الإهمال يضرب «فاطمة خاتـون» و«الأشرف خليل» فـى منطقة «الخليفة»

دمرت قبتيهما المياه الجوفية.. وصار ضريحاهما مأوى للكلاب وجراج سيارات الباحثون حذروا من الحاله المتردية للقبتين

قبتا "فاطمة خاتون" و"الأشرف خليل" فى شارع الأشرف تعانيان من درجة كبيرة من التردى، فقد غطت أغلب جوانبهما المياه الجوفية وتهدمت أجزاء كبيرة منهما، غير السيارات التى تستخدمهما كجراج، والكلاب التى وجدت فيهما مأوى لها.

"الإذاعة والتليفزيون" زارت القبتين الأثريتين، ورصدت حالتهما فى مختلف العصور، كما رصدت حالتهما المزرية الحالية التى تنذر بكارثة كبيرة بسبب غرقهما فى المياه الجوفية والإهمال الذى تتعرضان له فى السطور التالية..

"فاطمة خاتون" صاحبة الضريح هى زوجة السلطان المنصور قلاوون الذى رأس أسرة حكمت مصر والشام وغيرها من البلاد لأكثر من قرن من الزمان، حيث بدأ حكم أسرة قلاوون سنة 678 هجرية /1279م وانتهى بالسلطان حاجى سنة 784 هجرية /1382 م، وقبتها المعروفة بشارع الأشرف مسجلة كأثر برقم 274، أما قبة "الأشرف خليل"، وهى القبة المجاورة لها، فتحمل رقم 275 كأثر أيضا، ويعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر، ومدفون بها واحد من أهم حكام  الدولة المملوكية  فى مصر، فمن أبرز إنجاز اته القضاء على الوجود الصليبى فى الشرق الأوسط لمدة 200 عام وفتح حصن عكا، وهو السلطان الأشرف خليل بن قلاوون.

فى كتابه "السلطان المنصور قلاوون" يقول الدكتور "محمد حمزة الحداد" إن قبة أم الصالح التى تعرف اليوم بتربة فاطمة خاتون أو قبة فاطمة خاتون، يرجع اسمها إلى "فاطمة خاتون" ابنة محمد بك بن السلطان الملك الأشرف قنصوه الغورى، وشيد هذه القبة السلطان المملوكى المنصور قلاوون لزوجته فاطمة خاتون أم ابنه الملك الصالح على بين عامى ٦٨٢ هجرية /١٢٨٣م،٦٨٣ هجرية/١٢٨٤م، وهى مسجلة كأثر برقم ٢٧٤، أما كلمة "خاتون" فهى كلمة تركية تعنى السيدة الشريفة، وقد بنى القبة الأمير سنجر الشجاعى، وهو أيضا الذى أنشأ قبة الأشرف خليل المجاورة لضريح فاطمة خاتون، وتقع التربة فى شارع الأشراف امتداد شارع الركبية بحى الخليفة بمدينة القاهرة، وقد كانت أرض هذه التربة وما حولها بستانا يعود إلى العصر الأيوبى، وقد دفنت بهذه القبة السيدة فاطمة خاتون وابنها الصالح على، والمعروف أن هذه التربة كمل بناؤها فى حياة الملك الصالح الذى شارك فى افتتاحها مع والده المنصور قلاوون وأوقف عليها الأوقاف للقراء والفقهاء. وللأسف الشديد، لم يبق من قبة "فاطمة خاتون" اليوم سوى الواجهة وأجزاء من الجدران، ويرجع ذلك لآثار الرطوبة والمياه الجوفية الواضحة على الضريح، لدرجة أنها أصبحت تشكل جزءا من واجهته التى تهدم معظمها. عندما تسير فى شارع الأشرف لا تلاحظ وجود "قبة فاطمة خاتون" الأثرية رغما عنك، على الرغم من أنها مبنى أثرى مصمم بشكل متقن، إلا أن الإهمال الجسيم الذى يعانى منه هذا الأثر وصل حتى لعدم وجود لافتة تدل على ماهيته ولا منشئه ولا تاريخه، وتسمع من السكان المحيطين والمارة معلومات قليلة يتلخص معظمها فى كونه أثرا مهملا مثل غيره فى المنطقة على حد قول فتاة فى العشرينات من عمرها كانت تسير مع والدتها، حيث سألتنى عن هذا الأثر المجهول لها، فأخبرتها أنه معروف باسم "قبة أم الصالح" أو "ضريح فاطمة خاتون" فابتسمت وأكملت طريقها وهى تهمس لوالدتها  "اسمه قبة فاطمة خاتون"!، ولديها كل الحق فى ذلك، فمحاولة الوصول إلى داخل القبة مجازفة لا يحمد عقباها. الضريح جزء من مدرسة تعود للمنصور قلاوون، يقول عنها المقريزى: "مدرسة تربة أم الصالح. هذه المدرسة بجوار المدرسة الأشرفية،  بالقرب من المشهد النفيسى فيما بين القاهرة ومصر، موضعها من جملة ما كان بستانا، أنشأها الملك المنصور قلاوون على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة، برسم أم الملك الصالح علاء الدين على بن الملك المنصور قلاوون، فلما كمل بناؤها، نزل إليها الملك المنصور ومعه ابنه الصالح علي، وتصدق عند قبرها بمال جزيل، ورتب لها وقفا حسنا على قراء وفقهاء وغير ذلك. وكانت وفاتها فى سادس عشر شوال سنة ثلاث وثمانين وستمائة". وقد تحولت هذه المدرسة فيما بعد لتكية ذكرها على باشا مبارك فى خططه عند حديثه عن شارع السيدة نفيسة بقوله: "ثم بعد شارع البلاسى..   وهو شارع متفرع من شارع السيدة نفيسة وعرفت التكية بتكية السيدة نفيسة لقربها من مسجدها، كان أصلها مدرسة تعرف بمدرسة أم السلطان، أنشأها الملك المنصور قلاوون فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة برسم أم الملك الصالح علاء الدين على بن الملك المنصور قلاوون، وتخربت هى وما حولها، ثم فى سنة ثمانين ومائتين وألف سكنها جماعة من العجم وأجروا فيها عمارة، وجعلوا بها مساكن، وغرسوا بها أشجارا، وهم ساكنوها إلى اليوم _ أى إلى عهد على باشا مبارك المتوفى سنة 1310هـ/1893م   _  والصرف عليها جار من جهة الأوقاف".

