملهم فى ذلك الصباح الذى فاجأهم بأحداثه، وهم المذيع والفنيون المنوط بهم تنفيذ الفترة الصباحية.

داخل استديوهات الإذاعة يدور الحدث الثالث– بعد استيلاء الجيش على الإذاعة ومحاولة الحكومة وقف الإرسال – فالسابعة صباحاً هو الموعد المحدد لإذاعة أول بيانات الثورة، والقوات تنتظر الجهاز الفنى المسئول عن تشغيل الاستديو، الجهاز مكون من المذيع فهمى عمر، ومهندس الاستديوهات محمد إسماعيل، ومهندس الشرائط جلال نوارة، والمسئول عن إعداد النشرة محمد شرف.

البرنامج اليومى يبدأ فى السادسة والنصف بتمرينات رياضية، ثم موسيقى، ثم القرآن، وحديث دينى، ثم نشرة الأخبار.

تقرر أن يبدأ الإرسال بالموسيقى العسكرية بدلاً من التمرينات الرياضية، يليها إلقاء مندوب الثورة لبيانها الأول.

وصلت عقارب الساعة إلى الساعة السادسة والنصف.

داخل الاستديو يجلس أنور السادات– مندوب القيادة، وفهمى عمر مذيع الفترة الصباحية، ويبدأ الفترة بالمقدمة العادية، وأُذيعت الموسيقى العسكرية، وتعلقت كل الأنفاس داخل الاستديو، وفى ممرات الإذاعة وحولها، تنتظر اللحظة الحاسمة، لحظة إلقاء أول بيان يقدم الثورة لأصحابها ويحدد أهدافها.

وبدأ الحدث الرابع أو أكثر الأحداث إثارة، فاللمبة الحمراء أضاءت أمام الميكروفون.. ومعنى النور الأحمر هو انقطاع الإرسال.. ومرت دقائق حرجة، عاد بعدها الإرسال، وتصور الكل أن الانقطاع كان مجرد عطل فنى، وبقيت دقائق على إذاعة النشرة وإلقاء البيان.

وانقطع الإرسال مرة ثانية، وعاد لينقطع للمرة الثالثة.. ولكن ورغم كل شىء أُذيع البيان على الشعب، ولم يشعر المستمعون بالمحاولات التى بُذلت لمنع وصول أول صوت للثورة إليها.. فأول انقطاع كان من محطة الإرسال بأبى زعبل، وبسرعة توجهت بعض القوات إلى المحطة واحتلتها، وعاد الإرسال.

والانقطاع الثانى كان عن طريق مصلحة التليفونات، فالإرسال فى ذلك الوقت كان يخرج من استديوهات الإذاعة فى شارع علوى إلى محطة التليفونات عن طريق خمسة خطوط تليفونية، ومنها يصل الإرسال إلى أبى زعبل، وعندما عاد الإرسال بعد الاستيلاء على محطة الإرسال بأبى زعبل، أُعطيت أوامر من بعض المسئولين عن الإذاعة التابعين للسراى، إلى المسئولين فى مصلحة التليفونات بقطع الإرسال عن طريق الخطوط التليفونية، ونفذ الأمر وقطع الإرسال للمرة الثانية، ولكن مهندسى الاستديوهات اكتشفوا أن مصلحة التليفونات قطعت أربعة خطوط ونسيت الخط الخامس، فاستأنفوا الإرسال على الخط المنسى، وتنبه المختصون فى مصلحة التليفونات وقطعوا الخط الخامس، وانقطع الإرسال للمرة الثالثة.. وأجريت مجموعة من الاتصالات التليفونية السريعة، وعاد الإرسال للمرة الأخيرة، والتقى الناس لأول مرة بأول بيان عن الثورة.. وحتى فترة المساء كانت البيانات يقدمها ويقرأها ضابط من القيادة، ومع نشرة الثامنة والنصف مساء، جاءت لحظة تحول مهمة، فالمطلوب الآن أن يقوم المذيعون بتقديم البيانات، وكان جلال معوض مذيع فترة السهرة، وكان قد سبقه فهمى عمر فى الفترة الصباحية، فماذا حدث بين الفترتين؟ شهود الأحداث يتكلمون.

