امتد انتشارها حتى وصل للأطفال منظمة الصحة العالمية حذرت من تزايد استخدامها بين الفئات العمرية الصغيرة
في ظل التغيرات المتسارعة، لم تعد السجائر الإلكترونية حكرًا على البالغين، بل امتد انتشارها إلى الأطفال والمراهقين بصورة مقلقة. ومع تصاعد التحذيرات أصبح "الغيب" قضية مجتمعية تتطلب فهم أسبابها والتصدى لمخاطرها.
تعكس تجربة رغدة أنور، والدة أحد الأطفال، حجم التحدى الذي تواجهه الأسر مع انتشار الفيب، فتقول: بدأت القصة بطلبات مالية غير مبررة قبل اكتشاف تعاطى الابن للسجائر الإلكترونية مع أصدقائه. ورغم محاولات المنع والعقاب، استمر السلوك بتأثير الرفاق مصحوبا بتوتر وضغط داخل الأسرة، كما أن التحول جاء من خلال الجمع بين الحزم والحوار، إذ اعترف الابن بصعوبة التوقف حتى تعرض لوعكة صحية دفعته للتراجع. وتؤكد التجربة أن المواجهة الفعالة لا تقوم على العقاب وحده، بل على الاحتواء والصبر، وتعزيز الوعي.
وتقول د. شيماء خالد إخصائي التخاطب والصحة النفسية وتعديل السلوك طبعا هناك أسباب كثيرة، لكن أهم الأسباب من وجهه نظرى هو الإهمال الأسرى وضعف الرقابة الواعية على الأبناء، إلى جانب عدم تفهم مرحلة المراهقة وإهمال الاستماع لرأيهم، فضلا عن الخلافات الأسرية بين الوالدين وما تسببه من توتر وضغط نفسى وكبت داخلي. وتشير إلى أن بعض الأطفال يلجؤون للتقليد، خاصة إذا كان أحد الوالدين مدخنا، مما يجعل التدخين سلوكا سهل الاقتداء.
وتؤكد أن هذه الظاهرة ليست مجرد سلوك عابر، بل انعكاسا لمشكلات أعمق تتعلق بغياب الاحتواء والدعم النفسي، مشددة على أن الحل يبدأ بالحوار والفهم والدعم لا بالقمع أو العقاب.
جاذبية "الغيب"
وتوضح د. هناء أبو مسلم - باحث ماجستير في التربية الخاصة واستشارى علاقات أسرية وتعديل سلوك أن جاذبية "الفيب" لدى الأطفال والمراهقين تعود إلى تصميمه العصري وألوانه اللافتة وتعدد نكهاته وغياب رائحته وسهولة استخدامه، إلا أنها تؤكد أن هذه المظاهر الخادعة تخفى وراءها مواد كيميائية ضارة قد تؤثر سلبا على المخ والجهاز العصبي. وتشدد على أن المواجهة الفعالة لا تقوم على التخويف فقط، بل على التوعية والحوار وبناء الثقة مع الأبناء.
وتشير كذلك إلى أن الإعلام كان له دور في انتشار الظاهرة عبر تقديم التدخين بصورة جذابة أو الترويج غير المباشر للفيب مع ضعف الرقابة على المحتوى لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون أداة مؤثرة للحد منها من خلال نشر الوعى الصحى وتقديم نماذج إيجابية وتثقيف الأسر والأطفال.. وتؤكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة عبر المتابعة والحوار وتقديم القدوة والمدرسة من خلال التوعية والأنشطة التربوية، والإعلام عبر محتوى مسؤول إلى جانب دور الدولة في تشديد الرقابة على بيع هذه المنتجات.
كما يؤكد د. أحمد القاضي "متخصص في تنمية الموارد البشرية" أن ظاهرة تدخين الأطفال في المرحلة الابتدائية أصبحت من أخطر القضايا التي تهدد المجتمع، خاصة مع ظهور ملامح المراهقة المبكرة في سن صغيرة. يلجأ بعض الأطفال إلى التدخين نتيجة تقليد الكبار داخل الأسرة أو الشارع، أو بدافع الفضول وحب التجربة، بالإضافة إلى ضعف الرقابة الأسرية وغياب التوعية الكافية بمخاطر السجائر، كما يسهم الإعلام غير الهادف في ترسيخ سلوكيات خاطئة لدى الأطفال.
ويقول: لمواجهة هذه الظاهرة، يجب تفعيل دور الأسرة في المتابعة المستمرة وغرس القيم الصحية، مع ضرورة أن يكون الأهل قدوة حسنة. كما ينبغى على المدارس تقديم برامج توعوية مبسطة تناسب أعمار الأطفال، تشرح لهم أضرار التدخين بشكل واضح وجذاب. ويجب أيضا تفعيل دور الأنشطة المدرسية لشغل أوقات فراغ الأطفال بشكل مفيد، فحماية أطفالنا تبدأ بالوعى والتعاون بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، لضمان نشأة جيل سليم صحيا ونفسيا.
وترى د. أحلام عبد الرحيم على دكتوراه أصول تربيه جامعة سوهاج أن انتشار تدخين الأطفال، خاصة السجائر الإلكترونية (الفيب)، بات من القضايا المقلقة التي امتدت إلى تلاميذ المرحلة الابتدائية، نتيجة عدة عوامل متداخلة أبرزها: التقليد والمحاكاة لمن حولهم أو لما يعرض عبر وسائل التواصل، وضعف المتابعة الأسرية، وسهولة الحصول على الفيب بتصميمها الجذاب ونكهاتها المتنوعة، إلى جانب الفضول وحب التجربة، وتأثير الأقران، فضلا عن التعرض المبكر المحتوى غير مناسب سرع من تقليد سلوكيات تفوق أعمارهم. وتؤكد أن المسئولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع؛ حيث يقع على الأسرة الدور الأكبر في التوجيه وبناء الوعى، بينما تقوم المدرسة بالتوعية وتعزيز السلوكيات الإيجابية ومتابعة الطلاب، في حين يسهم المجتمع والإعلام في تشکيل سلوكيات الأطفال بشكل مباشر وغير مباشر. كما يرتبط ذلك بظهور المراهقة المبكرة نتيجة الانفتاح التكنولوجي، وتغير أساليب التربية والضغوط النفسية، وغياب الحدود الواضحة.. وفيما يخص الحلول تشدد على أهمية مستوى الأسرة: بناء حوار واع مع الطفل، والتوعية بمخاطر التدخين والقدوة الحسنة، والمتابعة دون قسوة، وتشجيع الأنشطة المفيدة.. ايضا على مستوى الطفل: تعزيز الثقة بالنفس وتعلم رفض السلوكيات الخاطئة.. على مستوى المدرسة تقديم توعية حقيقية والتعامل التربوى مع السلوكيات بالتعاون المستمر مع أولياء الأمور.
كما توضح أن الإعلام سلاح ذو حدين؛ فقد يسهم في انتشار الظاهرة عبر تقديم نماذج سلبية أو الترويج غير المباشر وغياب الرقابة، وتأثير المؤثرين، لكنه في المقابل يمكن أن يكون أداة فعالة للحد منها من خلال نشر الوعى، وتقديم محتوى إيجابي، وتشديد الرقابة، وتوعية أولياء الأمور، واستغلال المنصات الرقمية بشكل ذكي.. وتختتم بأن مواجهة الظاهرة تتطلب تكامل الجهود والاعتماد على التوعية والحوار بدلا من القمع، لحماية الأطفال وبناء جيل واع يحافظ على صحته ومستقبله.
عدوى التقليد
يشير د. محمد عبد القادر الطحان أستاذ استشارى علم نفس الأطفال والمراهقين بجامعة المنصورة إلى أن الظاهرة لم تظهر فجأة لدى الأطفال، بل انتقلت تدريجيا من طلاب الثانوية إلى الإعدادية ثم الابتدائية، عبر ما وصفه بـ "عدوى التقليد" بين الفئات العمرية المتقاربة.
كما أسهمت طبيعة السجائر الإلكترونية في تسهيل انتشارها، لصغر حجمها وسهولة إخفائها على شكل قلم يوضع داخل الجيب وإمكانية استخدامها بشكل جماعي، إلى جانب غياب الرائحة التقليدية، ما يصعب اكتشافها بعوامل الجذب ومخاطر خفية.
ومن جانبها، تقول د. هند فؤاد السيد أستاذ علم الاجتماع المساعد ورئيس قسم المجتمعات الريفية والصحراوية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية :
لم تعد السجائر الإلكترونية مجرد بديل للمدخنين البالغين بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متنامية بين الأطفال والمراهقين، ما يثير قلقًا صحيا واجتماعيا واسعًا. وقد حذرت تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية من تزايد استخدامها بين الفئات العمرية الصغيرة، لما تحمله من مخاطر قد تتجاوز في بعض جوانبها التدخين التقليدي وتشير الدراسات إلى ارتفاع ملحوظ في نسب الاستخدام بين المراهقين خاصة من سن ١٣ إلى ١٨ عاما، ويرجع ذلك إلى سهولة الحصول عليها، وضعف الرقابة في بعض الأسواق، إضافة إلى الاعتقاد الخاطئ بأنها أقل ضررا. كما ينجذب الأطفال لهذه المنتجات بفعل عدة عوامل، أبرزها التسويق الجذاب بنكهات وتصميمات لافتة، وضغط الأقران والرغبة في التجربة وإثبات النضج، إلى جانب ضعف الوعى بالمخاطر الصحية. كذلك تسهم وسائل التواصل الاجتماعي مثل Tik Tok و Instagram في الترويج غير المباشر لها، فضلا عن دور التفكك الأسرى وضعف الرقابة. وتضيف: أما عن المخاطر، فتشمل الإدمان المبكر نتيجة احتواء هذه الأجهزة على النيكوتين وتأثيرات سلبية على نمو الدماغ والذاكرة والانتباه، فضلا عن كونها بوابة محتملة للتدخين التقليدي. كما قد ترتبط باضطرابات سلوكية مثل القلق وضعف التركيز، وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة تكامل الجهود من خلال نشر التوعية عبر حملات إعلامية موجهة، وتشديد الرقابة والتشريعات للحد من بيعها للقصر، إلى جانب تفعيل دور المدرسة في التثقيف الصحى، وتمكين الأسرة عبر الحوار والمتابعة. كما يعد توجيه الأطفال إلى الأنشطة الرياضية والفنية بديلا إيجابيا يسهم في بناء الشخصية وتقليل فرص الانجراف وراء هذه السلوكيات في نهاية الأمر لا تقتصر القضية على البعد الصحى فقط، بل تمتد لتصبح مسئولية مجتمعية مشتركة تستدعى تضافر جهود الأسرة والمدرسة والدولة لبناء وعى يحمى الأجيال الجديدة من خطر الإدمان المبكر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في ذكرى تحرير سيناء .. دعم القيادة السياسية يدفع منظومة التعليم العالى لتحقيق طفرة تنموية بسيناء ومدن القناة حيث تم...
سعاد الديب: نحتاج إلى لجان متخصصة لتحديد هوامش ربح عادلة النائب فرج فتحى: الاقتصاد القومى يقوم على حماية المنافسة والشفافية
أحمد: التحركات الاستباقية منحتنا المرونة فى تخفيف حدة الأزمات الدولية خالد جاد: الأمن الغذائى قضية أمن قومى.. والأسعار يحددها العرض...
لا شك أن انتشار مرض الأنيميا جعل البعض يخشى من تعرضه له، ما نشر حالة من الخوف بين الناس، لا...