أيمن عثمان: «عنبر رقم 10» أشبع فضولى ككاتب

التاريخ تصنعه الحكايات الفردية.. والكاتب صوت من لا صوت له «مذكرات نشال» فتحت أمامى أبوابًا واسعة للبحث واكتشاف عوالم جديدة

الكاتب والباحث أيمن عثمان، من أبرز المهتمين بكتابة التاريخ الاجتماعي، يستند في مشروعه إلى الوثائق والأرشيف، لإعادة اكتشاف شخصيات وحكايات غابت عن الذاكرة، ومن خلال أعماله "مشخصاتية مصر" و"مذكرات نشال" و"عنبر رقم 10" قدم قراءة إنسانية تجمع بين التوثيق والتاريخ والسرد، عن مشروعه وأعماله تحدثنا معه في هذا الحوار..

حدثنا عن كتاب "عنبر رقم 10"؟

بدأت رحلتي مع "عنبر رقم 10" بخبر صحفي قديم منشور في جريدة التحرير في أكتوبر 1956، عن زيارة وفد من الأمم المتحدة لمستشفيات الصحة النفسية، مثل مستشفى العباسية والخانكة، للتأكد من التزامها بالمعايير المتفق عليها عالميا لحفظ كرامة المرضى النفسيين، لكن ما استوقفني في الخبر هو ما كشفه من وجود أشخاص أصحاء داخل تلك المستشفيات، فشعرت أنني أمام نوع مختلف من الرحلات البحثية. من هنا جاءت فكرة العودة إلى الأربعينيات وبداية الخمسينيات لرصد وثويق واقع الصحة النفسية في مصر، ومحاولة فهم ما كان يجري خلف أسوار مستشفيات الأمراض العقلية. الكتابة ليست لمجرد الحضور أو لإضافة كتاب جديد إلى قائمة المؤلفات، فإذا كان الموضوع مستهلكا وليس لدى الكاتب ما يضيفه، فمن الأفضل أن يبحث عن منطقة أخرى لم تكتشف بعد. وبالنسبة لي كانت الصحة النفسية موضوعا مغريا جدا، فهي أرض بكر لم تحظ بالكثير من الدراسات أو الأعمال الأدبية. وخلال رحلة البحث تعارفت على عالم مليء بالحكايات، ورأيت مآسي دفعت أصحابها إلى دخول المستشفى، وتأملت علاقتهم بأسرهم وبالأطباء وببعضهم، وبالرغم من أن هناك لحظات شعرت فيها بالكآبة أثناء الكتابة، ولكن في المقابل كنت أشعر بمتعة حقيقية كلما اقتربت من حكاية إنسانية جديدة، وأعتبر "عنبر رقم 10" مختلفا عن كل ما كتبته، فقد أشبع فضولي ككاتب، وأتمنى أن أكون قدمت من خلاله شيئا جديدا.

الكتاب يعتمد على مذكرات ووثائق تتعلق بمستشفى الأمراض العقلية في فترة الأربعينيات، ما الذي دفعك لاختيار هذه القضية تحديدا؟

اعتمد الكتاب بدرجة كبيرة على مذكرات الدكتور على عبد السلام، فهو لم يكن مجرد مريض بل كان عالما استثنائيا وقضيته شغلتني منذ البداية، فكان واحدا من أوائل المصريين الذين سافروا للخارج في أربعينيات القرن الماضي للحصول على درجة الدكتوراه في تخصص يرتبط بالأوبئة والأمراض، في وقت كانت مصر تعاني من أوبئة مثل السل والملاريا، وللأسف الشديد علاج الأوبئة والأمراض وتوفير الأمصال والعقاقير كان يخضع بدرجة كبيرة لسيطرة الاحتلال البريطاني، فوجود شخص مثل الدكتور على بعلمه كان يمثل بارقة أمل وفرصة حقيقية نحو قدر من الاستقلال الصحي. ولكن للأسف هذه الفرصة ضاعت، فبدلا من أن يعود ليقود مشروعا يخدم بلده، انتهى به المطاف داخل مستشفى الأمراض العقلية، لذلك رأيت أن حكايته لا تقل عن حكايات علماء مصريين تعرضوا للاغتيال مثل "سميرة موسى" وغيرها من العلماء المصريين، الدكتور علي لم يتم اغتياله برصاصة ولم يتهم في قضية أخلاقية، ولكنه تعرض لاغتيال معنوي فقد وصم بالجنون، وقضى ما يقرب من عشر سنوات سجينا داخل مستشفى الأمراض العقلية. وتحولت قضيته، فقبل دخوله المستشفى كان همه حماية صحة المصريين من الأوبئة، ولكن بعد دخوله لها درس لوائح حجز المرضى، وخاض صراعات طويلة مع إدارة المستشفى،

وأصبحت معركته الدفاع عن حقوق المصريين وحقوق المرضى النفسيين، لهذا كان مهماً أن أعيد حكايته إلى النور، لإلقاء الضوء على أساليب الاغتيال المعنوي التي كانت تمارس ضد المصريين من المحتل البريطاني والمتعاونين معه.

الكتاب يروى تاريخ مستشفى الأمراض العقلية من خلال حكاية إنسانية، لماذا فضلت الاقتراب من التاريخ عبر الأفراد وليس عبر الأحداث الكبرى؟

التاريخ تصنعه الحكايات الفردية، الثورات في جوهرها أفراد، والحروب أفراد، وكلما اقتربت من شخص منهم اكتشفت أنك أمام بطل يستحق أن تروى حكايته. ولا أؤمن باختزال الأحداث الكبرى في شخص واحد، فمثلا لا يمكن اختزال ثورة 1919 في سعد زغلول وحده، لأن ذلك يظلم عشرات، بل مئات الأبطال الذين شاركوا في صنعها. الكاتب الحقيقي صوت من لا صوت له، فإذا لم ينشغل بالمهشمين، فمن سينشغل بهم، الشخصيات الكبرى كتب عنها مئات

الكتب، أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وغيرهما من الرموز نعرف عنهم الكثير، لكن ما الذي يمنعني من أن ألتفت إلى أحد أفراد فرقة أم كلثوم وأحكي حكايته، ربما كان له تأثير حقيقي في صناعة نجاحها، أو في قراراتها الفنية، فهذا أيضا بطل وحكايته لا تقل أهمية عن حكاية النجم نفسه.

يكشف الكتاب جانبا من تاريخ الطب النفسي في مصر، هل وجدت خلال البحث حقائق خالفت الصورة الشائعة عن تلك المرحلة؟

لفت انتباهي أن طرق العلاج في أوروبا حتى بدايات القرن العشرين كانت متأخرة، وكان هناك إيمان بفكرة المس الشيطاني، وكان التعامل مع المريض النفسي من خلال عزله أو تقييده بالسلاسل. في المقابل، كان في مصر ممارسات إنسانية، فقد استخدم العلاج بالموسيقى، وكان هناك محاولات لتعليم المرضى حرفا ومهنا تساعدهم على كسب الرزق بعد خروجهم من المستشفى، حتى يندمجوا مع المجتمع، لذلك شعرت

أننا بدأنا مبكرا في بعض جوانب التعامل الإنساني مع المرض النفسي، بينما كان الغرب يطور هذه الأفكار تدريجيا حتى وصل إليها في مرحلة لاحقة، إلى أن تقابلت التجربتان في فترة الخمسينيات. وأثناء البحث عثرت على خبر يعود إلى عام 1919 عن طبيب بريطاني افتتح مستشفى للطب النفسي تعتمد على العلاج بالموسيقى، وكانت وقتها تجربة جديدة في انجلترا، ولكن المدهش أن علماء الحملة الفرنسية أشاروا في كتاب "وصف مصر" قبل ذلك بمائة عام، إلى استخدام الموسيقى في علاج المرضى النفسيين في مصر، فمصر كان لديها تجارب سبقت عصرها في بعض جوانب الطب النفسي، وتاريخ هذا المجال في مصر يستحق إعادة القراءة.

ما معاييرك لاختيار شخصية أو واقعة تاريخية للكتابة عنها؟

المعيار الأهم هو التأثير، لا يشغلني أن تكون الشخصية مشهورة أو مجهولة، ولكن مدى تأثيرها في العالم الذي تنتمي إليه، وهل تمثل مدخلا لفهم بيئة كاملة أم لا. مثلا، عندما قرأت مذكرات "عبد العزيز النُّص"، لم أكن أقرأ سيرة شخص واحد، وإنما عالم النشالين بأكمله، وأدبياتهم ولغتهم وقوانينهم الخاصة، وعلاقتهم ببعضهم وحتى نظرتهم للحياة، لذلك كانت شخصية مغرية جدا لي، لأنها فتحت أمامي بابا واسعا للبحث، وتحولت

فيما بعد إلى مسلسل "النُّص". نفس الأمر ينطبق على الدكتور "على عبد السلام"، كان من أكثر الشخصيات اتزانا داخل مستشفى الأمراض العقلية، لذلك كنت أتعامل مع مذكراته باعتبارها شهادة شديدة الأهمية، لم أجد فيها المبالغات أو الاضطراب الذي قد يتوقعه البعض، والأهم أن كثيرا مما كتبه وجدته يتكرر في مصادر أخرى لا تربطها به أي علاقة ولا يوجد بينهم أي تواصل، كانت كل جهة تروى ما رأته من زاويتها، لكن التفاصيل الجوهرية كانت تتقاطع. لذلك الشخصية التي أختارها لابد أن تكون مؤثرة في محیطها، وأن تفتح لي بابا لفهم عالمها، أن تخطفني الشخصية نفسها، فلو لم يخطفني علي عبد السلام، ولو لم يجذبني عبد العزيز النُّص، لما كتبت عنهم.

لماذا سلطت الضوء في "مشخصاتية مصر" على ممثلي الأدوار الثانوية وليس نجوم الصف الأول؟ وهل الشخصيات المنسية أكثر قدرة على كشف المجتمع من المشاهير؟

"مشخصاتية مصر" كان تمهيدا لـ "عنبر رقم 10"، وكانت المرة الأولى التي ألجأ فيها إلى أطباء نفسيين، لأني كنت أحاول أن أفهم الجانب النفسي لبعض الشخصيات، ولا أكتفى بسرد سيرتها، فعلى سبيل المثال، "زينات صدقي" لم أجمع حواراتها لأرصد تاريخ حياتها فقط، بل لأفهم ما الذي يدفع

إنسانا لأن يظل متمسكا بحلم قد لا يتحقق. نحن نتحدث عن كومبارس، شخص يقضى أربعا وعشرين ساعة يحلم بالنجومية، ووقتها لم تكن مهنة الكومبارس تتمتع بأي قيمة اجتماعية، فالعائد المادي كان ضئيلا للغاية. لدى كشوف رواتب الكومبارس خلال الأربعينيات والخمسينيات، كانت الرواتب بالكاد تكفى للطعام والشراب فقط، دون تكوين أسرة أو تربية أبناء، والكثير منهم كان يمتهن أي مهنة أخرى تحق له دخلا أفضل، لكنه كان يكتفى بهذا المبلغ البسيط، على أمل أن تأتيه يوما فرصة تنقله من الصفوف الخلفية إلى دائرة الضوء. هذا الهوس بالنجمومية كان أكثر ما يجذبنى إلى عالم الكومبارس، ولا يزال هذا العالم يشغلنى حتى اليوم، وأتمنى أن أقدم يوما ما فيلما وثائقيا عن الكومبارس، الذين ظلوا طوال حياتهم أمام الكاميرا، وأمنيتهم الوحيدة أن يلتفت إليهم أحد.

في كتاب "مذكرات نشال" أعدت تقديم مذكرات عبد العزيز النص، كيف تعاملت مع الوثائق الأصلية حتى تصبح مناسبة للقارئ المعاصر؟

لم يكن التعامل مع "مذكرات نشال" سهلا على الإطلاق. كنت أتعامل مع نص مكتوب عام 1927، فكان من الضروري أن أقرأه بعين زمنه، لا بعين الحاضر، لأن كثيرا من الألفاظ لم تعد مفهومة اليوم، وهذا استدعى البحث عن قواميس

اللهجة العامية المصرية، وعثرت على قاموس صدر عام 1932، وساعدني في فك معانى الكلمات والتعبيرات التي اندثرت. كما أدركت أهمية الجغرافيا، واستعنت بخريطة للقاهرة القديمة، كي أتتبع الأماكن التي ذكرها عبد العزيز النص، وأعرف ما أصبحت عليه اليوم، وما تغير من أسماء الشوارع والأحياء، أيضا اضطررت إلى تفكيك بعض الأحداث السياسية كان يذكرها باختصار وعدت إلى المصادر التاريخية للتأكد من الأحداث التي أشار إليها، مثل إضراب عمال الترام بعد ثورة 1919، أيضا بحثت عن اللغة السرية التي كان يستخدمها النشالون، فقد كان لكل جماعة أو طائفة مهنية مفرداتها التي لا يفهمها إلا المنتمون إليها، فالفتجر كان لهم لغتهم، والنشالون لهم لغتهم، وكذلك التجارون والحلاقون والصاغة وغيرهم. "مذكرات نشال" فتحت أمامي أبوابا واسعة للبحث في اللغة، والجغرافيا، والسياسة، والعادات والتقاليد، وكانت بمثابة مدرسة حقيقية في البحث التاريخي، وكان التدريب الأهم الذي أهادنى لكتابة "عنبر رقم 10"، صحيح أن الأخير نقلة أكبر وأعمق على مستوى الكتابة والبحث، ولكن العملين اشتركا في المتعة الحقيقية، واكتشاف عوالم لم تكن معروفة لي.

ما أكثر وثيقة أو اكتشاف لفت نظرك أثناء البحث وغير نظرتك إلى التاريخ المصري؟

من أكثر الأشياء التي أبهرتنى، العثور على رسائل بعض المرضى النفسيين إلى الحكومة في فترة الأربعينيات، في تلك الفترة قررت الحكومة إنشاء سجل خاص بهذه الرسائل، وعندما وصلت إليها وقرأت ما تحتويه تلك الرسائل، شعرت أن التراث المصري مازال يخفى كنوزا لا يتخيلها أحد، فأثناء عملي على ثورة 1919، عرفت أن جمعية الإسعاف المصرية كانت قبل اندلاع الثورة بأيام قليلة تعيش أزمة مالية حادة، ونشرت في الصحف تستغيث بالناس، وتعلن أنها على وشك التوقف لعدم قدرتها على توفير المستلزمات الطبية، فتستجيب الناس لهذا الإعلان وتصل للإسعاف المصرية تبرعات كبيرة تنقذها من الإفلاس، بعدها بأيام فقط تندلع الثورة، وتتحول الإسعاف إلى أحد الأبطال الحقيقيين في الميدان، إذ أسعفت ألاف المصابين وأسهمت في إنقاذ أرواح لا حصر لها. وبعد انتهاء الثورة حصلت هيئة الإسعاف على وسام تقدير من الملك، اعترافا بدورها الإنساني. هذه اللحظات تمنح البحث التاريخي متعته الحقيقية. أحيانا تعثر على وقائع تبدو مكتوبة بحبكة درامية، لا يستطيع أي كاتب أن يبتكرها، ولو عرضت الفكرة على كاتب سيناريو قد يراها مبالغة، بينما هي واقعة حقيقية موثقة، وهذا أكثر ما يدهشني في التراث المصري.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

فصة مصورة- اضحك.. «الكورة» تطلع حلوة

الجو جهنم الحمرا.. حتى إن الأطفال الذين قطعوا مسافات شاسعة من أجل المباراة المنتظرة، خلعوا الفانلات التى أتوا بها مكوية...

جهاد جمال: «الطمأنينة تليق بكِ» رحلة لفهم الذات

في زمن تتعدد فيه النصائح السريعة حول السعادة، تقدم الروائية جهاد جمال كتابها «الطمأنينة تليق بك» من زاوية مختلفة؛ فلا...

أيمن عثمان: «عنبر رقم 10» أشبع فضولى ككاتب

التاريخ تصنعه الحكايات الفردية.. والكاتب صوت من لا صوت له «مذكرات نشال» فتحت أمامى أبوابًا واسعة للبحث واكتشاف عوالم جديدة

جبرا إبراهيم جبرا.. مبدع حمل القدس العتيقة فى إبداعه

«البحث عن وليد مسعود» تناولت الشتات الفلسطينى بمنظور وطنى وإنسانى عاش فى العراق أغلب حياته.. والقضية الفلسطينية حضرت فى كل...