«الصيام».. الحوار الخفى بين الأديان (2-2)

قال الراحل البابا شنودة الثالث: "إن الصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية، وكانت الوحيدة التى أعطاها الله لآدم، عندما طلب

منه أن يمتنع عن تناول ثمار شجرة معينة، وبهذا الوضع وضع الله حدودا للجسد لا يتعداها، حيث جعل الإنسان قادرا على أن يصنع إرادته الخاصة بنفسه وأن يضعها أيضا موضع الأمر، وبذلك يرتفع فوق المادة لتبقى الروح هى المسيطر الوحيد".

فى كتابه "روحانية الصوم" كتب البابا شنودة الثالث عما ذكرناه فى الحلقة السابقة، عن وجود ديانات قديمة قبل المسيحية هدفت من وراء صيامها قهر الجسد كى تأخذ الروح مجالها، وكان ذلك بمثابة تدريب للروح والجسد معا، وهو ما نراه جليا فى صوم الهندوس مثلا، والهدف منه الوصول إلى "النرفانا" أى انطلاق الروح والجسد للاتحاد بالله، وهو ما لا يدرك إلا بالصوم والامتناع عن الشهوات.

الصيام.. عرف أم عبادة؟

رصد الدكتور "وسيم السيسى" كيف فكر المصرى القديم فى الصوم، موضحا أنه أدرك أن الصيام هو نوع من السمو بالروح عن الجسد، مع تطبيق الأخلاق من خلال التدريب النفسى الذى لا يأتى إلا عن طريق كبح جماح النفس والامتناع عن الأمور التى هى فى الأصل مباحة؛ وهكذا يمتد الأمر إلى الجانب الأخلاقى، كالبعد عن الفسوق واللهو والجريمة، إلى جانب الابتعاد عن الكذب الذى كان يعد عند المصرى القديم جريمة أخلاقية كبيرة؛ ولعل هذا ما تنطوى عليه الأغنية المعروفة حتى الآن "وحوى يا وحوى إياحا"، وإياحا هو إله الشر الذى ينزاح بسبب حركة النجوم والكواكب ليأتى الشهر الكريم، وهو شهر الصوم دون شر، وهذا أقرب كثيرا للفكر الإسلامى الذى يؤكد على سلسلة إبليس منذ أول يوم صيام بالشهر الفضيل وحتى نهايته، أى فى مساء يوم عيد الفطر.

يأتى شهر الصوم عند المصرى القديم فيتغنى لظهوره، يقول: "وحوى" التى تعنى ظهر، والأغنية هنا للابتهال لإله القمر أن يعطيهم الأمان للبدء فى صيامهم الذى يفطرون فيه على أى نبات زرع فى تراب الأرض، وذلك لاعتقادهم بأن الجسد قد خلق من تراب وأنه بالأكل منه ستطهر الأجساد وتعلو الروح لتلامس القمر، وعلى ذلك فالصيام يعد عرفا دينيا عالميا حين نزل على الأرض قبل الديانات السماوية المختلفة، وما تغير فيه إنما هو الزمان والمكان والبيئة والثقافة، مما جعله بعد ذلك يلائم كل عصر وكل قوم.

الدكتور "سعود الخلف" عضو هيئة التدريس بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة المدينة المنورة قال فى كتابه "دراسات فى الأديان" إن الصوم طقس واحد يمتنع فيه الطعام والشراب وإتيان الشهوات حتى موعد الإفطار، ولعل هذا ما جعله طقسا شبه جماعى وإن اختلفت الرؤى والفلسفات من ورائه، وهذا الطقس بدأ بشكل عرفى ثم أصبح سنة يستن بها القوم عن آدم ونوح عليهما السلام، حتى وصل إلى الديانات المختلفة فأصبح فريضة وعبادة واجبة.

 الصوم عن النظافة والعمل حتى الموت

عرفنا فيما سبق الصوم التقليدى فى الديانات والعقائد والشرائع المختلفة، وكان معظمه صياما عن الطعام والشراب وممارسة الشهوات، لكن هناك ما هو غريب جدا فى أمر الصيام عند بعض الديانات والمعتقدات، سواء الأرضية أو السماوية، ومنها صيام الصمت الذى كان يمارس قديما من قبل نساء اليونان، وهو موجود الآن فى الديانة اليهودية، وبالبحث وجدنا له أثرا كذلك لدى كثير من الشعوب البدائية، ومنهم السكان الأصليين لأستراليا، وكان صياما خاصا بالمرأة فى حال موت زوجها، وقد كانت النساء يمارسنه لمدة عام كامل من الصباح للمساء.

ومن أغرب الأنواع من الصيام، الصوم عن النظافة، بمعنى الامتناع عن الاستحمام وتنظيف الجسد، وهو موجود حتى الآن عند اليهود، ويمارسونه أثناء عيدى "الكيبور" و"تيشاباف"، وهما اليومان اللذان يتوافقان مع اليوم الحزين - ضمن العقيدة اليهودية - باعتباره ذكرى لتدمير الهيكل المقدس – على حد زعمهم – وهذا النوع من الصيام بالحرمان من الاغتسال والتعطر وحتى غسيل الأسنان أو ارتداء الجلود.