 الشاهد الأول.. فهمى عمر

يوم 23 يوليو 1952، كان يومى فى "الشيفت" الصباحى.. كانت الإذاعة تبدأ إرسالها فى السادسة والنصف صباحاً.. توجهت من منزلى فى شبرا – حيث كنت أسكن وقتها– إلى الإذاعة، وصلت الساعة السادسة صباحا إلى مبنى الإذاعة فى الشريفين، شعرت بأن هناك وضعا غريبا جدا، حيث فوجئت بوجود عربات مصفحة فى كل مكان، وكردون من جنود القوات المسلحة فى الشوارع المحيطة بالإذاعة، حيث منعونى من دخول الإذاعة، وتقدم إليَّ أحد الضباط فقلت له: أنا فهمى عمر المذيع، فاصطحبنى إلى استديوهات علوى، حيث وجدت الجنود يملأون أركان الإذاعة، وعندما دخلت الاستراحة وجدت أنور السادات ومعه بعض الضباط، ولأن أنور السادات كان شهيراً بيننا كطلاب، حيث كنا نقرأ قصته فى قضية أمين عثمان، وكواحد من رموز الحركة الوطنية، فقد عرفته على الفور، وتحركت نحوه وقدمت له نفسى وسلمت عليه، واستقبلنى الرجل بابتسامة صافية، وأخذ يتحدث معى بهدوء شديد ثم قال لى ببساطة وبلهجة بها أدب وتواضع: نحن نأسف لتغيير البرنامج اليوم، سندخل عليه بعض التعديلات، ولكننى استفسرت عن التعديل الذى سيجرونه على البرنامج ، فقال: بعد إذنك لدينا بيان نريد أن نلقيه على الناس، وقلت له مبتسما: حاضر – وكان لا يسعنى إلا أن أقول له حاضر "يا روح ما بعدك روح"، فأنا لم يكن فى استطاعتى أن أقول له انتظر حتى أعرض الأمر على رؤسائى من أجل البيانات العسكرية. أجلسنى السادات بجانبه، ثم سألنى عن الخريطة الإذاعية ، قلت: نحن نبدأ بتمرينات رياضية ثم مارش عسكرى ثم قرآن كريم وتفسير لما قُرئ من القرآن ثم يليه نشرة أخبار السادسة والنصف، واقترحت على السادات أن نبدأ إرسال الإذاعة بالموسيقى العسكرية بدلا من الألعاب الرياضية، ووافق السادات على الاقتراح، ثم دخلنا الاستديو معا وبدأت فى بث البرنامج وبداية الإرسال، وقبل أن يبدأ "المارش العسكرى" الذى يسبق نشرة الصباح أخبرنى مهندس الصوت بأن الإرسال قُطع عن أبى زعبل، فأخبرت السادات بأن الميكروفون أصبح لا يزيد عن كونه قطعة حديد صماء، فتغير لون وجهه، وقام على الفور ليجرى عدة اتصالات بأبى زعبل لإعادة الإرسال الذى لم يعد إلا فى السابعة وقت إذاعة القرآن الكريم، وكان الاتفاق أن السادات سيلقى بيانه بعد إذاعة القرآن الكريم، لكن الإرسال انقطع مرة أخرى، ولكن هذه المرة من هيئة التليفونات، ثم عاد فى السابعة والنصف.

هل كان هذا الأمر بفعل فاعل– لا أدرى، لكن ما أستطيع أن أجزم به أن ما حدث من انقطاع الإرسال كان مصلحة كبيرة للبيان، حيث قُدر للبيان أن يُذاع فى مستهل نشرة الأخبار التى كانت تحظى بمتابعة كبيرة جداً.. قلت للسادات: هل أقرأ بيان الثورة بصوتى؟ قال لى: نريد أن نجنبكم المخاطر، قلت له: هل أذكر اسمك؟ فقال: لا، بل يلقيه مندوب القيادة".. لأن السادات كان حريصاً جداً ويعرف كيف يأخذ حذره. وبدأت أُقدمه:

"أعلنت ساعة جامعة فؤاد الأول السابعة والنصف، وإليكم نشرة الأخبار الأولى لهذا اليوم، نستهلها ببيان من القيادة العامة للقوات المسلحة يلقيه مندوب القيادة"، وبعد أن ألقى السادات البيان الأول، أكملت قراءة النشرة، وكنت قد أخبرت السادات أن نشرة الأخبار تتضمن أخبارا عن الملك فاروق ووزارة الهلالى، فطلب منى إذاعتها.. ثم دخل ضابط آخر ليلقى البيان مرة ثانية فثالثة، بعد ذلك نزلت من الإذاعة لأكتشف أن البيان أخرج الناس من البيوت ومن كل مكان يوجدون فيه.

كانت قراءة البيان ركيكة جداً، بعد قراءة السادات له، لأنه لم يسجل البيان بصوته فى ذلك اليوم، بل أذيع فقط، أما البيان الذى نحتفظ به على الأشرطة والذى تذيعه الإذاعة حالياً، فليس هو البيان الذى أذيع يوم قيام الثورة، بل تم تسجيله بصوت السادات يوم 23 يناير 1953 بمناسبة مرور ستة شهور على الثورة.

منذ ذلك اليوم عُرفت بأننى مذيع الثورة، خصوصاً بعد أن قال السادات ذلك فى عدة حوارات بعد توليه رئاسة الجمهورية.

 الشاهد الثانى.. محمد شرف

كان قَدرى أن أكون محرر النشرة الإخبارية الصباحية فى الإذاعة فى اليوم الذى تحرك فيه الضباط الأحرار للقيام بالثورة، كما كان قدر الزميل فهمى عمر أن يكون مذيع الفترة الصباحية، وقدر المهندس محمد إسماعيل أن يكون المشرف على فرقة الإرسال فى غرفة المراقبة (يتذكر المهندس محمد إسماعيل أنه أسرع إلى غرفة المراقبة وهو "مخضوض" ولكنه لا ينسى أن السادات استطاع أن بزيل اضطرابه، فنفذ تعليماته بدقة).

أذكر أننى فى طريقى إلى مبنى الإذاعة فى شارع الشريفين قبل الخامسة صباحاً لأعد نشرة الأخبار، شاهدت عددا من الدبابات، وسمعت بعض المارة يقولون "دول بيصوروا فيلم"!.

اقتربت من مبنى الإذاعة وجدته محاطاً بقوات الجيش، وأمام الباب سمح لى الضابط بالصعود بعد أن تأكد أننى المحرر المسئول عن النشرة.

وجلست إلى مكتبى لإعداد نشرة الأخبار بعد أن جمعت أشرطة الورق من وكالات الأنباء، وبعد أن راجعت المظاريف المتروكة لى لأعد النشرة على ضوء ما فيها من تعليمات خاصة بالرقابة على الإذاعة والصحف.. وعندما أمسكت بالقلم لأكتب أول خبر، اتصل بى عامل "السويتش" الحاج مصطفى وقال لى: الإذاعة احتلوها، قلت: أعرف، وهل تعرف السبب؟ قال لى: الأستاذ على خليل– مراقب عام البرامج – قال لى: عليك أن تتصرف على مسئوليتك. مضت لحظات.. جاءنى تليفون من الاستديوهات بشارع علوى من مهندس الصوت محمد إسماعيل، قال لى: فيه ضباط من الجيش يريدون أن يذيعوا بياناً، وفهمى عمر قال لهم إن إذاعة البيانات مسئولية محرر النشرة.

والحق أننى لم أشعر بالقلق حتى اتصل بى الزميل فهمى عمر وقال بصوت حاد متعجل: الجيش يريد أن يذيع بيانا من الراديو، وقد أخبرت الضباط بأن نظام الإذاعة يقضى بأن يذاع مثل هذا النبأ فى نشرة الأخبار، وليس مهمة المذيع أن يذيع بياناً سياسياً خارج نشرة الأخبار. قلت لفهمى عمر: سأحضر لأُعد نشرة الأخبار عندك.

وجمعت أوراقى وأشرطة الأخبار ومظاريف التعليمات، ونزلت مهرولاً إلى الاستديوهات فى شارع علوى، ولم يعترضنى أحد عند الخروج، رغم الحصار بجنود لا تزيد المسافة بين أحدهم والآخر على أربعة أمتار، وكان يقف على درجات السلم الطويل جندى على كل درجتين، وكانوا بملابس الميدان يحملون أسلحتهم دون أن يرفعوها.

ووصلت إلى غرفة الرقابة الهندسية على الاستديوهات، وقادنى الزميل فهمى عمر والزميل المهندس محمد إسماعيل إلى حيث يجلس ضابط برتبة بكباشى بملابس التشريفة، فقالا له فى صوت واحد تقريباً: هذا هو محرر الأخبار المسئول عن إذاعة البيانات والمادة السياسية. وعرفت للتو واللحظة أن هذا الضابط هو أنور السادات، نظرا لتتبعى لمحاكمته فى مقتل أمين عثمان، ولكننى لم أعرف حتى تلك اللحظة حقيقة صلته بالضباط الأحرار.

وجدته هادئاً لم يتحرك من كرسيه أمام المكتب الذى يجلس إليه، وأحسست أنه يخفى تحت هدوئه اضطراباً شديداً وخوفاً لا أعرف مصدره.

وكان معه عدد من الضباط أقل رتبة منه، يرتدون ملابس الميدان، وأخصهم بالذكر اليوزباشى جمال القاضى الذى كان أكثر عدوانية.

قلت للبكباشى أنور السادات: هل أستطيع أن أرى البيان الذى تريدون إذاعته؟، وبهدوء سلمنى ورقة فولسكاب مسطرة مكتوبة بقلم كوبيا وبخط لا بأس به، وقرأت البيان بسرعة، وقلت مخاطبا البكباشى أنور السادات: لكن مطالبكم تنحصر فى إجراء إصلاحات فى الجيش وتغيير قياداته، وتعيين من تختارونهم بقيادة الجيش.. واستفسرت من السادات عن ذلك.

وللحقيقة والتاريخ أذكر أن أنور السادات قال لى: النهاردة حاجة وبكرة حاجة تانية.. الأمور سوف تتضح فى القريب العاجل.

قلت له: إننا لا نستطيع. زملائى وأنا، أن نمنعكم من إذاعة البيان، فأنتم مسلحون ونحن عُزل من السلاح، ثم إن قضيتكم هى قضيتنا.

وكان اليوزباشى جمال القاضى يتحرش بنا طوال الوقت بطبنجته المتدلية من حزامه، ولكن أنور السادات قال له: لا داعى لذلك.. ونهض من مكانه وقال يخاطبنى: هل تذيع البيان الأول؟.. وفى هذه اللحظة كان المهندس إسماعيل قد جاءنى وقال لى وهو يهمس: قُطع الإرسال ولم تعد الإذاعة إلا فى الاستديو.

وأبلغت السادات بتلك الحقيقة، فقال: غريبة.. لقد أرسلنا قوة للاستيلاء على مصلحة التليفونات وعلى محطات الإرسال. ونزل مسرعاً إلى حيث اتصل بقيادته، لا أدرى من أين، ثم عاد ليقول: إن الإذاعة الآن مسموعة. ولما كانت القراءة الصباحية للقرآن الكريم على الهواء، قلت للسادات: من تقاليدنا فى الإذاعة ألا نقطع على القرآن الكريم مهما كانت الأسباب. فوافق، ولم يلبث القارئ أن اختتم قراءته، وأراد السادات أن يقرأ الزميل فهمى عُمر أول بيان للثورة، واعترضت قائلاً: إن هذا قد يُعرض المذيع للاصطدام مع الحكومة.. إن هذه مسئولية الضباط أصحاب البيان. ووافق أنور السادات على أن نفتح له الميكروفون ويقرأ هو البيان بنفسه (لا بد هنا من تعليق فقد اعترف فهمى عمر بنفسه كما ذكرنا من قبل أنه هو الذى عرض على السادات قراءة البيان، ولكن السادات هو الذى رفض حتى لا يعرضه للخطر).

وعرفنا فيما بعد نحن الذين كنا معه فى الاستديو أنه بعد قراءة البيان الأول للثورة، تدفقت الجماهير فى الشوارع وزحفت على الميادين الكبيرة فى المُدن وفى القرى.. خرج الناس يتساءلون عما حدث، وانتظر الجميع بجوار أجهزة الراديو يترقبون التفاصيل، وهذا يوضح تأثير الإذاعة ومدى انتشارها، مع العلم أن الساعة كانت السابعة والنصف صباحاً، ولكن مصر كلها استيقظت، لأنه كان حدثاً فريداً جديداً لم يسبق لمصر أن سمعت أو رأت مثله، بل كان منتظراً ومتوقعاً، وكنا فى الإذاعة فى أى وقت ومهما كانت الظروف نكرس كل وقتنا وجهدنا من أجل أن تصل الكلمة الصادقة إلى جماهير شعبنا، وكنا فى أوقات الشدة – وما أكثرها – نأكل فى مكاتبنا الخبز والماء تحسباً لما قد يُستجد من أحداث نبلغها للجماهير.

 الشاهد الثالث.. جلال نوارة

توجهت إلى الإذاعة فى مواعيد عملى الرسمية.. فوجئت بأن الإذاعة محتلة بقوات الثورة، وكان المبنى محاصراً بالدبابات.. تقدمت أنا وبعض زملائى، فاستقبلونا بترحاب شديد وأفسحوا لنا.. دخلنا.. فوجئنا برجل حازم صلب، فلاح مصرى صرف، لا تفلح صرامة وجهه فى إخفاء طيبة قلبه، ولا يفلح غطاء الرأس فى إخفاء زبيبة الصلاة فوق جبهته العريضة.. عرفت أنه الضابط الثائر أنور السادات، وعرفت أنه جاء يذيع بيان الثورة.. كنت مسئولا يومها عن تسجيلات غرفة التسجيلات، وأدركت ساعتها أننى حصلت على شرف عظيم إذ قُدر لى أن أحضر ميلاد أعظم حركة ثورية قامت فى تاريخ مصر، وزادت فرحتى حينما شعرت بأن فى العيون كلها لمعة إخلاص لهذه الثورة.

قمت بتسجيل البيان (ولنا تعليق: الوقفة هنا ضرورية لأن مهندس التسجيل يصحح التاريخ، وينفى الرواية الشهيرة عن إذاعة السادات لبيان الثورة على الهواء دون تسجيل لم يتم إلا بعد شهور كما هو شائع، وهذا الكلام الجديد لمهندس التسجيل يرجح لنا احتمال عدم إذاعة البيان مرة أخرى بصوت السادات حتى لا يرتبط قيام الثورة باسمه خاصة بعد ظهور رد الفعل الإيجابى من الجماهير، ومن ثم صدرت تعليمات قيادة الثورة بمسح التسجيل، يؤكد هذا الاحتمال أن ثروت عكاشة أحد الضباط الأحرار حينما أراد أن يبرز دور سلاح الفرسان– الذى ينتمى إليه – فى مقال له بمجلة "التحرير" التى يرأس تحريرها، احتج مجلس قيادة الثورة عليه، بل وأقاله وأبعده عن مصر سفيرا فى الخارج، أما السادات نفسه فيقول: ويوم قامت ثورة يوليو كنت الوحيد الذى يعرفه الناس، وقد سبب لى ذلك بعض المشاكل، وأقول بعض المشاكل، ولكنى فيما بعد سوف أقول:بعض المتاعب.. وأحمد الله أنها سببت لى ذلك، فقد كانت صدمة عنيفة أفقت بعدها على فهم جديد لثورتنا، واهتديت بعد ذلك إلى سلوك خاص).

 وعندما بدأنا إذاعته حدث ما لم يكن فى الحسبان.. صدرت تعليمات مشددة من السراى، تم على إثرها قطع الإرسال ما بين غرفة المراقبة ومصلحة التليفونات، واستشاط أنور السادات غضباً، وأمر بتوصيل الإرسال ما بين الاستديوهات والتليفونات، وتم ذلك بالفعل، وبدأنا نذيع، ولكننا فوجئنا بالإرسال قد انقطع فيما بين التليفونات ومحطة الإرسال، وارتفع غضب أنور السادات، وأمر بتواجد قوة فى مصلحة التليفونات لضمان عدم قطع الإرسال مرة أخرى،  ولكن السراى كانت فى منتهى النشاط فأعطت أوامرها لمحطة الإرسال فى أبى زعبل بإسكات المحطات، وأمر السادات بأنزال قوة إلى الجبل الأصفر، تقوم باحتلال المحطة، وكنت فى تلك اللحظة بجانبه، ورأيته يستريح بعد وصول القوة واحتلالها المحطة، وقلت لسيادته: لا بد أن يُكلف أحد بالنزول إلى الشارع والوقوف أمام أحد الراديوهات لكى يتأكد.. فالراديو هو الوسيلة الوحيدة التى يمكن أن تقنعنا بأن الإرسال مستمر بالفعل.

وأمر السادات أحد الجنود بالنزول إلى المقهى المقابل لمبنى علوى.

وكان منظراً طريفا.. تعب الجندى من الصعود والهبوط كل دقيقة: "قطعت يا فندم – اشتغلت يا فندم"، وكان هذا هو الـ"شيكنج" الوحيد، ولو لم نكن مخلصين للثورة لكان من الممكن أن نخدعها بأن البيان يُذاع بالفعل لمجرد خروج الصوت فى الاستديو.. المهم أننا فوجئنا بأن الإرسال ينقطع من جديد، ذلك أن محطة الإرسال كانت تأخذ الكهرباء من محطة توليد الكهرباء الخاصة بالسكة الحديد فى المنطقة هناك، فأمرتها السراى بقطع الكهرباء عن المحطة، ولكن السادات لم يتزعزع ولم يفقد أعصابه، بل ازداد قوة وصلابة وإصراراً فأمر بإرسال قوة إلى المحطة تقوم نفسها بتشغيلها، وعاد تيار الكهرباء إلى محطات الإرسال، وأذيع البيان ونجحت الثورة.

الشاهد الرابع.. جلال معوض

قرأ عدد من ضباط الثورة الذين تولوا حراسة الإذاعة، البيان بعد السادات، وكانوا يخطئون كثيرا فى اللغة العربية، فى ذلك الوقت كان حسنى نجيب مدير الإذاعة آنذاك يقضى مصيفه فى الإسكندرية، فعقد على خليل وكيل الإذاعة ومدير عام البرامج اجتماعاً للمذيعين ظهر يوم 23 يوليو 1952، وقال لنا فيه بالنص: "نحن بين قوتين، قوة شرعية تملك ولا تحكم، وقوة غير شرعية تحكم ولا تملك، فعلينا أن نمسك العصا من منتصفها.. بمعنى ألا ننحاز لرأى إحدى القوتين، يعنى نترك بتوع الثورة يقولون أمام الميكروفون كل ما يريدون أن يقولوه، لكن نحن لا شأن لنا، ولا نقول شيئاً بالمرة ".