 قبة الأشرف خليل

أما قبة الأشرف خليل، فتحمل رقم ٢٧٥ كأثر، يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر مدفون به واحد من أهم حكام  الدولة المملوكية فى مصر، وأبرز إنجازاته القضاء على الوجود الصليبى فى الشرق الأوسط لمدة ٢٠٠ عام وفتح حصن عكا .تقع قبة الأشرف خليل بجوار قبة أم الصالح بعد مشهد السيدة رقية على الجهة الشرقية لشارع الخليفة، على شمال المتجه لميدان السيدة نفيسة فى شارع الأشراف الذى يضم الكثير من مساجد ومشاهد آل البيت مثل مسجد السيدة نفيسة والسيدة سكينة وغيرهما. ويبدو أن الأشرف خليل قد شرع فى بناء هذه القبة والضريح قبل أن يتولى السلطنة وهو وليَّ للعهد ورتب بها درسا للفقهاء ومقرئين للقرآن الكريم وخداما، والمعروف أن الأشرف خليل كان وليا للعهد لأبيه السلطان قلاوون بعد وفاة أخيه الصالح على بن المنصور قلاوون الذى كان ولياً للعهد، وتاريخ إنشائها يرجع إلى عام 687هـ/ 1288م، واليوم لم يتبق من الضريح سوى القبة وبها قبر منشئها ولا يوجد أى تابوت أو تركيبة داخل ضريح الأشرف خليل على الرغم من عدم الشك فى دفن الأشرف خليل بهذه القبة طبقًا للمصادر التاريخية من جهة والنقش الكتابى الذى يتوج القبة من الخارج، ويتكون الضريح من مكعب طول ضلع مربع قاعدته أربعة عشر مترًا تقريبًا يعلوه رقبة مثمنة تعلوها قبة.للضريح ثلاثة مداخل محورية بالحوائط الثلاث، غير حائط القبلة الذى يتوسطه المحراب، ويعلو كلاً من الأبواب الثلاثة والمحراب شباك معقود، ويعلو الضريح قبة ذات عنق ثمانى الأضلاع عالٍ مماثل لأم الصالح، وبالرغم من أن قبة الأخيرة لم تبق إلا أنها غالبا ما كانت أيضا مماثلة لقبة الأشرف خليل. ويتوسط كل ضلع من عنق القبة حنية معقودة تحوى ثلاث نوافذ مرصوصة على شكل وحدة الأركان بمنطقة الانتقال يعلوهم قمرية.

 حجرة الضريح

أما حجرة الضريــــح مــــن الداخل فتشـــبه تلــك التى بأم الصالح إلا أنها تشهد تطورا فى الأركان الحاملة للقبة، فقد تكونت الأركان هذه المرة من ثلاثة صفوف للمقرنصات كل يحتوى على خمسة مقرنصات. وقد زينت النوافذ بزخارف الأرابيسك. وقد قامت لجنة الآثار بترميم القبة وإزالة ما فى محيطها من مقابر مبانى سنة 1917م. "أبو العلا خليل" الخبير فى الآثار الإسلامية قال إن شارع الأشرف بحى الخليفة (درب السباع سابقا) يمثل الامتداد الطبيعى جهة الشمال لمدينة الفسطاط التى أنشأها القائد عمرو بن العاص عام 21هـ/642م وقد أصابها من الازدهار والعمران ما أصاب مدينة الفسطاط وكذلك طالتها يد التدمير والتخريب على يد الأمويين أثناء مطاردة جيوش العباسيين لمروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين سنة 133هـ/ 750م كوسيلة من وسائل إعاقة الجيوش العباسية عن مطاردتهم وحقدا منهم أن يتركوا هذا العمار ينعم به العباسيون، وكان من جراء هذه الأحداث أن خرب الجانب الشمالى من الفسطاط مما يلى جبل يشكر المقام عليه جامع أحمد بن طولون وخلا من العمار، ولم يزل يتطرق إليها العمار حتى أقام بها أمير مصر السرى بن الحكم داره التى وهبها للسيدة نفيسة ابنة حسن الأنور ابن زيد الأبلج بن الحسن بن على بن أبى طالب رضوان الله عليهم، وأضاف "خليل": "وفى العهد الفاطمى عرف شارع الأشرف بالمشاهد الحاكمية، وعن ذلك يذكر السخاوى فى كتابه تحفة الأحباب أن الحاكم بأمر الله عرف أنه بالقرب من الجامع الطولونى قبور جماعة من السادات الأشراف، فأمر ببناء مساجد ثلاثة معلقة فى هذا الخط، فسميت هناك بالمشاهد الحاكمية، وذلك فى شهر رمضان سنة اثنتين وأربعمائة، ومن هذه المشاهد قبر به السيدة الجليلة نفيسة بنت الحسن ومشهد فاطمة بنت محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق ومشهد به السيدة رقية بنت على بن أبى طالب ومشهد به آسية ابنة مزاحم امرأة فرعون ومشهد معروف بمشهد السيدة سكينة. ويذكر ابن تغرى بردى فى كتابه "النجوم الزاهرة" أن شارع الأشرف نكب بما تعرضت له مصر من أحداث جسام منها المجاعة التى اجتاحت البلاد عام 457هـ/ 1064م زمن الخليفة الفاطمى المستنصر والمعروفة بالشدة المستنصرية، حيث استولى الخراب على تلك الأماكن حتى انه بنى حائطا يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا توجه من القاهرة إلى مصر، وأمر المأمون البطائحى وزير الخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله بالنداء فى مصر والقاهرة من كانت له دار فى الخراب فليعمرها أو يؤجرها ومن تأخر بعد ذلك فلا حق له فى شىء.وذكر "على مبارك" فى كتابه "الخطط التوفيقية" أن جامع الخليفة المعروف بمسجد شجر الدر، وهو فى مقابلة تكية السيدة رقية وبداخله ضريحان أحدهما ضريح شجر الدر والآخر ضريح سيدى محمد الخليفة العباسى الذى عرف الخط باسمه، وكان الخليفة العباسى سيدى محمد قد حضر إلى مصر بدعوة من السلطان الظاهر بيبرس الذى نصبه خليفة على المسلمين، وصارت القاهرة مقرا للخلافة العباسية بدلا من بغداد التى دمرها المغول عام 656هـ/1258م، وسكن الخليفة العباسى فى بداية الأمر فى بيت بجوار مدرسة شجر الدر عرف "ببيت الخليفة"، ولما جاء أجله دفن بجوار شجر الدر أسفل قبتها ومن ثم عرف الحى كله باسم الخليفة نسبة إلى الخليفة العباسى سيدى محمد الذى عاش ودفن بالشارع. وفى العهد المملوكى أقام السلطان المنصور قلاوون ضريحا لزوجته فاطمة خاتون وأم ولده الصالح علاء الدين على التى توفيت عام 682هـ، وشيد عمارتها الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، كما أسلفنا، وفى عام 687هـ أنشأ السلطان الأشرف خليل بن المنصور قلاوون مدرسة وقبة ضريحية له وقد زالت المدرسة ولم يتبق سوى القبة الضريحية التى دفن أسفلها الأشرف خليل عقب مقتله عام 693هـ، ويعرف الشارع اليوم "بشارع الأشرف"، ويعتقد الكثيرون أنه نسبة إلى السلطان الأشرف خليل صاحب القبة والمدفون بالشارع، بينما يطيب لآخرون تسمية الشارع "بالأشراف" نسبة الى الأشراف من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المدفونين بالشارع، لكن ليس لكل من الاسمين من مصدر أو سند تاريخى سوى أسماء جرت على ألسنة العامة.

 "عماد عجوة" كبير الباحثين بوزارة السياحة والآثار كان قد كتب تحذيرا من الحالة المتردية منذ سنوات لقبة الأشرف خليل بن قلاوون على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وعن ذلك قال "عجوة": "لقد نال التحذير الذى كتبته متابعة ومشاركة وتفاعلا كبيرا، لكنه فجأة اختفى من الصفحة ومن الصفحات التى شاركته بشكل غريب، وقد قام بعض الأصدقاء بتصوير القبة رغم المشقة والصعوبة فى تصويرها، ومنهم الدكتورة إلهام حسنين والباحث محمود طه، وكان الهدف هو تنبيه المسئولين عن الآثار أن هناك ضريحا وقبة لسلطان وملك حكم مصر اسمه الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون من مواليد مصر، حيث ولد فى القاهرة فى عام 666 هـ1267 م، وتوفى بالقرب من الإسكندرية فى 12 محرم 693هـ  31 ديسمبر 1293م  ودفن فى قبته المشار إليها، هو ثامن سلاطين الدولة المملوكية البحرية، ويُعتبر من أبرز سلاطين الأسرة القلاوونية والدولة المملوكية، وأشهر إنجازاته فتح عكا والقضاء على آخر معاقل الصليبيين فى الشام، بعد أن استمر وجودهم فيها 196 سنة، حيث أنهى الحلم الصليبى الذى عمل الصليبيون خلال مائتى عام على تحقيقه بسقوط عكا والمراكز الصليبية على ساحل بلاد الشام، وأمن العمق الاستراتيجى لمصر فى حدودها الشرقية، وهذا الملك لا يقل أهمية فى تاريخ مصر السياسى والعسكرى عن حكام كأحمس وتحتمس ورمسيس وغيرهم ممن نفتخر بتاريخهم العسكرى ضد أعداء الوطن.

وفى الختام طرح "عماد عجوة" سؤالا حائرا: "لماذا لم يتم إنقاذ هذه القبة وترميمها؟ وهى فى هذا الإهمال منذ سنوات غارقة فى مياه الصرف الصحى والمياه الجوفية ومجمع للقاذورات.

جدير بالذكر أن وزارة الآثار أعلنت فى منتصف عام 2017 عن بدء ترميم قبتى «الأشرف خليل» و«فاطمة خاتون»، وعمل مشروع كامل لإعادة تأهيلهما بالتعاون مع مبادرة  «الأثر لنا» وجمعية الفكر العمرانى «مجاورة» لكن مازالت القبتان على حالهما إلى الآن.

Katen Doe

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص