جراحات ترميم الوجه.. مهمة دقيقة لاستعادة الملامح والثقة بالنفس

تنتهي بعض الحوادث بمجرد التام الأنسجة، بينما تظل حوادث أخرى محفورة فى ملامح أصحابها لسنوات طويلة.

وفي إصابات الوجه والفكين تحديدا، لا يتوقف الأمر عند كسر عظمة أو جرح يحتاج إلى خياطة، بل قد تمتد الإصابة إلى شيء أكثر حساسية وتعقيدا: صورة الإنسان عن نفسه وصورته في عيون الآخرين.

فالوجه ليس مجرد جزء ظاهر من الجسم

فهو المساحة التي نعرف بها، ونبتسم من خلالها، ونعبر بها عن الغضب والخوف والفرحوالطمانينة ونتواصل مع الآخرين والحياة. لذلك تبدو إصابات الوجه مختلفة عن أي إصابة أخرى، لأنها تصيب شيئًا يتجاوز الوظيفة الجسدية إلى الإحساس الإنساني الكامل بالهوية والثقة والحضور هكذا بدأ الدكتور كرم علام أستاذ جراحة التجميل بطب سوهاج حديثه، وأضاف:

رغم أن لحظة الحادث نفسها قد تستغرق ثواني قليلة، فإن ما بعدها قد يكون رحلة طويلة من الجراحات الدقيقة ومحاولات الترميم واستعادة التوازن الذي فقدته الملامح فجأة.

ليست كل الإصابات متشابهة؛ ففي جراحة تجميل الوجه والفكين لا توجد إصابتان متطابقتان.

قد يصل مريضان تعرضا لنفس نوع الحادث تقريبا، بينما يختلف حجم الضرر بينهما بصورة كبيرة جدا.

أحيانا تكون الإصابة مجرد جرح بسيط أو كسر محدود في عظام الأنف أو الفك، وأحيانًا أخرى يكون هناك تهشم معقد في عظام الوجه أو إصابة بمحجر العين، أو فقدان أجزاء من الجلد والعضلات والأنسجة الرخوة، بل وقد يمتد الأمر إلى الأعصاب والأسنان والأنسجة المحيطة بالكامل.

وحين تكون المشكلة في اختفاء جزء من مكونات الوجه نفسها نتيجة التهتك أو فقدان الأنسجة يصبح التحدي الحقيقي أكثر تعقيدا من مجرد "إصلاح عظمة مكسورة".

كل مليمتر في الوجه له وظيفة وتأثير. عضلات صغيرة مسئولة عن التعبير أعصاب تمنح الإحساس والحركة عظام دقيقة تحافظ على التناسق، وأنسجة رخوة تتحكم في شكل الملامح الطبيعية. ولهذا فإن أي تغيير بسيط قد يكون واضحًا بصورة كبيرة جدا.

اختلاف محدود في مستوى العينين، أو انحراف بسيط في الفك، أو ندبة في مكان حساس، قد يترك أثرا نفسيا كبيرا على المريض حتى لو بدا الأمر "بسيطا".

كما أن بعض الإصابات لا تظهر خطورتها من الخارج. فقد يبدو الجرح محدودا بينما تكشف الأشعة وجود كسور متعددة أو إصابات عميقة تحتاج إلى تدخل دقيق وسريع.

في الساعات الأولى بعد الإصابة، ينشغل الجميع بالنجاة من الخطر المباشر: السيطرة على النزيف، تأمين التنفس، التعامل مع الكسور الحادة. لكن بعد تجاوز هذه المرحلة تبدأ رحلة أخرى أكثر هدوءًا وأحيانا أكثر صعوبة.

رحلة التعامل ثم التعايش مع التغيرات التي أصابت الوجه.

بعض المرضى يتجنبون النظر في المرأة لفترة طويلة آخرون يفقدون الرغبة في الاختلاط بالناس أو العودة للعمل. وهناك من يشعر أن ملامحه لم تعد تشبهه، حتى بعد نجاحالجراحة من الناحية الطبية.

الأطفال والمراهقون يتأثرون بصورة خاصة لأن أي تغير واضح في الملامح قد ينعكس على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية

السنوات طويلة.

ولهذا فإن التعامل مع إصابات الوجه لا يجب أن يكون تعاملا ميكانيكيا مع العظام والأنسجة فقط، بل فهما كاملا للأثر النفسي والإنساني

الذي تتركه هذه الإصابات.

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن كل إصابة تحتاج إلى تدخل جراحي فوري وعنيف.

الحقيقة أن القرار في جراحات الوجه والفكين يعتمد أولا على التقييم الدقيق جدا للحالة.

ما حجم الكسور؟

هل توجد إصابة بالأعصاب؟

هل فقدت الأنسجة قدرتها على الحياة

الطبيعية ؟

هل هناك تلوث أو تهتك شديد؟

هل الأولوية الآن لاستعادة الوظيفة أم الشكل

أم الاثنين معا ؟

كل هذه الأسئلة تحدد خطة العلاج.

وفي كثير من الأحيان، تختلف القرارات بصورة دراماتيكية من مريض لآخر رغم تشابه

الإصابات ظاهريا.

العمر والحالة الصحية، وطبيعة الجلد، وحجم فقدان الأنسجة، ووقت الوصول للمستشفى وحتى طبيعة الحياة اليومية للمريض كلها عوامل تغير طريقة التفكير الجراحي بالكامل.

عندما يصاحب الإصابة فقدان في الجلد أو العضلات أو أجزاء من العظام، تصبح الجراحة أكثر تعقيدا وحساسية. فهنا لا يكفي تثبيت الكسور فقط، بل يجب التفكير في كيفية استعادة الأنسجة المفقودة بأفضل صورة ممكنة، مع الحفاظ على الوظيفة والشكل في الوقت نفسه. وفي بعض الحالات، يحتاج الأمر إلى نقل أنسجة من مناطق أخرى بالجسم أو إجراء مراحل متعددة من الترميم على فترات زمنية مختلفة. لكن الأهم دائما هو الحكمة في اتخاذ القرار. فليس كل ما يمكن فعله جراحياً يجب فعله فورا. أحيانًا يكون التدخل المحدود والمدروس أفضل كثيرا من جراحة كبيرة متسرعة قد تترك مضاعفات يصعب علاجها لاحقا.

فالوجه لا يتأقلم مع العنف الجراحي، بل مع الدقة والصبر واحترام طبيعة الأنسجة البشرية.

التطور الكبير في جراحات الوجه والفكين أحدث فارقا هائلا خلال السنوات الأخيرة.

الأشعة ثلاثية الأبعاد والشرائح الدقيقة والتخطيط الرقمي، وتقنيات إعادة بناء العظام والأنسجة، كلها ساعدت في تحسين النتائج بدرجات كبيرة.

أصبح من الممكن اليوم إعادة بناء أجزاء معقدة من الوجه بدقة أعلى كثيرا مما كان متاحًا في السابق. لكن رغم ذلك، تبقى التكنولوجيا مجرد أداة. أما العنصر الأهم فهو الخبرة الجراحية والقدرة على اختيار القرار الصحيح لكل حالة في توقيتها المناسب لأن الصور والأجهزة قد تظهر الكسور، لكنها لا تستطيع دائما تقدير التأثير النفسي والوظيفي، أو جودة الأنسجة أو قدرة الوجه على استعادة توازنه الطبيعي.

النجاح الحقيقي لا يظهر في الأشعة فقط فنجاح علاج إصابات الوجه والفكين لا يقاس فقط بصورة أشعة مثالية أو التنام جرح

بصورة جيدة.

النجاح الحقيقي يظهر في التفاصيل الصغيرة التي تعود للمريض تدريجيا:

أن يأكل دون ألم، ويتحدث بصورة طبيعية ويضحك دون خوف من نظرات الآخرين ويعود لممارسة حياته دون أن يشعر أن الحادث سرق جزءا من شخصيته.

وفي النهاية، تبقى جراحات ترميم الوجه من أكثر فروع الطب ارتباطا بالجانب الإنساني.

لأنها لا تحاول فقط إعادة بناء العظام والأنسجة، بل تحاول بقدر الإمكان إعادة الإحساس والثقة بالنفس إلى المريض.

 	السيد عبد العال

السيد عبد العال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

أسامة حسنى.. شاب يدرس «طب الأسنان» ويبيع «غزل البنات»

الاعتماد على النفس سبب تفوقي أعمل لتوفير نفقات دراستى ومساعدة والدى فى توفير متطلبات الأسرة

الوقاية خير من العلاج.. كيف نحمى أطفالنا من حشرات الصيف؟

أيمن الزغبى: الأطفال من سن عامين إلى 7 أعوام هم الأكثر عرضة للإصابة طارق الفرجانى: يجب رش البلاط والانترلوك والحوائط...

جراحات ترميم الوجه.. مهمة دقيقة لاستعادة الملامح والثقة بالنفس

تنتهي بعض الحوادث بمجرد التام الأنسجة، بينما تظل حوادث أخرى محفورة فى ملامح أصحابها لسنوات طويلة.

« تصفير» ديون شركات البترول الأجنبية.. انطلاقة حقيقية نحو زيادة الاستكشافات

المهندس مدحت يوسف: آليات واضحة لسداد المتآخرات بالتوازى مع خطط زيادة الانتاج النائب إبراهيم نظير: رسالة قوية للشركات العالمية.. ودفعة...