ولكننى شخصيا لم أستطع إلا أن أمسك العصا من أولها، ما حدث أنه فى نفس اليوم كان مفروضاً أن أقرأ نشرة أخبار الثامنة والنصف مساء 23 يوليو، وأذعت بيان الثورة بصوتى، وظُهر اليوم التالى طلبنى كبير المذيعين وقال لى: "أنت موقوف عن العمل لأنك خالفت التعليمات وقرأت البيان بصوتك، ولن تدخل الاستديو بعد اليوم ".

ولكن قرار وقفى لم يستمر أكثر من ساعات، فقد ألغاه على خليل مدير البرامج، فى نفس اليوم.

 الشاهد الخامس.. محمد رشدى

كنت متعودا أن أغنى فى الإذاعة كل خمسة عشر يوماً على الهواء، وجاء يوم 23 يوليو ووصلتى الغنائية تبدأ من الثامنة والربع.. ذهبت للإذاعة ومعى الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن، وكنا فى الصباح على علم بأن هناك اضطرابات قد حدثت فى الجيش، لكننا لم نستوعب حقيقة ما حدث.

أمام مبنى الإذاعة وجدنا الدبابات، ورغم ذلك لم يمنعنى هذا من الصعود للمبنى للغناء، لأننى كنت أتقاضى 17 جنيها توزع مناصفة بينى وبين الفرقة الماسية.

صعدنا للاستديو، وسألنى الضابط عن الأغنية التى أعددتها للوصلة، فقلت له " ع الجبين مكتوب"، قال لى: لماذا هذا الحزن واليوم يجب أن يعم الفرح، واقترح أن أغنى "قولوا لمأذون البلد". فكانت أول أغنية تقدمها الإذاعة على الهواء يوم الثورة.

رواية أخرى لبيان الثورة

 ورغم أنه قد صار معروفا تاريخيا أن أنور السادات هو الذى ألقى بيان الثورة بشهادة فهمى عمر مذيع الفترة الصباحية فى يوم 23 يوليو 1952، والذى قدمه لإلقاء بيانه، إلا أننى فوجئت بالباحث حلمى النمنم فى كتابه "الجيش والإخوان"  يذكر أن: " البيان الأول الذى ألقاه الضابط محمد أنور السادات من الإذاعة المصرية فى السابعة من صباح 23 يوليو، وكان قد أذيع قبل ذلك بساعات بصوت اللواء محمد نجيب، لكن الناس كانوا نياما فلم يسمع جيدا " ( كتاب الهلال – أكتوبر 2019 ).

• ولما سألت حلمى النمنم عن مصادره ذكر لى مذكرات اللواء محمد نجيب نفسه ولجنة كتابة التاريخ التى شكلها الرئيس السادات برئاسة نائبه حسنى مبارك فى ذلك الوقت.

- ولكن الإذاعة لا تفتح أبوابها إلا فى السادسة صباحا.

• البيان كان مسجلا.

- متى وأين وكيف وبيان السادات نفسه الذى أذيع فى السابعة والنصف صباحا لم يسجل، لأن مهندس التسجيل– طبقا لفهمى عمر– لم يكن يحضر إلا فى التاسعة صباحا، وعندما أراد المخرج السيد بدير تقديم برنامج احتفالا بمرور ستة أشهر على قيام الثورة استعان بفهمى عمر لتحديد موعد مع السادات لتسجيل بيان الثورة، فاستعان بدوره بوجيه أباظه– أحد الضباط الأحرار- الذى حدد له موعدا مع السادات بمجلس قيادة الثورة بالجزيرة، وأذيع البيان مرة أخرى مسجلا بصوت السادات، وهو الذى يذاع فى كل مناسبة فى ذكرى قيام الثورة، ولو كان البيان بصوت اللواء نجيب مسجلا ﻷذيع وقتها وتكررت إذاعته بصوت قائد الثورة المعلن وقتها، ولم تكن هناك حاجة لأن يأتى السادات لإلقاء البيان، ثم يسجله بصوته بعد ستة أشهر من قيام الثورة.

• لم يذع بيان السادات المسجل إلا بعد توليه الحكم، أما قبل ذلك فلم يذع أبدا طوال عصر عبد الناصر.

-وما الحاجة إذن لإذاعة البيان مرة أخرى بصوت السادات مادام كان مسجلا بصوت اللواء محمد نجيب كما ذكرت؟

• لأن السادات كان صوته أقوى وأوضح وأفصح فى لغته العربية.

- هذا ما ذكره هيكل فعلا بهذا المعنى فى كتابه "خريف الغضب" فى توضيحه لأسباب اختيار عبد الناصر للسادات بالذات لإلقاء بيان الثورة، فقال: "أمسك عبدالناصر بنسخة من البيان المكتوب ونادى أنور السادات: "أنور إن لديك صوتا قويا وأنت تجيد الإلقاء، فاذهب الآن إلى استديو الإذاعة واقرأ هذا البيان".

• ومع ذلك فقد أذيع البيان بعد ذلك بصوت نجيب المسجل أكثر من مرة بعد إذاعته بصوت السادات.

- ولماذا سجل بصوت السادات بعد ذلك وارتبط البيان باسمه ولم يرتبط باسم نجيب مع أنه كما ذكرت هو أول من ألقى البيان مسجلا بصوته؟

• إنها الحساسية التى بدأت بين أعضاء مجلس قيادة الثورة ومحمد نجيب الذى تصدر الثورة منذ قيامها وأصبح رمزا لها، حتى أنهم أخذوا عليه تنازله عن رتبة الفريق التى أنعم عليه بها الملك– ضمن طلبات الثورة بعد نجاحها بأن يعين الملك اللواء نجيب قائدا عاما للجيش– وكانت حجة نجيب فى تنازله عن الرتبة أنها كانت ستضيف إلى راتبه عشرين جنيها رأى أن يوفرها لخزينة الدولة، مما اعتبر مبالغة فى التجرد والنزاهة.

- أين نجد محاضر لجنة كتابة التاريخ التى ذكرت أنها وثقت لبيان اللواء نجيب فى الإذاعة؟

• وردت هذه المعلومة فى كتاب لسليمان مظهر عن ثورة يوليو، فقد كان سكرتيرا للجنة كتابة التاريخ، ولما طلبت منه الاطلاع على محاضرها فاجأنى بقوله إنه كان يحتفظ بها فى بيته، ولما سافر للعمل بمجلة "العربى"  الكويتية، أخذ تلك المحاضر معه خوفا عليها من الضياع، ولما قام الرئيس العراقى صدام حسين بغزو الكويت هرب من بيته نجاة بنفسه، ولما تحررت الكويت كان كل شىء قد ضاع".

- وكيف يسمح لسكرتير لجنة كتابة التاريخ بالاحتفاظ بوثائق على درجة عالية من الأهمية فى بيته ثم يسمح له بالمرور بها إلى خارج البلاد؟

• كثيرا ما تحدث مثل هذه الأمور، وأذكر أننى وجدت أحد العاملين بدار الهلال يمزق أوراقا للتخلص منها، فلما استوقفته اكتشفت أنها صورة من محاضر التحقيق فى قضية اغتيال الرئيس السادات، والتى بلغت مليون صفحة، ولم أستطع أن أستنقذ منها إلا ثلاثمائة صفحة، والمفترض أنها أوراق سرية، ولكنها شأن أوراق أخرى من هذا النوع يسمح لرؤساء التحرير بالاطلاع عليها لوضعهم فى صورة ما يحدث بالبلاد، ثم يحدث أن يتخلصوا منها لسريتها غير المسموح بتداولها".

  شهادة سامى شرف

أما سامى شرف سكرتير الرئيس للمعلومات فله رواية مختلفة تماما فى مذكراته "سنوات مع عبد الناصر"، يقول فيها:

• "إن محيى الدين سلامة الخولى أحد الضباط الأحرار فى سلاح المدفعية هو أول من أذاع بيان قيام ثورة 23 يوليو قبل أن يصل البكباشى أنور السادات إلى مبنى الإذاعة ".

وهذه رواية لا تصمد كثيرا إذا قمنا بمناقشتها، فصاحبها أضير فى عصر السادات، وجرى اعتقاله باعتباره أحد مراكز القوى التى تآمرت على الرئيس السادات، ومن ثم فإن شهادة سامى شرف تبقى مجروحة، وقد حاولت أن أحصل على شهادته على السادات بعد مرور حوالى سبعة وعشرين عاما على رحيل السادات– على اعتبار أن الزمن والموت قد داويا الجراح- ولكنه اكتفى بقوله إنه: "رجل دمه خفيف"! فلما حاولت أن أعرف أبعاد هذه الكلمة، قال لى: يعنى كان ابن نكتة! ولما ألححت: كيف؟، طلب الانصراف عن هذا الموضوع.. فلم تزل مرارة اعتقاله تسمم صورة السادات لديه، وكشف لى أنه حينما تولى وزارة الإعلام بالإنابة أصدر قرارا للصحف بألا تنشر شيئا عن نشاط السيدة جيهان السادات، فتحدثت إليه تستفسر منه عن عدم تغطية الصحف لنشاطها الاجتماعى – ولم تكن تعلم بقراره – فقال لها إن نشاطها مكانه صحف المرأة. وغضبت جيهان – حسبما قال لى سامى شرف -  وكان ما كان، وربما يفسر ذلك الموقف ما أشيع عن غضب آخر لجيهان السادات حينما تبسطت أم كلثوم مع الرئيس أنور السادات وقالت له: "يا أبو الأناور"، فقالت لها جيهان: "إنه الرئيس السادات"، وقد نفت جيهان هذه الرواية، كما نفتها أم كلثوم نفسها فى حوارها مع وجدى الحكيم الذى نشره أيمن الحكيم، وإن قيل إن صاحب هذه الشائعة هو سامى شرف!.

• ومع ذلك فإن حلمى النمنم قد ذكر لى أن سامى شرف قال له إن السادات قد سمح له بالسفر للعلاج فى لندن مرتين، وفى المرة الأخيرة طلب منه أن يبقى حتى يزول الخطر المحيط بمصر من الإخوان بعد أن تبين له غدرهم به.. ولكن بعد فوات الأوان. كما قال له أيضًا إنه بكى عندما سمع باغتيال السادات.

• على أية حال.. فلم تكن شخصية السادات بالنسبة لسامى شرف إلا إن "دمه خفيف"، ولكنه اعترف "إنه  والمجموعة التى كان معها واعتقلها السادات كانوا قادرين على القيام بانقلاب ضده، ولكنهم لم يفعلوا لأن البلاد كانت لا تحتمل،  لأنها كانت فى حالة حرب".. أيا كان الأمر فإن خصوما للسادات كهيكل ويوسف إدريس،  أو على الأقل ممن لا يتعاطفون معه أو يحاولون الظهور بمظهر الكاتب المحايد من عصر السادات كأحمد بهاء الدين، يقرون أن السادات هو من ألقى البيان، وتبقى شهادة المذيع فهمى عمر الذى قدم السادات لإلقاء بيان الثورة، هى الشهادة الأشهر.

 دور الإذاعة فى المحيط العربى

وحين أرادت الثورة التواصل مع محيطها العربى لتفعيل ثورة العرب لتحقيق استقلالهم،  أنشأت إذاعة "صوت العرب" التى أثبتت فاعليتها، إلى درجة أن جعلتها انجلترا هدفا عسكريا لإسكاته أثناء العدوان الثلاثى الذى اشتركت فيه مع فرنسا وإسرائيل.

ومن العجيب أنه رغم إدراك قادة الثورة لأهمية الإذاعة، فقد اقترح عبد الناصر على سيد قطب أن يكون رئيسا للإذاعة بديلا لمنصب وزير المعارف الذى وعده به، بعد اعتراض قادة الثورة عليه، لتخوفهم من أفكاره على مناهج التعليم، مع أن خطر أفكاره على الإذاعة أخطر وأوسع انتشارا، ومن العجيب أن سيد قطب رفض رئاسة الإذاعة، لأنه كان يريد السلطة التى لم يرها إلا فى تقلد منصب الوزارة، ومن ثم بدأ ينفث حقده على الثورة التى حرمته من تحقيق طموحاته، حتى أصبح من أشد أعدائها والمتآمرين عليها،  رغم أنهم وثقوا به، ولكنه غدر بهم كما غدر بوطنه وكفر مواطنيه.

ورغم ظهور التليفزيون 1960 إلا أن الأولوية كانت للإذاعة، فحين قررت مصر الاعتراف بثورة الفاتح من سبتمبر 1969 فى ليبيا، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر تعليماته إلى فتحى الديب مدير الشئون العربية بالمخابرات المصرية، بأن يذاع اعتراف مصر بالثورة الجديدة عبر الإذاعة.


 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من اعلام

تكريم د.نسرين عبد العزيز بجامعةالدول العربية ضمن لجنة تحكيم مسابقة“وسام الخير"

شهدت جامعة الدول العربية تكريم د. نسرين عبد العزيز، أستاذة الإذاعة والتليفزيون بالمعهد الدولي العالي للإعلام بالشروق ومدير وحدة التدريب،...

ندوة عن الأبعاد القانونية والأخلاقية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي بإعلام القاهرة

تحت رعاية الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة، والأستاذة الدكتورة وسام نصر عميدة كلية الإعلام، وبإشراف الدكتورة...

توثيق حياة شيخ الإذاعيين فهمى عمــر فى «نصف قرن مع الميكروفون»

الفيلم أنتجته وحدة الإنتاج الوثائقى بالقناة الأولى محمد فاروق: الإعلامى الراحل صاحب مسيرة مهنية حافلة تتطلب تقديم عمل يليق بها...

«الأغانى» تحيى ذكرى فريد الأطرش وسيد مكاوى

تحيى إذاعة الأغانى ذكرى فريد الأطرش يوم الثلاثاء 21 أبريل الجارى بباقة متنوعة ونادرة من تسجيلاته، وعلى مدار اليوم تذاع...