متحف الحضارة.. رحلة فى قلب الذاكرة المصرية

ملحمة معمارية تمزج بين شموخ الأهرامات والحداثة المعمارية وتختصر 35 ألف عام من الإبداع قاعة المنسوجات تروى تاريخ النسيج والأزياء عبر أكثر من 3 آلاف عام كل مومياء معروضة بجوار تابوتها الأصلى مع بطاقة شارحة ذكية وشاشة تفاعلية

تبدأ القصص العظيمة دائما من لحظة استثنائية، يتقاطع فيها المكان مع الزمان. وحكايتنا اليوم ليست مجرد جولة فى مبنى تضم جدرانه بعض التماثيل، بل هى رحلة فى عمق الوجدان المصرى، نستهلها من أرض مصر القديمة، حيث تلتقى أنفاس التاريخ الأولى ببريق الحاضر. هنا، فى منطقة الفسطاط، أول عاصمة إسلامية فى أفريقيا على يد القائد عمرو بن العاص، وعلى مقربة من جبال المقطم العتيقة وعيون عين الصيرة الاستشفائية، يقف المتحف القومى للحضارة المصرية، كحارس أمين على ذاكرة أمة لم تتوقف عن العطاء منذ فجر البشرية.

تعود البداية الأولى لولادة هذا الصرح الثقافى إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا فى عام 1982، عندما أطلقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، بالتعاون مع الدولة المصرية، حملة دولية لحماية وتوثيق التراث الثقافى، كان الهدف وقتها لا يقتصر على بناء متحف يضم آثارا مستخرجة من باطن الأرض، بل كان الطموح أبعد من ذلك بكثير، إبتكار مفهوم جديد للمتاحف، يسمى "متحف الحضارة". ففى المتاحف التقليدية تعرض القطع الأثرية مقسمة حسب العصور التاريخية بشكل منفصل، العصر الفرعونى وحده، ثم اليونانى الرومانى، ثم القبطى، والإسلامى. لكن الرؤية الجديدة التى وضعت لمتحف الحضارة، كانت تعتمد على فكرة "التراكم الحضاري"، أى إبراز كيف أثرت هذه العصور فى بعضها، وكيف استمر الجين المصرى الحضارى متصلا عبر آلاف السنين دون انقطاع.

لم يكن اختيار الموقع أمرا سهلا، إذ مرت اللجان الأثرية والهندسية بسلسلة طويلة من البحث، والمفاضلة بين عدة مناطق داخل القاهرة الكبرى، وكان القرار النهائى باختيار أرض الفسطاط قرارا عبقريا، يحمل دلالات تاريخية وجغرافية عميقة، فالفسطاط ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي النقطة التى شهدت انصهار الحضارات المختلفة، وبالقرب منها يقع "حصن بابليون" المعلم الرومانى الشهير، ومجمع الأديان الذى يجمع الكنيسة المعلقة ومعبد بن عزرا اليهودى وجامع عمرو بن العاص، إلى جوار سور مجرى العيون، الذى بناه السلاطين لمد القلعة بالمياه. وضع المتحف فى هذا الموقع التاريخى أعاد إحياء المنطقة بالكامل.

امتدت مرحلة التخطيط والدراسات سنوات طويلة، نظرا للطبيعة الجيولوجية للتربة المحيطة ببحيرة عين الصيرة، والمياه الجوفية الكبريتية النابعة من باطن الأرض، وتطلب الأمر حلولا هندسية معقدة، لعزل الأساسات وحماية القاعات السفلى للمتحف حماية فائقة، تدوم لعقود وقرون قادمة.