الصوم عن العمل كذلك من الأصوام الغريبة، وكانت هناك عدة عقائد قد شرعت هذا النوع من الصيام، لذلك نجد أن البوذية قد شرعته أربعة أيام كل شهر قمرى، تسمى تلك الأيام "يو بولوزاتا"، وفيها يكون الإمساك عن أى نوع من العمل والتفرغ تماما للتأمل وتفريغ الطاقة السلبية بالابتعاد عن أى عمل دنيوى، بما فى ذلك الامتناع عن الغناء والرقص ووضع مستحضرات التجميل؛ وهو ما يتوافق مع ما شرعته الديانة اليهودية فى الامتناع عن العمل وأكل الأسماك يوم السبت بالذات.

أما الصيام حتى الموت، فهو نوع آخر من أنواع الصيام الغريبة، ويعد إجراء اتخذه أتباع عقيدة "اليانيه" وينطبق على هؤلاء المرضى بمرض مستعصى الشفاء، لذلك يلجأ أفراده إلى الانتحار البطيء بداع من المشاعر السيئة تجاه العيش على أمل وهمي؛ وفيه يقرر المريض التخلى طواعية عن الحياة أملا فى بعث جديد لا ألم ولا مرض فيه، وبذلك تتخلص الروح الشريرة من الجسد الذى لازمها إلى أخرى طيبة، وهذا الصيام موجود كثيرا بالهند ويقوم به أكثر من ألفى شخص كل سنة، وتسمى هذه الطريقة فى الموت "بالسانثارا" وهى التى يطالب المجتمع المدنى عالميا بتحريمها وتجريمها.

 الصوم فريضة دينية وطقس اجتماعى

لم تعرف البشرية عبادة أقدم من الصوم، فالصيام شعيرة تعبدية وفلسفة روحية ارتبطت فى الأصل بالإنسان الذى يسعى للتجرد من المادة تحقيقا للنقاء الروحى، لذلك لا تكاد توجد ديانة توحيدية سماوية أو عقيدة أرضية إلا وقد ذكر الصيام بها، فهو حسب علماء الأنثروبولوجيا وسيلة هامة من وسائل تطهير الذات عبر الامتناع طواعية عن الطعام والشراب، وهو ما ارتبط بفكرة الصفاء النفسى والذهنى والعلاج البدنى أيضا ، وذلك رغم اختلاف المواقيت والطقوس، وهذه هى الفلسفة من وراء الصيام ذاته.

شعيرة الصيام الهامة ألقت بضوئها الباهر على خريطة البشر الاجتماعية، فأصبحت بشكل أو بآخر، وعلى مر العصور والأزمنة، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالطقوس الاجتماعية، ولعل من أشهر تلك الطقوس تعليق الزينات فى الأحياء بواسطة الأطفال، وبيع وشراء فانوس رمضان فى بهجة جماعية، بالإضافة إلى مد موائد الإفطار الجماعى "موائد الرحمن"  و"الخيم الرمضانية" للسهر والاحتفال، فضلا عن صناديق الخير والبركة التى توزع على الفقراء والمحتاجين.

وتشير التقارير البحثية التى تصدر كل عام لرصد فاتورة شهر الصيام إلى التهافت على شراء وتخزين المواد الغذائية قبل حلول الشهر المبارك، ليزيد بذلك الاستهلاك عن المتعارف عليه؛  وبطبيعة الحال تزداد الفاتورة النهائية بالنسبة لهذا الشهر، خاصة إذا ما أضفنا فعل الخيرات والصدقات ودفع زكاة المال بما يبلغ أضعافا مضاعفة فوق الفاتورة الأصلية، وإن كان المال لا ينقص من صدقة أو من زكاة كما تعلمنا.

 فلسفة الصيام

فى النهاية نخلص إلى أن الصيام قد كتب على المسلمين وعلى غيرهم من الأمم السابقة، وذلك لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، فالصيام عبادة قديمة انتقلت واختلفت فقط فى الكيفية والعدد وإن ظل الهدف من ورائها ساميا، وهو التطهر من الذنوب، وتطهير النفس من أدرانها الخبيثة، هذا فضلا عن كونه تقربا وتعبدا لله؛ وفلسفة الصيام تبعا لذلك قد تختلف من أمة إلى أخرى، لكنها ثابتة فى مبدأ الرحمة، وهذا هو السر الاجتماعى العظيم الذى يربطها ببعضها البعض، حيث يعد الامتناع عن الطعام والشراب وممارسة الشهوة وسيلة هامة لإشباع حاجات الروح ولصحة ورياضة البدن كذلك؛ وبالطبع ليس من الجديد أن نفهم أن الصوم له دور كبير فى التهذيب والتأديب والتدريب، لأنه يجعل البشر جميعا يشعرون بشعور واحد، وهذا هو المعنى الراقى للإنسانية التى لم تعد تجتمع على شىء واحد.

Katen Doe

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص