في لحظة اقتصادية دقيقة تتقاطع فيها تحديات الداخل مع ضغوط الخارج تكشف تصريحات وزير المالية أحمد كجوك - في مناسبتين مختلفتين - عن ملامح رؤية حكومية تحاول الموازنة بين الانضباط المالى وتحفيز النمو،
وبين تعظيم موارد الدولة والحفاظ على البعد الاجتماعي. لكن قراءة هذه التصريحات مجتمعة تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قابلية هذه السياسات للتنفيذ وحدود تأثيرها الفعلى على الاقتصاد الحقيقي وحياة المواطنين.
في حواره مع تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين" وضع كجوك إطارًا عامًا لسياسة مالية وصفها بالمتوازنة مؤكدًا رفضه تحقيق تحسن في المؤشرات المالية على حساب النشاط الاقتصادي.
هذا التصريح يعكس إدراكا ضمنيًا لمخاطر السياسات التقشفية الحادة، التي قد تؤدى إلى انكماش اقتصادي، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام معادلة صعبة كيف يمكن خفض عجز الموازنة والدين دون التأثير سلبا على النمو؟
الوزير أشار إلى أن لا يوجد قرار سحرى لحل التحديات، وهو اعتراف واقعي، لكنه يفتح الباب التقييم مدى وضوح الرؤية الشاملة التي تحدث عنها. فعلى الأرض، لا تزال التحديات الهيكلية قائمة تضخم مرتفع ضغوط على العملة، وتباطؤ في بعض القطاعات الإنتاجية. ورغم الحديث عن توسيع القاعدة الضريبية والإنتاجية فإن التطبيق العملي لهذه السياسات غالبا ما يواجه عقبات بيروقراطية وضعفا في كفاءة التنفيذ.
أحد أبرز محاور حديث كجوك كان التركيز على دعم الصادرات، حيث تم تخصيص ٤٨ مليار جنيه في الموازنة الجديدة لهذا الغرض. هذا التوجه يتماشى مع الحاجة الملحة لتوفير عملة صعبة، خاصة في ظل الضغوط على ميزان المدفوعات. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الدعم المالي وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه إصلاح حقيقى في بيئة الأعمال، وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات المصرية من حيث الجودة والتكلفة.
وفي السياق ذاته، أشار الوزير إلى فرص النمو في قطاعات الخدمات خاصة التعهيد وتكنولوجيا المعلومات، وهي بالفعل من القطاعات الواعدة.
لكن تنميتها تتطلب استثمارات كبيرة في التعليم والتدريب، وهو ما يعيدنا إلى محور آخر في التصريحات الانحياز للتنمية البشرية. وهنا يبرز التساؤل حول كفاية المخصصات الحالية لتحقيق نقلة نوعية في التعليم والصحة، في ظل ضغوط الموازنة.
على صعيد آخر كشف كجوك عن توجه لتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص من خلال حزم تسهيلات ضريبية وجمركية، إلى جانب نظام ضریبی مبسط يستهدف جذب ۱۰۰ ألف مشروع جديد. هذه الخطوة قد تمثل دفعة مهمة لريادة الأعمال، لكنها تعتمد بشكل كبير على الثقة بين الدولة والممولين، وهي ثقة تأثرت خلال السنوات الماضية بسبب تغيرات تشريعية متكررة وتحديات في التطبيق.
اللافت أيضا هو حديث الوزير عن برنامج الطروحات الذي وصفه بأنه سيشهد نقلة جيدة"، هذا البرنامج يعد أحد الركائز الأساسية لتوفير سيولة دولارية لكنه يواجه تحديات تتعلق بتقييم الأصول وتوقيت الطرح، فضلا عن قدرة السوق على استيعاب هذه الطروحات دون التأثير على أسعارها.
في موازاة ذلك جاءت تصريحات كجوك خلال احتفالية النيابة العامة لتسلط الضوء على مسار آخر لتعظيم موارد الدولة، يعتمد على الاستفادة من الأصول غير المستغلة والمضبوطات القضائية. فقد تم تحويل كميات كبيرة من الذهب والفضة المصادرة إلى سبائك، وتسليمها للجهات المختصة، بما يضيف موردا جديدًا للخزانة العامة.
هذا التوجه يعكس تحولا في إدارة الأصول العامة من مجرد حفظها إلى استثمارها اقتصاديا. كما أشار الوزير إلى أن تطوير منظومة الحجز والتحصيل أدى إلى زيادة المتحصلات بأكثر من ٢٠٠%، وهو رقم لافت يعكس تحسنا فى الكفاءة الإدارية، لكنه يطرحتساؤلات حول استدامة هذا النمو، وما إذا كان ناتجا عن إصلاحات هيكلية أم إجراءات استثنائية.
وفي سياق متصل، أكد كجوك أن أي إيرادات استثنائية سيتم توجيهها مباشرة لخفض الدين العام، وهو توجه إيجابي من حيث المبدأ، لكنه يعتمد على حجم هذه الإيرادات واستمراريتها. فخفض الدين يتطلب موارد كبيرة ومستقرة، وليس فقط تدفقات مؤقتة.
كما لم تغب البعد الاجتماعى عن تصريحات الوزير حيث شدد على استمرار دعم المواطن وتمويل برامج مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، غير أن التحدى الحقيقي يكمن في تحقيق توازن بين هذا الدعم وبين متطلبات الاستقرار المالي، خاصة في ظل محدودية الموارد.
تعکس تصريحات وزير المالية كجوك محاولة لرسم صورة متكاملة لسياسة اقتصادية تسعى لتحقيق التوازن بين أهداف متعارضة أحيانا النمو والانضباط
الاستثمار والحماية الاجتماعية تعظيم الموارد وخفض الدين. لكن النجاح في تحقيق هذه الأهداف سيعتمد في النهاية على قدرة الحكومة على تنفيذ هذه السياسات بكفاءة، وتجاوز التحديات الهيكلية التي لا تزال تقيد الاقتصاد المصري.
وبينما تبدو الرؤية واضحة على مستوى الخطاب يبقى الاختبار الحقيقى في النتائج على الأرض.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في لحظة اقتصادية دقيقة تتقاطع فيها تحديات الداخل مع ضغوط الخارج تكشف تصريحات وزير المالية أحمد كجوك - في مناسبتين...
شهدت جولة وزير المالية أحمد كجوك في واشنطن على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، نشاطا مكثفا ولقاءات متعددة مع...
النائبة نيفين الطاهرى: فرصة لتحسين أداء الشركات وتطوير نظم الإدارة والإنتاج العالمية الدكتور مصطفى بدرة: خطوة مهمة للارتقاء بالمؤشرات الكلية...
على مدار السنوات الخمس الأخيرة، لم يكن العالم ساحة للتنافس التنموي بقدر ما كان مسرحاً لأزمات وجودية طالت الأخضر واليابس،