 

أقيم هذا الصرح الحضارى الشاهق على مساحة إجمالية شاسعة، بلغت نحو 135 ألف متر مربع، ما يعادل 33 فدانا، لتستوعب قاعات العرض المتطورة، والحضائق المفتوحة، والبحيرة، وساحات الانتظار ومبانى الخدمات، ولا تكمن ضخامة المتحف فى مساحته العمرانية فحسب، بل فى ثرائه الأثرى الهائل، إذ يضم المتحف -بين جنباته وخزائنه المغلقة وقاعاته المفتوحة- ما يزيد على 50 ألف قطعة أثرية ومقتنى حضارى، مختارة بعناية فائقة من مختلف المتاحف والمواقع الأثرية فى ربوع مصر، لتعبر عن كافة المراحل التاريخية التى مرت بها البلاد، بينما يعرض فى قاعات العرض الرئيسية والفرعية الحالية أكثر من 1,600 قطعة أثرية فريدة، صممت لها سيناريوهات عرض عالمية تناسب كل قطعة منها.

استوحيت الخطوط المعمارية الخارجية للمبنى من القمم الهرمية والانسيابية المعاصرة، ليقف المبنى الرئيسى بتصميمه الهرمى البلورى كأنه قطعة نابتة من قلب الأرض المصرية، تمزج بين شموخ الأهرامات القديمة والحداثة المعمارية للقرن الحادي والعشرين.

الحدث الذى حفر اسم هذا المتحف فى ذاكرة العالم أجمع، وجعل الملايين عبر القارات يتابعونه بشغف وحبس أنفاس، كان ذلك المساء المشهود فى الثالث من أبريل عام 2021، يوم أن عاشت القاهرة احتفالية أسطورية لم تشهد لها المتاحف مثيلا من قبل، وهي موكب المومياوات الملكية الذهبي. فى ذلك اليوم، غادرت اثنتان وعشرون مومياء ملكية (ثمانية عشر ملكا وأربع ملكات) موطنها القديم فى المتحف المصرى بوسط البلد بالتحرير، لتبدأ رحلة العبور إلى مقرها الدائم والنهائى بمتحف الحضارة بالفسطاط.

كان الموكب ملحمة فنية وهندسية بكل المقاييس، حيث حملت جثامين ملوك مصر العظام من أمثال رمسيس الثانى، وتحتمس الثالث، وسقنن رع، والملكة حتشبسوت، والملكة تى فوق عربات حربية، مصممة خصيصا بالطراز الفرعونى، ومزودة بنظام كبسولات نيتروجينية معزولة تماما، لحماية المومياوات من أية اهتزازات أو تغيرات مناخية خلال الطريق، وزينت شوارع العاصمة الممتدة من التحرير وصولا إلى الفسطاط بالأضواء والورود، وعزفت الأوركسترا الموسيقية ألحانا مستوحاة من النصوص الفرعونية القديمة، وسط حضور قادة الدولة ورموز الفن والثقافة والإعلام الدولى، وما إن وصل موكب الملوك إلى بوابة متحف الحضارة، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة تحية لأرواحهم، حتى أعلن افتتاح المتحف رسميا، لتبدأ صفحة جديدة ناصعة البياض فى سجل المتاحف العالمية.

حين تقف اليوم أمام البوابة الرئيسية للمتحف القومى للحضارة، ستشعر بتلك الهيبة التى تحيط بالمكان، فالمبنى الممتد بتصميمه المتناسق، وبحيرة عين الصيرة الممتدة أمامه، والمساحات المفتوحة التى تحيط به من كل جانب، تنبئك جميعها بأنك على وشك الدخول إلى عالم غنى بالقصص والأسرار، حيث كل حجر له لسانه، وكل قطعة أثرية تقف خلفها حكاية إنسان، عاش وزرع وبنى وحلم على ضفاف النيل.

