20 عاماً على رحيل شيخ الرواية المصرية محفوظ.. الإنسان الذى أعرفه

«محفوظ» كان يشفق على من حاولوا اغتياله.. وشعر بعد الحادث بالألم لعدم قدرته على المشاركة فى العزاءات والأنشطة الثقافية طريقة معاملة أديب نوبل لبناته تسببت فى خلاف مع زوجته.. وسر رفضه التحاق أم كلثوم بمعهد الباليه «نداء إلى المنحرفين» كان جرس إنذار من الأديب العالمى لتقويم سلوك من هزمتهم الأزمات وقيادات السوء فمنعتهم من حب الوطن بكى نجيب محفوظ على المنفلوطى بعد مدة كبيرة من وفاته

أعترف الآن لأول مرة بأن جماعة الإخوان الإرهابية أثناء السنة السوداء التى حكمت فيها قد استخدمت كتابا لى عن نجيب محفوظ لتبييض صورتها أمام الرأى العام أثناء الحملة التى شنها حلفاؤها السلفيون على صاحب نوبل.. فقد اتصل بى المسؤول عن سلسلة "كتاب اليوم" الصادرة عن مؤسسة "أخبار اليوم" يطلب منى ملخصا لكتابى "أنا نجيب محفوظ" لإصداره، وبطبيعة الحال أشرت فى المقدمة إلى الهجمة السلفية ضد محفوظ، فطلب منى مسؤول النشر وهو فى حالة من التوتر حذف كل ما يتعلق بالسلفيين، وصدر الكتاب بعنوان "نجيب محفوظ.. سيرة وطن".

وهم لا يعرفون معنى الوطن الذى رآه مرشدهم مجرد حفنة من تراب، لذلك كان احتفاؤهم بنجيب محفوظ تزييفا لحقيقة موقفهم، ومجرد حملة دعاية وعلاقات عامة فى محاولة للتقرب من المبدعين المصريين، فضلا عن إعدادهم لحفل يحضره الرئيس مرسى احتفالا بعيد ميلاد "صوت العرب" بينما رئيسهم كان يلسن على تلك المرحلة علنا بقوله: "الستينيات وما أدراك ما الستينيات"، لكن ثورة 30 يونيو أطاحت بهم بعد أن كشفت زيفهم وأن كان نجيب محفوظ جزءا من لعبة حاولوا بها خداع الرأى العام.

إذا جاز لى أن أتحدث عن نجيب محفوظ الإنسان فلأبدأ بنفسى أولا وما فعله معي وأنا ما زلت صحفيا تحت التمرين ولم أكن قد أكملت سنة فى شارع الصحافة عام 1983، حين رفعت سماعة التليفون لأجد نجيب محفوظ يرد على التليفون بنفسه ويعطينى موعدا فى التاسعة والنصف صباحا بمكتبه فى "الأهرام"، وحين عدت إليه بالحوار مكتوبا لمراجعته معي استجاب لطلبى بالتوقيع عليه حتى يصدقنى رئيس القسم الثقافى، لكننى كنت ساذجا فلم ينشر الحوار.. لأن رئيس القسم كان محتكرا الحوار مع نجيب محفوظ بالمجلة التى بدأت العمل بها.

ومع ذلك لم يغضب منى الأستاذ لعدم نشر حواره، حتى انتقلت للعمل بمجلة أخرى توثقت خلالها علاقتى بنجيب، فلم يبخل علىّ برأيه فى تحقيق صحفى من خلال التليفون، أو أي حوار أطلبه كان يستجيب فورا، حتى بعد حصوله على جائزة نوبل كان المسموح به للحوار معه ربع ساعة فقط حتى يمكنه مواجهة الهجمة الصحفية المصرية والعربية والأجنبية عليه بعد أن صار أديبا عالميا، لكن ربع الساعة لم يكن يكفينى، فطلبت منه وقتا أوسع، فأعطانى موعدا بقهوة على بابا فى ميدان التحرير لأسجل معه حوارا لمدة ساعتين، وحينما أصدرت كتابا عن توفيق الحكيم طلبت منه مقدمة فأملاها

لى ووقع عليها بقلمه، وحين صارحته بأننى أريد أن أصدر عنه كتابا اقترحت عليه أن يكون موضوعه أساتذته الذين تعلم منهم وتأثر بهم، فراقت له الفكرة وكنت أجلس إليه بمنزله على كورنيش العجوزة كل يوم سبت ليملينى ذكرياته وتأثره بكل شخصية من أساتذته وكان يوقع عليها، مما أثار حفيظة بعض الأدباء الكبار،لكنه كان دائما الأستاذ الراعي لى والمشجع منذ كنت صحفيا مبتدئا، وأذكر أن إحدى الصحفيات المبتدئات بجريدة الجمهورية واسمها حميدة كان سببا فى تعيينها عندما سأل عنها رئيس التحرير سمير رجب وهو يستضيفه فى ندوة بالجريدة، فالتلقط الإشارة من الأستاذ