القاعة الرئيسية.. سردية الزمن

بمجرد أن تعبر البوابة الرئيسية، وتلج إلى البهو الفريد للمتحف القومى للحضارة المصرية، يتملكك إحساس فورى بالاتساع والهيبة: السقف المرتفع المزدان بتصاميم ضوئية مبتكرة، والأرضيات الرخامية الصافية التى تعكس الضوء بنعومة، يقودانك بتناغم سلس نحو المدخل الرئيسى لقاعة العرض الرئيسية، قلب المتحف النابض، ومساحة شاسعة صممت بعبقرية هندسية، تتيح للزائر أن يتحرك بحرية كاملة، دون التقيد بمسار إجبارى ضيق، ليخوض تجربته الاستكشافية الخاصة بين أروقة التاريخ.

اعتمد سيناريو العرض الأثرى، داخل القاعة الرئيسية، على فكرة المفهوم الشامل للحضارة، فلا توجد جدران خرسانية سميكة تفصل بين حقبة وأخرى، بل تتداخل العصور، فى انسيابية بصرية تعكس حقيقة التاريخ المصرى؛ نهر واحد تدفقت فيه روافد متعددة. وتتوزع المعروضات عبر ثمانية محاور حضارية ورئيسية، تجسد الأنشطة والإنجازات التى شكلت الشخصية المصرية، بدءا من نشأة الفكر والإيمان، مرورا بالكتابة والعلوم، والزراعة والصناعة، ووصولا إلى الفنون والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية.

فجر التاريخ

تستقبلك، فى بداية الجولة، المجموعات الأثرية التى تؤرخ للحظات الأولى لظهور الإنسان على أرض مصر، فى العصور الحجرية القديمة والمتوسطة والحديثة. وهنا يتوقف الزائر فى ذهول أمام أحد أندر وأهم المقتنيات البشرية فى العالم، هيكل عظمى مكتمل تقريبا لشاب، يعود إلى نحو خمسة وثلاثين ألف عام، وقد تم اكتشافه فى منطقة نزلة خاطر بمحافظة سوهاج، بجوار أدواته الحجرية. يعد هذا الهيكل أقدم دليل علمى على وجود الإنسان الحديث فى مصر وأفريقيا، ويوضح مدى تفوقه البدنى وعقليته المبكرة، حيث عثر بجانبه على أزاميل ومثاقب حجرية، استخدمها فى حفر المناجم لاستخراج حجر الزجاج لصناعة أسلحته.

وإلى جوار هذا الهيكل، تتراص فترينات العرض التى تضم الأوانى الفخارية الأولى ذات الأشكال البدائية، والسكاكين الحجرية المصنوعة من حجر الزجاج، بأسنانها المشرشرة الدقيقة، ورءوس السهام التى استخدمها المصرى القديم فى صيد الحيوانات البرية قبل استئناسها. يمكنك أن تلاحظ بوضوح كيف تطورت صناعة الفخار، من الأوانى الخشنة المحروقة المكشوفة، إلى الأوانى المزخرفة بأشكال الهندسة والحيوانات والأشجار فى حضارات "بنى سلامة" و"البداري" و"نقادة الأولى والثانية"، وهى المظاهر التى تمهد لظهور الدولة المصرية الموحدة.

العصر الفرعونى.. ذروة المجد

حين تنتقل ببصرك نحو القسم الفرعونى، تجد نفسك أمام فيض من العظمة التى جسدتها أيدى الفراعنة تتصدر المشهد: تماثيل شاهقة للملوك والوزراء والكتاب، الذين أداروا عجلة الدولة العظمى من أبرز القطع:

تمثال الملك تحتمس الثالث: الإمبراطور العسكري الأعظم فى التاريخ القديم، الجالس على عرشه، بملامح تجمع بين الصرامة والوقار الملكى، وقد نحتت تفاصيل جسده ورداء الكتان بدقة مذهلة من حجر الشست الأخضر الداكن.

 

تمثال الملكة حتشبسوت المعروض بملابس الملوك الكاملة واللحية المستعارة، مما يعكس حنكتها السياسية، وإدارتها للبلاد فى واحدة من أزهى فترة السلام والتجارة.

لوحة المعمارى "حسى رع": لوحة خشبية نادرة تعود لعصر الدولة القديمة الأسرة الثالثة، وتعد أول توثيق لمهنة "طبيب الأسنان" فى التاريخ، حيث يقال إن حسى رع كان رئيس أطباء الأسنان والكتبة لدى الملك زوسر، وتظهر على اللوحة أدواته مكتوبة بالخط الهيروغليفى بدقة متناهية.

الأدوت الطبية والجراحية: يتفاجأ الزائر بوجود فترينة كاملة تضم أدوات جراحية برونزية من العصر الفرعونى، تشبه إلى حد كبير المشرط والمقص والملقط الحديث، مما يؤكد تقدم المصريين القدماء فى علوم الطب والتشريح والجراحة المعقدة مثل جراحات العظام والمخ.

ولم يغفل سيناريو العرض الجانب الاجتماعى، حيث أفردت فترينات خاصة للزينة والحلى اليومية، فترى عقودا من الفيروز والعقيق والذهب الخالص، ومكاحل مصنوعة من العاج والأبنوس، ومرايا برونزية مصقولة، كانت تستخدمها السيدات والمشرفات فى البلاط الملكى، إلى جانب أدوات الألعاب والتسلية مثل لعبة "السنيت" (الأسلاف الأولى للعبة الشطرنج الحديثة)

اليونانى الرومانى.. لقاء الشرق والغرب

ينساب المعرض بك إلى العصرين البطلمى والرومانى، حيث التحمت الحضارة المصرية القديمة بالفنون الإغريقية والرومانية، الوافدة مع الإسكندر الأكبر وخلفائه، ويظهر هذا الامتزاج بوضوح فى القطع الأثرية المعروضة مثل التماثيل الرخامية ناصعة البياض للملوك البطالمة والآلهة الإغريقية، مثل "سيراكيس"، و"إيزيس" بالرداء الرومانى ذى الثنيات المتعددة، ولكن بتيجان ورموز مصرية فرعونية، وبورتريهات الفيوم (وجوه الفيوم) وهى لوحات خشبية نادرة مرسومة بأسلوب الشمع المذاب (الأنكوستيك)، كانت توضع على وجوه المومياوات فى العصر الرومانى، وتتجلى فى هذه الوجوه النظرات الحية والعيون الواسعة والتفاصيل المدهشة للبشرة وتصفيفات الشعر والحلى، وكأن أصحابها يقفون أمامك اليوم يتبادلون معك النظرات عبر ألفى عام. كما تضم مجموعات غنية من مسارب الزيت الفخارية ذات الزخارف النباتية والحيوانية، والأوانى الزجاجية الملونة التى شاعت صناعتها فى الإسكندرية الرومانية.

القبطى.. روحانية الفن وجمالياته

فى قسم الحضارة القبطية، تهدأ النبرة البصرية، لتدخل فى أجواء تفيض بالروحانية والسكينة. تسلط المعروضات الضوء على الدور المحورى لمصر كمهد الرهبنة المسيحية وملاذ للعائلة المقدسة.

الأيقونات الخشبية عبارة عن أيقونات أثرية مرسومة بألوان أصلية نادرة تجسد السيد المسيح، والسيدة العذراء، والفرسان القديسين مثل مارجرجس ومارمينا، بملامحها الشرقية الصافية والترانيم البصرية المنسكبة منها. ويخصص المتحف مساحة واسعة لعرض المنسوجات القبطية الشهيرة التى غطت جدران الكنائس وملابس الرهبان والناس، تتنوع هذه الأقمشة المصنوعة من الكتان والصوف، بألوانها الثابتة (الأحمر الدائم، الأزرق النيلى، والذهبى)، مزدانة بزخارف هندسية ونباتية وأشكال ملاك وطيور تعكس ذوقا فنيا رفيعا. كما تعرض صلبان برونزية وفضية محفورة، ومباخر نحاسية، ومخطوطات جلدية مدونة باللغة القبطية واليونانية، تضم نصوصا من الإنجيل والعزامين، بالإضافة إلى مفاتيح وأوان مقدسة تبرز ثراء التراث القبطى المصرى.

الإسلامى.. الزخرفة وجماليات الخط

يتواصل السرد الحضارى ليصل بك إلى العصر الإسلامى، بمختلف دوله المتعاقبة على مصر (الطولونية، والإخشيدية، الفاطمية، والأيوبية، والمملوكية، والعثمانية) يفيض هذا القسم بالبهاء المعمارى والفنى، منها المحراب الخشبى المتنقل للسيدة رقية، وهو قطعة تحفة فن أثرية فريدة مصنوعة من الخشب الجاوى، والمحفور بحشوات أرابيسك غاية فى الدقة والتعقيد، تعود للعصر الفاطمى، وكانت تستخدم للنقل والتبرك فى المناسبات. كما يضم المشكاوات الزجاجية المضاءة، وتحتوى مجموعات نادرة من المشكاوات المصنوعة من الزجاج المموه بالمينا الملونة والذهب، والتي كانت تعلق فى مساجد القاهرة المملوكية، مثل مسجد السلطان حسن ومسجد البرقوقى. تحمل هذه المشكاوات آيات قرآنية بالخط الثلث والمماوكي وأدعية للسلاطين.

ويضم هذا القسم مجموعة أبواب ضخمة مصفحة بالنحاس والبرونز ذى الأشكال الهندسية النجمية المورقة، إلى جانب المشربيات الخشبية المعشقة التي كانت تزين منازل القاهرة القديمة وتوفر الخصوصية والتهوية. كما يحوى مجموعات متكاملة من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية المضروبة فى دار الضرب بالقاهرة، والتي تؤرخ أسماء الخلفاء والسلاطين والتطور الاقتصادي عبر العصور.

الحديث والمعاصر

لا ينتهى المطاف بالقاعة الرئيسية عند التاريخ القديم، بل يمتد ليربط الماضي بالحاضر المشهود، حيث توجد مقتنيات الأسرة العلوية من ساعات ذهبية، وأطقم أوان سيمفونية من الخزف والبورسلين الفاخر، وأوسمة ونياشين مرصعة بالألماس، كانت تخص ملوك وأمراء أسرة محمد على باشا. كما تعرض القاعة جزءا أصيلا من كسوة الكعبة المشرفة التى كانت تصنع سنويا فى دار الكسوة بمنطقة الخرنفش بالقاهرة، وتنقل إلى مكة المكرمة فى موكب "المحمل" الشهير، وسط الاحتفالات الشعبية، الكسوة مطرزة بخيوط الفضة والذهب الخالص على الحرير الأسود الناعم بأيات قرآنية جليلة.

 

ويضم قسم التراث الشعبي والأزياء الإقليمية نماذج حية للأزياء الشعبية التقليدية للمرأة والرجل فى مختلف أقاليم مصر، فترى الفستان السيناوى المطرز بالخيوط الحمراء والخرز، والزى النوبى الأبيض الأنيق، والحلى الفضية الثقيلة لسيدات واحة سيوة والصعيد، مما يبرز تنوع وفخامة الهوية الشعبية المصرية.

الملكوت السفلى.. سحر المومياوات

بعد أن يستوعب عقل الزائر هذا الزخم الحضارى الممتد فى القاعة الرئيسية، تأخذه خطواته نحو درج رخامى انسيابى، ينحدر به إلى أسفل الأرض، حيث تقع قاعة المومياوات الملكية. هنا تتغير أجواء الزيارة تماما، ويدخل المكان فى حالة من الهيبة والوقار التى تفرض نفسها على الحواس.

صممت الممرات المؤدية إلى هذه القاعة السفلية بأسلوب معمارى يمكنك من العيش فى تجربة حسية، تحاكى النزول إلى "وادى الملوك" بالأقصر، فالجدران مكسوة بأحجار داكنة، والإضاءة خافتة جدا، وموجهة بتركيز شديد على الممرات، مع خلفية صوتية شبه معدومة، لتهيئتك نفسيا للقاء أباترة وملوك العالم القديم.

تضم هذه القاعة الأسطورية اثنتين وعشرين مومياء ملكية، ثمانى عشرة مومياء لملوك وأربع مومياوات لملكات، خضعت جميعها لأعلى درجات العناية والترميم والتجهيز التقنى، بفضل أطباء وعلماء الآثار المصريين، تعرض كل مومياء داخل فترينة استثنائية عازلة للصدمات، ومزودة بنظام تحكم آلى دقيق فى درجات الحرارة والرطوبة، ومحاطة بغاز النيتروجين الخامل، لمنع أى تلف أو تحلل للنسيج البشرى على مر القرون.

وما يزيد تجربة العرض ثراء وجاذبية، أن كل مومياء معروضة بجوار تابوتها الأصلى المصنوع من الخشب أو الحجر، ومصحوبة ببطاقة شارحة ذكية، وشاشة تفاعلية تعمل بتقنيات الأشعة المقطعية من خلال هذه الشاشات. ويستطيع الزائر رؤية التفاصيل الدقيقة لما تحت لفائف التحنيط، دون المساس بالمومياء، فتظهر عظام الملك، وأسنانه، والعقود والتمائم الذهبية المخبيأة بين طيات القماش، فضلا عن تقديم معلومات موثقة عن عمر الملك وقت الوفاة، والأمراض التى عانى منها، والسبب الحقيقي لوفاته..

ومن أبرز الملوك الذين يقف أمامهم الزائرون بمهابة وإجلال: الملك سقنن رع تاعا الثانى، قائد بداية حرب التحرير ضد الهكسوس، وتظهر على جمجمته آثار طعنات وسهام وضربات بأسلحة الهكسوس، لتظل مومياؤه شاهدا حيا على التضحية والبطولة من أجل أرض مصر. كما توجد مومياء الملك تحتمس الثالث، القائد العسكري الفذ الذى لم يخسر معركة قط، وشيد أول وأعظم إمبراطورية فى التاريخ، الممتدة من الرافدين شمالا حتى السودان جنوبا. ومومياء الملك رمسيس الثانى، بطل حرب وسلام العصر القديم، وصاحب معاهدة السلام الأولى فى التاريخ مع الحيثيين، وأحد أطول الملوك حكما لمصر. وتظهر مومياؤه بملامحها الواضحة وشعر ملكى منحنى ووجه يحمل هيبة العرش حتى بعد ألاف السنين..

كما توجد مومياء الملكة حتشبسوت، إحدى أقوى سيدات التاريخ القديم، والتي شهدت مصر فى عهدها نهضة معمارية وتجارية غير مسبوقة. وكذلك الملكة تى، زوجة الملك أمنحوتب الثالث ووالدة أخناتون، والتي خطفت الأنظار بموميانها التى احتفظت بخصلات شعرها المتموج والأحمر اللامع، بدرجة إعجازية أبهرت العلماء والمشاهدين.

قاعة المنسوجات

عند خروجك من مهابة قاعة المومياوات، تأخذك جولة ثانية نحو قاعة المنسوجات المصرية، وهى أحدث القاعات المضافة للمتحف، والتي تعد بمثابة سيناريو عرض مستقل، يروى تاريخ النسيج والأزياء فى مصر عبر أكثر من ثلاثة ألاف عام،

تستعرض القاعة كيف استطاع الصانع المصرى تحويل نبات الكتان وصوف الغنم وحرير الديدان إلى أقمشة فاخرة، تنافس أرقى المنسوجات الحديثة. وتضم المعروضات: ملابس الكتان الفرعونية المصنوعة من أقمشة كتانية ناصعة البياض، تعود للدولة القديمة والحديثة، بينها أغطية وأسرة ملكية وشبابيك غزل ونسيج نادرة. كما تضم المنسوجات القبطية والإسلامية، وقطعا مذهلة من أقمشة الملابس القبطية المطرزة بالصلبان والأشكال الهندسية، وقطعا من النسيج الطرازى الإسلامى المكتوب عليه بالخط الكوفى المذهب ألقاب الخلفاء والولاة، إضافة إلى أزياء الأسرة العلوية والبلاط الملكى، وتعرض فساتين وأزياء مصنوعة من الحرير والدانتيل والمرصعة بالفضة، والتي كانت ترتديها الأميرات فى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ويحتوى قسم على الأنوال الخشبية والمغازل والمقاص القديمة، التى استخدمها الغزالون فى الوروش التاريخية بالفسطاط وإخميم والمحلة الكبرى فى صناعة الأزياء.

الأنشطة الثقافية والفنية والأثرية

لا يتوقف دور المتحف القومى للحضارة عند كونه خزينة لحفظ الآثار والقطع الصامتة، بل ينبض بالفعاليات الحية والأنشطة اليومية، التى تجعل منه مركز إشعاع ثقافى متكاملا، إذ ينظم المتحف بشكل دورى ورش عمل مخصصة للأطفال وللبالغين، يشرف عليها أثريون وفنانون متخصصون، يتعلم المشاركون فيها صناعة الفخار على العجلة الفخارية، ورسم الخط العربي والزخارف الإسلامية، والكتابة بالخط الهيروغليفي على أوراق البردى، وحفر النحاس، وصناعة السجاد والنسيج اليدوى. ويستضيف مسرح المتحف والمركز التعليمى كبار علماء الآثار والتاريخ والمرممين، من مصر ومختلف جامعات العالم، لإلقاء محاضرات عن أحدث الاكتشافات الأثرية، إلى جانب مناقشة أحدث تقنيات حفظ وتأمين الآثار. وتحولت المساحات المفتوحة للمتحف والمسرح الرومانى المطل على البحيرة إلى منصة استثنائية لأرقى الحفلات الموسيقية، واستضاف المتحف حفلات للأوركسترا الفيلهارمونى، وعروضا للغناء التراثى والأوبرا، وحوارات موسيقية بين الموسيقى الشرقية والغربية، فى أجواء ليلية ساحرة. كما يخصص المتحف قاعات للمعارض المؤقتة، التى تستضيف أعمالا لفنانين تشكيليين مصريين ودوليين، ومعارض تصوير فوتوغرافي توثق التراث اللامادى والمولد والحرف اليدوية فى المحافظات المصرية.

دليل الزائر الشامل

حرصت إدارة المتحف على دراسة كل حركة للزائر، منذ دخوله وحتى مغادرته، لضمان أعلى مستويات الراحة والانسيابية للجميع، ويعد المتحف نموذجا معماريا رائدا فى تطبيق معايير الإتاحة الشاملة، ويخلو المبنى تماما من العوائق المعمارية، حيث أعدت جميع الممرات بمنحدرات خرسانية خشبية ملساء (رامبات) ذات ميول مدروسة، تناسب الكراسى المتحركة، كما تتوزع فى أرجاء المبنى مصاعد بانورامية زجاجية وسلالم كهربائية متطورة، تنقل الزوار بين القاعة الرئيسية وقاعة المومياوات القابعة بالأسفل، ومساحة المنسوجات والخدمات.

يتوفر عند المدخل الرئيسى للمتحف أسطول من الكراسى المتحركة الحديثة، تقدم مجانا لكبار السن وذوى القدرات الخاصة، وتزويد المعروضات ببطاقات شارحة مكتوبة بطريقة "برايل" للمكفوفين وضعاف البصر، بالإضافة إلى توفير شاشات تفاعلية تعرض مقاطع فيديو توضيحية بلغة الإشارة. ويتيح المتحف تطبيقا إلكترونيا ذكيا مجانيا يمكن تحميله على الهواتف المحمولة، يوفر جولة إرشادية صوتية مفصلة بعدة لغات عالمية، ويكفى أن يمسح الزائر رمز الاستجابة السريعة الموجود بجوار كل فترينة عرض، ليستمع إلى شرح أثرى وتاريخى شيق للقطعة المعروضة.

مجمع المطاعم والكافيهات

يتصل بالمتحف مجمع مطاعم فاخر صمم بتراس زجاجى مفتوح، يطل مباشرة على مياه بحيرة عين الصيرة، والنوافير المائية والحدائق المحيطة بها. يضم المجمع مطاعم عالمية ومحلية، تقدم وجبات متنوعة ومشروبات باردة وساخنة، إلى جانب كافيهات موزعة فى الممر الخارجي للراغبين فى استراحة قصيرة بين جولات القاعات.

ويوجد متجر للهدايا التذكارية يتيح للزوار شراء مستنسخات أثرية معتمدة رسميا ومختومة من وزارة السياحة والآثار، مصنوعة فى مصنع المستنسخات الأثرية بأيدى فنانين مصريين، كما يضم المتجر كتبا وموسوعات تاريخية مصورة بكل اللغات، ومصنوعات جلدية وخشبية وحليا فضية يدوية، مستوحاة من التراث الفرعونى والقبطى والإسلامى. كما توجد قاعات خاصة ومجهزة لتقديم العناية بالأطفال والأمهات، إضافة لمساحات استراحة مريحة ومظلمة داخل القاعات والساحات الخارجية.

يفتح المتحف أبوابه للجمهور يوميا من 9 صباحا حتى 5 مساء، ويغلق شباك التذاكر 4 عصرا، ويتيح المتحف فترة زيارة مسائية كل جمعة، من 6 حتى 9 مساء. وتتضمن التذكرة دخول القاعة الرئيسية، وقاعة المومياوات الملكية، وقاعة المنسوجات، ويبلغ سعر تذكرة دخول المتحف 120 جنيها مصريا للبالغين، أما الطلاب 60 جنيها مصريا، بشرط إبراز إثبات الشخصية أو كارنيه الطالب، والطلاب الأجانب 250 جنيها مصريا. وتوجد فئات معفاة من رسوم الدخول، وهى الأطفال تحت 6 سنوات، وكبار السن من المواطنين المصريين فوق سن 60 عاما، وذوو الهمم من المصريين مع مرافق واحد، وأسر الشهداء والمحاربين القدامى، وطلاب كليات الآثار والفنون الجميلة والتطبيقية والمرشدون السياحيون. ويمكن الدفع عبر البطاقات المباشرة بشباك التذاكر أو الشراء المسبق بسهولة عن طريق الموقع الإلكترونى الرسمى لوزارة السياحة والآثار والمتحف.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

أحمد المهدلى: الشعر جعلنى أتفوق فى دراسة الطب

قصيدته فازت بالمركز الأول فى جامعة بنى سويف الشاعر ضمير مجتمعه ويعبر عن طموحاته وآلامه

متحف الحضارة.. رحلة فى قلب الذاكرة المصرية

ملحمة معمارية تمزج بين شموخ الأهرامات والحداثة المعمارية وتختصر 35 ألف عام من الإبداع قاعة المنسوجات تروى تاريخ النسيج والأزياء...

«لانش بوكس» صحى لتلاميذ المدارس

الإفراط فى الوجبات سريعة التحضير يضر التوازن الغذائى

مصروفات المدارس الخاصة.. نار تحرق الأسر وتهدد استقرار الطلاب

أولياء الأمور يرون أن الزيادات كبيرة وغير مبررة أحمد خطاب: التعليم خدمة ترتبط ببناء الإنسان وليس مجرد مشروع تجارى محمد...


مقالات

قصة القزم الراقص
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لعالم الصدمات
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م