ووثع قرار تعيينها كرامة للأستاذ، ولن أحدثكم عن تشجيعه للأدباء الشبان فى ندواته والتنويه بهم فى أحاديثه، وكان يدفع ثمن المشروبات لبعض مرتادى ندواته من محبي أدبه من متوسطى الحال.

كانت زوجته عطية الله تأخذ عليه تسامحه الزائد فى حقوقه ومع الناس، وعندما كانت تناقشه فى سر هذا التسامح كان يرد فى هدوء: "خلاص ربنا لا يريد لى هذا الشيء أن أحصل عليه"، وتنتهى المسألة عند هذا الحد، ولذلك تعتبره زوجته "ملاكا حقيقيا"، ورغم أنه ليس من طبعه الغضب أو الثورة، فإنه كإنسان كان "يتنرفز" لبضع دقائق فقط عندما

يدخل مكتبه ويشعر بأن يدا عبثت بأعز حاجة عنده "كتبه".

كانت زوجته شخصية مبذرة للغاية، عندما يعطيها نجيب محفوظ تنفق سريعا، وعندما تطلب منه المزيد كان يعاقبها بالعتاب ثم يعطيها نقودا أخرى!

كان لا يرفض لابنتيه فاطمة وأم كلثوم طلبا، ويتعامل معهما كصديقتين، وكانت أمهما مضطرة لاستخدام الشدة معهن لتعادل تدليله المتزايد، لكن الحالة الوحيدة التى اعترض فيها نجيب محفوظ على رغبة لابنته عندما أرادت أم كلثوم أن تصقل حبها لدراسة الباليه بالدراسة، فرفض وقال: "لا أريد راقصة فى الأسرة".. وكان نجيب محفوظ يـوكل لزوجته أمر شراء الذبائح فى عيد الأضحى وتوزيعها على الفقراء، كما كان ينفق من ماله الخاص - بعد أن أصبح لديه مال بعد نوبل - على حج بعض من كانوا يريدون الحج، ومنهم حارسه الخاص الذى كان يراه صديقا.

كان حريصا على ألا يسىء لأحد حتى لو أساء إليه الآخرون، يعترف بأنه لم يغضب طوال عمره إلا من واحد هو الناقد الأدبى صبرى حافظ حينما تورط فى مهاجمة نجيب محفوظ فى مجلة "الأقلام" العراقية، لكنه سامحه حينما جاءه فى ندواته يستأذنه فى الدخول فسمح له وكان شيئا لم يكن.

وحينما أصدر الناقد محمد عطية كتابا وضع على غلافه العلم الأمريكى وقال فيه ما معناه إن الذين أيدوا السلام هم عملاء أمريكا، وكان نجيب ممن أيدوا السلام، ولما رأى الناقد انفعل وانتفض لأول مرة وقال له: "ناقشنى قبل أن تشتمنى"، فقال له الناقد: "العفو يا أستاذ، لم أكن أقصد" وهدأت الأمور.

ولم يكن نجيب يبخل على أصدقائه أو يتأخر فى مساعدتهم إن استطاع، كان المخرج توفيق صالح يحتاج لـ"فلوس"، فقال لنجيب: "سلفنى مبلغ كذا"، ومن دون تفكير قال: "المبلغ موجود ومستعد أسلفك بشرط إنك ترجعه قبل العيد، علشان العيال محتاجة مصاريف"، كان هذا طبعا قبل نوبل.

ولم يتردد نجيب محفوظ فى مساعدات أخرى رغم خطورتها، كما فعل مع الشاعر عبد المنعم الأنصارى الذى قصده وتوفيق الحكيم - لمكانتهما - لكتابة استعطاف للرئيس السادات لتخفيف حكم الإعدام عن ابنه طلال الأنصارى عضو تنظيم الفنية العسكرية الذى أعدم قادته كلهم لضلوعهم فى محاولة قلب نظام الحكم، وقد استجاب السادات لوساطة محفوظ والحكيم، فألغى حكم الإعدام واستبدل به السجن على المتهم، ليعيش ويروى أن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم أنقذاه من حبل المشنقة.. كما لم يتردد الكبيران - محفوظ والحكيم - فى التوقيع على خطاب مشترك لرئيس تحرير الأهرام إبراهيم نافع لإعادة الناقد الأدبى غالى شكرى إلى "الأهرام" بعد أن عاش منفيا فى باريس.

وحينما رغب الأديب سعيد الكفراوى فى الحصول على منحة تفرغ طلب من نجيب محفوظ أن يكتب تقريرا يقدمه إلى لجنة المنحة، فابتسم مرحبا فى وجهه وقال له: "حاضر، اكتب التقرير وأنا أقرأه وأوقع عليه"!

فوجئ الروائى محمد جلال بالكاتب المسرحى عبد الله الطوخى يتصل به بعد صدور روايته الأولى "حارة الطيب" بأيام ويقول له: "نجيب محفوظ قرأ الرواية وأعجب بها ويريد أن يناقشها فى ندوة الأوبرا التى يعقدها كل أسبوع".. وكان جلال إليك  خائفا من أن يفسد المناقشة أحد أصدقائه النقاد الذى أطلعه على عمله فنصحه بأن يظل صحفيا، لكن الطوخى طمأنه على لسان محفوظ ألا يخاف وأنه بنفسه سيتولى الدفاع عنه، وقد حدث بالفعل أن تولى محفوظ الرد على الناقد المهاجم، وحول السلبيات التى ذكرها إلى إيجابيات، لأنه كان قد قرأ رواية جلال وأعجب بها، ليعطيه بذلك شهادة ميلاده الأدبى، لذلك كان دائما يقول: "لولا نجيب محفوظ ما كنت روائيا".ف

ى أعقاب هجوم ضار من أحد الكتاب على الأديبة نعمات البحيرى أرسل نجيب محفوظ مع الأديب سعيد الكفراوى رسالة إلى المسؤول عن الصفحة الثقافية فى المجلة التى هاجمتها مفادها استنكاره لازدواجية الواقع الثقافى الذى يكيل بمكيالين إزاء ما تكتبه المرأة وما يكتبه الرجل، ودعاه إلى وقف هذا الهجوم البائس والذي لا معنى له ولا دلالة سوى استعراض عضلات وهمية، واستغلال مناخ محافظ - يسعى للتحرر - الذى يحقق ذكوريته.

كاتبة مجتهدة لقيت كتاباتها قدرا لا يستهان به من النجاح، ويبدو أن النجاح قد أدار رأسها فراحت تتصور أنها إذا ما ناؤأت الأستاذ وبدت كما لو كانت قادرة على نقد خطابه الأدبى، فإن ذلك قد يجعلها تبدو فى مظهر الند للأستاذ الذى وصف ما قالته عنه الأديبة الشابة على أنه لا يعدو أن يكون نقد أديب لأديب آخر.. يقول هذا نجيب محفوظ بينما كان جميع الحاضرين فى قمة الغضب جراء ما قالته الأديبة الشابة عن الأستاذ.

بلغ إشفاق نجيب محفوظ على المنحرفين إلى حد أن وجه لهم نداء عبر مقال له فى الأهرام بعنوان "نداء إلى المنحرفين" يقول فيه "فإنى أوجه ندائى للمنحرفين من كل الأنواع والطبقات، أقول لهم إن الانحراف لا يحول بين المرء وحب وطنه وبخاصة إذا جاء انحرافه نتيجة لظروف سيئة قاهرة".. ويضيف: "وأنا لا أطالبكم بتقويم سلوك أو الكف عن الانحراف، كونوا ما شئتم وما شاء الزمان لكم، لكن لا تنسوا وطنكم الحزين، أدوا واجبكم بالكمال والتمام، أقبلوا بكل همة على العمل والإتقان، احترموا المتعاملين معكم من الشعب، بثوا النشاط فى الحقل والمصنع والإدارة والمستشفى والشارع، ومهما يكن من أمر فالحسنة بعشر أمثالها، وسوف تجدون مكانا لكم فى أحضان أمتكم، وسوف تذكره لكم، وتغفر لكم سيئاتكم جميعا، وما أنتم فى الأصل إلا أناس طيبون يجرفهم تيار النكبات والأزمات وقدوات السوء.. ولتعودن يوم النجاة إلى أصلكم الطيب وسلوككم وتقواكم النقية". 

بل إن نجيب محفوظ طالب فى مقال آخر بأن يتصالح المتخاصمون فيما بينهم ويتنازلوا عن القضايا التى يرفعونها فى المحاكم ضد بعضهم البعض توفيرا للجهد والوقت والأعصاب، وإيثارا للسلامة وراحة البال من طول التقاضى الذى يجدد الأحزان والشحناء والبغضاء.

وصل الأمر بنجيب محفوظ لأن يعاون المخبر المكلف من البوليس بمراقبة ندوته، فى كتابة تقريره حتى لا يخطئ ولا يتعرض للوم رؤسائه! حدث عندما كان نجيب محفوظ يقيم ندوته فوق سطح كازينو صفية حلمى أن أرسل البوليس رقيبا يكتب تقريرا عن الندوة رغم أنها كانت بعيدة عن المناقشات السياسية، وأصبح الرقيب الأمنى شخصا معروفا ومحددا ومكلفا بمهمة تفوق قدراته، فقد كان عليه أن يكتب تقريرا ملخص فيه ما دار فى الندوة، وكيف لمخبر بسيط أن يلخص المناقشات فى الفلسفة وعلم الجمال وتيارات الفكر العالمى؟.. وكان الأستاذ يطلب من بعض الحضور أن يملى على المخبر بعض السطور ليضمنها تقريره، غير أن المخبر شكا لنجيب محفوظ من عدم فهمه لما يدور من أحاديث أدبية وثقافية، وما يسمع من أسماء غريبة مثل كافكا وشكسبير وبروست وعوليس وغيرهم، وطلب معاونة محفوظ فى كتابة تقرير للبوليس كل أسبوع عن الندوة، مما جعل محفوظ يصمم على إنهائها رحمة بالمخبر وبنفسه! 

بكى نجيب محفوظ على المنفلوطى بعد مدة كبيرة من وفاته، فقد كان يعلق له صورة فى بيته على أساس أنه على قيد الحياة، لكن اتضح له أنه فارق دنيانا، فبكى عليه بحرقة بعد وفاته بعشر سنوات!.. فقد أحب أدبه وأسلوبه الجديد الساحر فيما يتناوله من موضوعات، فكان مثل "المياه الحلوة" حسب تعبير نجيب محفوظ نفسه، ولهذا كان له تأثير فى جيل محفوظ كله، حتى إن نجيب كان يتعلم اللغة والنحو من أسلوبه، ولذلك كان وفيا لهذا الرجل، وبكاه كما بكى أباه بعد موته.

كان مما يزيد من ألم نجيب محفوظ بعد الطعنة الغادرة التى أصابته أنه كان فى وضع صحى لا يسمح له بالمشاركة فى مراسم جنازة أو عزاء لشخص عزيز عليه، فقد كان حريصا على قراءة صفحة وفيات الأهرام، وكان يرسل ببرقيات التعازى لأسرة المتوفى الذى كان يعرفه.. لقد حالت الظروف الصحية والأمنية دون خروجه بالقدر الذى يتمناه، مما منعه من المشاركة فى أى تجمعات عامة، وكم من مرة اعتذر عن مناسبات تكريم له شخصيا أو مناسبات أخرى سعيدة، أو غير ذلك لأناس قريبين إلى نفسه، ومع ذلك ظل موقفه ممن طعنوه هو موقفه ذاته يوم سألوه عنهم وهو على فراش المرض بالعناية المركزة حين قال: "الله يهديهم.. الله يهديهم إلى سواء الطريق، وهذا لخير الأمة وخير الإسلام".

 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيرة نجيب محفوظ وماسبيرو.. سيرة مصر
د. طارق منصور: أكتب لإصلاح المجتمع
صبب
على الرغم من حضوره الدائم في الثقافة والفكر والأدب المصرى والعربى برصي
السابعة والخمسين
ابراهيم
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - اللاعبون و الجمهور

العائلة الكبيرة هجّت من حر شوارع القرية إلى حدود شط النيل.. جمعوا أنفسهم، من الرجال إلى الأطفال، منهم من لم...

شخصيات لها تاريخ «115» جورج واشنطن.. أبو الأمة الأمريكية

جده جاء من بريطانيا واشترى مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية فى ولاية فيرجينيا ووالده كان يعمل قبطاناً بحرياً تولى مهام...

ماذا يتبقى من أغانى الشيخ إذا حذفنا كلماتها؟ «2:2»

محمد العسيرى: قيمة إمام لا تسقط باستبعاد نجم الحالة الذكورية فى حياته خلقت نوعًا من الحدة و «النشفان» فى ألحانه...

قبل 4 شهور من انطلاقه .. معرض الكتاب فى خطر

الدورة ال 58 من المعرض بلا رأس ولا رئيس.. بعد أن كانت سابقتها برأسين ورئيسين الدورة المقبلة تعانى حتى الآن...