إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «22»

قائد طلابى يروى كيف اقتحم شيخ ضرير كلية الهندسة أحمد بهاء الدين شعبان: إمام.. كان مناضلا بدرجة فنان عشت ثلاث انتفاضات فى حياتى كلها حلقات فى مسلسل واحد آمنا بعبد الناصر حتى استيقظنا وإسرائيل على بعد 100 كيلو من القاهرة الشيخ إمام لم يكن مجرد ناقد سياسى بل كان تعبيرًا عن أشواق المصريين للحرية لم تستغله الحركة الطلابية.. إمام كان مناض بالفطرة ويملك وعيًا أكبر من كل الذين يتحركون حوله كان لجيلنا فض فى حرب أكتوبر.. سواء بدفع السلطة لاتخاذ القرار أو المشاركة فى العبور السياسة نوع رفيع من الفن.. إذا مارسها الإنسان بصدق سيصل إلى العظمة.. وإذا مارسها بانتهازية سيسقط لا تصدق محبوسًا يدّعى أنه لم يهب السجن.. البطولة ليست فى عدم الخوف ولكن فى التغلب على هذا الخوف 25 يناير إعادة الاعتبار لنجم وإمام الفن الحقيقى يأخذ وقته لكنه لا يموت أبدًا والدليل سيد درويش أغانيه العاطفية والدينية لا تقل إبداعًا عن أغانيه السياسية وقراءته للقرآن لا تقارن إلا بقراءة الشيخ محمد رفعت

في مطلع السبعينات، حين كانت الجامعة المصرية تغلى بعد صدمة الهزيمة

كان هناك شاب اسمه أحمد بهاء الدين شعبان يقود مع رفاقه واحدة من أعنف

موجات الغضب الطلابى التى عرفتها مصر الحديثة، ذلك الشاب، الذي تخرج

لاحقا مهندسا ميكانيكيا من جامعة القاهرة، اعتقل بتهمة قيادة انتفاضة الخبز

في يناير 1977، وشارك بعد عقود فى تأسيس "حركة كفاية"، ثم صار الأمين

العام للحزب الاشتراكى المصرى رجل قضى بتعبيره هو، "أكثر من ستين عاما

في العمل السياسي"، وعاصر بنفسه ثلاث انتفاضات كبرى غيرت وجه مصر...

هذا الرصيد النضالي الطويل هو ما يمنح شهادة أحمد بهاء الدين شعبان عن الشيخ إمام عيسى وزنا خاصا فهو لم يكن مستمعا عابرا لأغانيه، بل كان أحد الطلاب الذين أدخلوه إلى الجامعة، وأحد رفاق زنازينه في معتقل القلعة، وأحد الذين حفظوا صوته زادا وحيدًا فى عربات الترحيل وأمسيات السجن.

في هذه الشهادة يروى شعبان كيف صنع جيل كامل مع مغنى وشاعر رمزا للوجدان الوطنى المصرى، وكيف امتد أثر هذا الرمز من مدرجات الجامعة في السبعينات إلى ميدان التحرير في 2011.

كنت قائدا من قيادات الحركة الطلابية في السبعينات كيف فكرتم في استدعاء الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم من حوش قدم؟

إحنا ما فكرناش القدر ساقنا لحوش قدم، إحنا جيل ولد تقريبا في منتصف القرن الماضي وتفتحت أعينه مع ثورة ٢٣ يوليو، ثم نمى وعيه والثورة تتجذر وتخوض معارك النضال الوطني في مواجهة العدوان الثلاثي عام ٥٦، وفي نضال الشعب المصرى ضد إسرائيل والصهيونية والنفوذ الأمريكي، ومحاولة الحصول على استقلال الإرادة والقرار في بناء السد العالى، هذه المعارك، ارتبطت بوجدان جيلنا، لكن هذا الجيل الذي آمن بجمال عبد الناصر، وانتمى إلى تجربته ووثق في وعوده، استيقظ على كارثة هزيمة ٦٧، وكانت صدمة كبرى لشباب في عز سنوات عمره شباب آمن أن وطنه يملك أكبر قوة ضاربة في المنطقة وقادر على تحقيق الأحلام، ثم تمخض الحلم إلى كابوس كبير حين تبين أن العدو الإسرائيلي على بعد ١٠٠ كم من القاهرة، وأن سيناء كلها محتلة، وفلسطين محتلة وأجزاء من لبنان وسوريا والأردن محتلة، انهار الحلم الناصري، كان علينا حتى نحافظ على التماسك النفسي وأن نبحث عن بدائل بعضنا كفر بالعمل العام وانسحب إلى ذاته وبعضنا اتجه إلى الدروشة أو البحث عن حلول في الاتجاهات الدينية لكن أغلبية جيلنا انتمت إلى الاتجاه اليساري، وشهدت السبعينات قمة صعود اليسار المصري في الجامعة وأوساط المثقفين والطبقة العاملة كان من حسن حظ جيلنا أنه اصطدم بثلاثة أحداث كبرى: أولها ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة، التي مثلت لنا رصيدا معنويا كبيرا حمانا من الانهيار النفسي، لأنها أكدت أننا نستطيع هزيمة العدو الصهيوني إذا توفرت لنا الإرادة الوطنية وحسن المواجهة والتنظيم، والثانية أننا عشنا فترة هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية الشنيعة في فيتنام، وهذا أعطانا أملًا أن الشعوب، مهما كانت فقيرة ومحدودة الإمكانيات، تستطيع أن تهزم عدوها وتنتصر عليه، ثم كان استشهاد "أرنستو تشي جيفارا" في أكتوبر ١٩٦٧، وكان بالنسبة لنا، نبي الثورة والحرية، ونموذج كلاسيكي للثائر الذي ترك كل هيلمان السلطة وضحى بحياته من أجل نصرة قضايا الإنسان، هذه المؤثرات مجتمعة أثرت جدا في وجداننا، وكان طبيعيا أن تتلاقى مع التعبير الفني عنه المتمثل في أغاني الشيخ إمام ونجم، وكانت أهم أغنية أثرت فينا بعد مصر ياما يا بهية" أغنية "جيفارا مات"، لأنها جاءت على الجرح وأصبحت النشيد الرسمى لجيلنا، وساعدتنا على مواجهة الضغط النفسي الناجم عن الهزيمة، كان غناء جديدا خرج من طين البلد ومعاناتها وآلامها وأحزانها وخاصم ميوعة الغناء الرسمى وضجيجه وادعاءاته الثورية، وعبر تعبيرا حقيقيا عن وجدان المصريين فكان طبيعيا أن تلتقى جموع الشباب بهذا الإبداع الوطني والثوري الذي عبر عن هذه الأمال وعكس حاجة الوطن لصوت قوى يدعمه في مواجهة وطأة الهزيمة، لذلك لا يجب النظر للشيخ إمام ونجم باعتبارهما فنانين فقط، كانا أبطالاً للمقاومة الوطنية، ورموزا للعمل السياسي الوطني في لحظة كانت مصر تبحث فيها عن رمز، كانت أغانيهما معينا لنا في نضالنا، وفي السجن، وفي أروقة الجامعات والمدرجات، وفي الشوارع وفي صدامنا مع الأمن المركزي، وفي اعتقالاتنا في عربيات الأمن، وكانت الرصيد الذي منحنا إحساسا بالعزة والكبرياء، وأننا نخوض معركة وطن يقاتل من أجل أن يحيا ويستعيد حيويته ويواجه أعداءه على كل المستويات.

هل تذكر اليوم الذي ذهبت فيه إلى الشيخ إمام حوش قدم؟

طبقا فاكره، لأنه من الأيام التي لا تنسى، كنا مجموعة من الزملاء أتذكر منهم الزميلة العزيزة الراحلة سهام صبرى، وهذه الشخصية الجبارة، إذا كتب تاريخ جيلنا، ستبرز مناضلة على مستوى رفيع من العلم والثقافة والجمال والنفوذ الشخصي والكاريزما، وحينما ذهبنا نطلب من الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم نجم أن يأتيا ليغنيا عندنا في الجامعة، كنا، بوعي أو بلا وعي، نفتتح عهدًا جديدًا من علاقة غريبة الأطوار ولكنها نموذجية بين الفنان والثائر بين الشعب والمعبر عنه، بين فنانين كانا يغنيان أغانيهما في تجمعات محدودة، وربما وسط ناس غير قادرة على استيعاب ما يقال، وبين جيل منتظر هذا الفيض من العطاء الفني والإنساني.

كيف وجدت الشيخ إمام؟

وجدت أن الشيخ إمام عيسى لم يكن مجرد مؤد أو مغن أو ملحن عادي كان مثقفا كبيرا، حافظا للقرآن الكريم ولأمهات الشعر العربي الكلاسيكي متفقها في الموسيقى واللغة العربية والدين، وكان الحديث معه متعة ربما لم يشعر بها كثيرون لأنهم لم ينالوا حظ محاورته، أعتقد أن الشيخ إمام عيسى يحق أن ينطبق عليه وصف المفكر الإيطالي الماركسي غرامشی لـ "المثقف العضوي"، باعتباره المثقف الذي ينتمى إلى طبقة أو شعب أو جموع، ويعبر عنها ويتناغم مع أحزانها ومطالبها وطموحاتها وآفاقها استوعب الشيخ إمام في وجدانه تراث الشعب المصري: تراث الفن والإبداع والموسيقى تراث القرآن الكريم والثقافة العربية، وأبدع ألحانا تشعر أنها تخرج من قلب هذا الشعب وتتوجه مباشرة إلى وجدانه، وبالتالي كان اندماجنا سريعا جدا، وحينما كنا نسعى لخروج مظاهرة في الشارع كان الأمر سهلا نجيب الشيخ إمام ونجم، ولما تصل سخونة الطلاب الحاضرين إلى الدرجة الواجبة، يكفى هتاف المهندس كمال خليل أو غيره من زملائنا في كلية الهندسة حتى تتدفق الآلاف إلى الشارع هاتفة من أجل مصر والحرية، أعتقد أنه حينما يعاد كتابة تاريخ مصر في الستينات والسبعينات والثمانينات، سيكتب أن هناك شخصا فقد البصر لكنه لم يفقد البصيرة، كان يملك حشا ومعرفة ووعيا أكبر من كل الذين يتحركون حوله، لأنه كان صادقا في مشاعره وفي التعبير عنها، وأن الشيخ إمام عيسى لم يكن مجرد مؤد، كان مناضلا وطنيا بدرجة فنان.

سيرة الشيخ إمام قبل لقائه الطلبة كانت بعيدة عن السياسية، وبعد الطلبة، أصبح دوره واضحا، وكما قلت المظاهرة كانت تبدأ بأغانيه أليس في ذلك نوع من الاستغلال للرجل ؟

لا، ما كانش فيه أي شكل من أشكال الاستغلال، ما حدث كان توافقا على الأدوار الشيخ إمام كان عارف إنه لما كان بيجى الجامعة مكانش جي يطربنا، ولا جاى حفلة ديسكو، ولا جاي يتنطط زي الفنانين اللي بنشوفهم كان يدرك جيدا دوره الخطير في بث الوعى وتحريك الجماهير الشعبية، كان مناضلا بالفطرة مناضل ضد الفقر، وضد فقدان البصر وظلم الحياة، مناضل في مواجهة قهر السلطة، وفي مواجهة الجهل والتخلف الفكرى، كان ذكيا لدرجة يصعب معها أن تستغله أو تقفز على أهدافه بالتحايل عليه، وشديد الدهاء إذا صح التعبير، وده شيء طبيعي، فمن فقد البصر يعوضه الله بمشاعر وأحاسيس وإدراكات أخرى. كان يدرك جيدا أنه حين يذهب إلى الجامعة، يذهب لأنها تحتاجه كصاعق أو مفجر للحالة الثورية، وكان يدخل السجن عن طيب خاطر وهو يعرف جيدا أنه يدفع ثمنا باهظا من حريته وأمنه، لكنه كان صاحب رسالة، وإحنا كشباب لم يكن لنا مصلحة خاصة كنا نتحرك بالسليقة، ندرك أن هناك وطنا محتلا يجب أن نقومه، وحينما يؤرخ لهذه الفترة، سيشار إلى أن لهذا الجيل فضلا كبيرا في الدفع باتجاه حرب أكتوبر ۷۳، سواء بدفع السلطة لاتخاذ قرار الحرب والتهيئة لها، أو بالمشاركة المادية، لأن جزءا كبيرًا منا تخرج من الجامعة والتحق بالقوات المسلحة وخاض الحرب مع مئات الآلاف من أبناء الشعب المصري في العبور الشيخ إمام عيسى كان مناضلا سياسيا أدائه العود والصوت والكلمة واللحن، كما كان هناك من يناضل بالمنشور السياسي أو بالمظاهرة أو بالخطابة في المؤتمرات أو بالتنظيم من خلف الصفوف، ومن هنا كان تعاون مثالي ومذهل في صدقه بين أجيال من الشباب تبحث عن ملهم فني، وفنانين كبيرين يبحثان عن حامل اجتماعي لرسالتهما الفنية.

أيهما يأتي الأول: المناضل أم الفنان المطرب والملحن؟

الأول الإنسان أن يكون إنسانا صادقا في مشاعره وتوجهاته ووجدانه، ثم بعد ذلك يأتي التعبير، سواء عن طريق الفن أو السياسة، والسياسة أيضا نوع رفيع من الفن، إذا مارستها بصدق ستصل فيها إلى درجة من الإبداع تقرب من درجة الفنانين العظام، وإذا مارستها بانتهازية فستسقط حتما، كما يسقط كل فنان مدع.

من اين استمد الشيخ والفنان صلابته في مواجهة السلطة ؟

من مخزون الصبر لدى الشعب المصرى، وهو شعب تاریخی من الشعوب النادرة التي تملك شخصية ومقاومات ذاتية متصلة على مر التاريخ، لا انقطاعات فيها ولا زوايا حادة، تواجه ما تواجهه من ظروف تعيسة بالصبر والسخرية والامتثال الإيجابي، لا بالرضوخ والخضوع إنما بأن تقبل ما أنت فيه وتعمل على تغييره، أتذكر أنه قبل ثورة ٢٥ يناير ببضعة أسابيع، كتب أحد كتاب النظام مقالا عنوانه "لماذا لا يثور المصريون؟"، يقول فيه بوضوح أن الواهمين أمثالنا الذين يعولون على أن الشعب المصرى سيئور سيخذلهم. لأن هذا شعب لضبت طاقة الثورة عنده هذا الرجل الذي كان يحمل درجة دكتوراه ويرأس إحدى كبريات الصحف المصرية، لم يكن يدرك أن هذا الشعب يملك أيضا مخزونا هائلا من الوعي والإدراك، وأنه كان يختزن ثورة فريدة سيظل التاريخ يذكرها على مر القرون، أعتقد أن الشيخ إمام عيسى كان نموذجا للمواطن المصرى. استطاع بذكاء فطري هائل أن يطور أدواته، كان ممكن أن يظل مجرد مقرئ للقرآن في المآتم والمناسبات الدينية، وكان ممكن أن يتحول إلى شخص تافه و مهمل لا يذكره أحد. لكنه كان يملك داخله طاقة هائلة على الإبداع، وده أحد أسرار هذا الشعب الذي يدهشنا دائما بمثل هذه الشخصيات، وفي تاريخنا رموز كثيرة، مثل عبد الله النديم في الثورة العرابية، الذي عبر عن الشعب المصرى بالأغاني والنكت والشعر والكتابة والخطابة، وظل تسع سنوات مختفيا في حضن الشعب من بطش السلطة كان فقيرا لكنه عاش بكبرياء، والشيخ إمام عيسى كان فيلسوفا وصاحب رؤية، ربما لم يقرأ كثيرا، ربما لم يكن يجيد الرطانة السياسية، لكنه كان يملك مخزونا حضاريا يستمد منه وعيه وتعبيره عن مشاعره وأحلامه.

هل كان الشيخ إمام الفنان الوحيد اللي استجاب لحركة الطلبة أم كان هناك فنانين آخرين؟

لم يكن وحده، كان هناك فنان كبير وملحن عظيم هو "عدلي فخرى" غلى لزين العابدين فؤاد وسمير عبد الباقي وغيرهما، لكنه لم يحظ بحقه المشروع في المعرفة والانتشار وفقدناه في سن مبكرة، وأذكر له دوره في أوساط المقاومة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية فترة الغزو الإسرائيلي للبنان ۱۹۸۳، كان مقاتلا بالعود والأغنية والكلمة مع زين العابدين فؤاد، في أوساط المقاومة الفلسطينية واللبنانية وساعد على صمود الشعبين في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وهناك أيضا الفنان والملحن المعروف محمد نوح، وكانت له أغنية ذائعة وقتها هي مدد مدد شدي حيلك يا بلد"، لكنه لم يكمل هذا الطريق، ربما لصعوبته أو تكلفته، وكانت هناك محاولات لشباب كثير غنوا وأبدعوا، لكن بريق الشيخ إمام وألق أغانيه العظيمة كانا طاغيين ومعبرين عن الحالة الثورية ليس فقط في مصر، بل في المنطقة العربية بأثرها، وفي كل مكان التقى فيه عرب ومصريون في أي بقعة من العالم كان حاضرا بقوة، وكانت أغانيه القاسم المشترك الأعظم الذي عبر عن أشواق العرب والمصريين للحرية.

"الأغاني الرقيعة والألحان الماسخة والوطنيات الرخيصة" كان هذا وصفك لكل ما دون الشيخ إمام، لهذه الدرجة حبك للشيخ إمام؟

ليس حبا للشيخ إمام وحسب إحنا ننتمى إلى جيل تربت ذائقته الفنية على القيم الكبرى في الأدب والموسيقى والفن والمعرفة الإنسانية قرأنا أمهات الكتب الأدبية العربية والعالمية، وشاهدنا إبداعات الفنانين التشكيليين والمثالين والنحاتين في كل أنحاء العالم، واستمعنا إلى أفضل ما أنجزته الروح الإنسانية، وبالتالي حينما يشعر بهذا الضجيج الذي يحاث الآن باسم الفن، لا بد أن يلفظه، وقد غزت الأسماع في العقود الأخيرة أنماط من الموسيقى رقيعة وساقطة فعلا، لا تثير لدى المستمع أي إحساس جمالي، ولا ترقى بالروح الإنسانية ولا تطور الوعي بأي شكل، أغان تجارية تافهة هدفها الأساسي الربحالرخيص، بدون أن تضع في الحسبان أن الفن أداة من أدوات التنوير الروحي والعقلي، وأن الفنان صاحب رسالة وليس مجرد جامع أموال.

بعيدا عن أغاني إمام السياسية كيف كنتم تروا أغانيه العاطفية وما قدمه من ابتهالات دينية ؟

الثورة حالة انتشاء وجداني، وأعتقد أن قصص الحب العظمي كانت تنشأ في معارك الصراع الاجتماعي والسياسي، وجيلنا يحفظ كثيرا من العلاقات العاطفية بين أطرافه وكانت أغانيه العاطفية أيضًا تعبيرا عن مشاعر جيل بأكمله، وأعتقد أن من أضعف الأغاني التي قدمها هي بعض الأغاني السياسية، لأنها تخضع للمباشرة وللحظة وللحاجة إلى الترويج السياسي، أما الأغاني العاطفية والتواشيح والابتهالات الدينية فهي أغان باقية، لأنها تتعامل مع الجزء الخالد في الكائن الإنساني الوجدان والمشاعر، كل الناس تحب وتكره وتغار، وفي كل الحضارات والشعوب للجانب العاطفى وجود كبير، وربما كان حظه أنه عرف كمبدع في الغناء السياسي، لكني أفضل أن أراه مبدعا شاملا، فنانًا كبيرًا بكل المقاييس، في كل ما ألفه أو غناه أو ردده في أي مناسبة.

كيف كان يستقبل الطلبة غير المسيسين أغاني الشيخ إمام؟

الشيخ إمام كان يملك قدرة سحرية على الوصول إلى كل من يستمع إليه، سطوة فنية تتغلغل في وجدان المستمع سواء كان ينتمى إلى أفكاره أو معارضا لها، ومن أكثر الذين كانوا يدمنون سماعه وهو ينتقد النظام رموز من النظام نفسه ومحسوبون عليه، وكانت حفلاته في الجامعة تضم عددا مهما من الخصوم السياسيين للحركة الوطنية والديمقراطية كانوا يأتون ليستمعوا إليه، حتى الذين ينتمون للتيار الإسلامي كانوا يخشعون إذا قرأ القرآن، فالشيخ إمام كان أحد المقرئين الكبار للقرآن واعتبر أن أعظم ما أملكه من كنوز شرائط تسجيل عليها تلاوته، وأتمنى أن تصل إلى أسماع المصريين، فهذه القراءة الرصينة الروحية العميقة أعتقد أنها لا تقارن إلا بقراءة الشيخ محمد رفعت بعمقها وبمهابة الصوت الذي يقرأ به القرآن.

الإسلاميون كانوا يستقبلون قراءته للقرآن بخشوع، فكيف كانوا يستقبلون أغانيه؟

كانت تجد قبولا لديهم، أتكلم هنا عن بعض الإسلاميين ذوى الرؤى المتفتحة، لأن هناك آخرين يعتبرون أن الغناء خارج عن مفاهيمهم، الشيخ إمام كان يشرح بأغانيه وألحانه طبيعة السلطة الحاكمة، يسخر من الولايات المتحدة الأمريكية ومن نيكسون ومن الفاسدين واللصوص وناهبي المال العام، كان يمس وجدان أي إنسان، إسلاميا كان أو ليبراليا، ومن أقصى اليسار الأقصى اليمين، لأنه كان يعبر تعبيرا حقيقيا عن وجدان أمة بأكملها، وهذه حالة فريدة، فحينما يصل فنان إلى لحظة يعبر فيها عن وجدان أمة بأكملها، يكون قد نال حظا غير مسبوق من الصدق، وهو واحد من أئمة الصادقين في أدائهم وفنهم على مر التاريخ المصري المعاصر.

كانت الجامعة البديل الإعلامي الوحيد للشيخ إمام بعد حجبه عن الإذاعة والتليفزیون، کنتم تعتبرون الجامعة "منطقة محررة"، وربما هذا ما دفع الرئيس السادات إلى محاولة إبعاد الجامعة عن السياسة، أحكى لنا عن هذه المرحلة ؟

في المرحلة الأولى، بعد الهزيمة مباشرة، انفجرت المظاهرات وبدأت أجهزة السلطة في محاولة قمع الحركة الطلابية والقضاء عليها. وللرئيس السادات جملة مشهورة في هذه الفترة "الطالب طالب علم وبس مفيش علم في السياسة ولا سياسة في العلم، وصحب هذه النظرية محاولة مسح الثقافة السياسية من الجامعة، وتجريف كامل للوعى فيها. ومحاربة منظمة للأفكار السياسية خصوصا اليسارية، ومطاردة كل من ينتمى إلى الفكر الوطني أو المعارض وشاهدت السجون عقب السبعينات عشرات المحاكمات، شبيهة إلى حد ما بما حدث للتيارات الإسلامية بعد ذلك. وكان طبيعيا في تلك الفترة أن تجد كل الأفكار والأغاني المعادية للنظام تضييقا شديدا في أجهزة الإعلام، لأنها كانت خاضعة خضوعا كاملا للسلطة: قناتان للتليفزيون، وإذاعة، وثلاث جرائد فقط هي الأهرام والأخبار والجمهورية، وكلها خاضعة للرقابة، لم يكن بإمكان أي فنان أو كاتب أو مبدع أو صحفي أن يتحرك خارج القواعد التي وضعتها السلطة، وكان المتنفس الوحيد للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وعدلي فخرى وسمير عبد الباقي وزين العابدين فؤاد ونجيب شهاب الدين وغيرهم من الشعراء والكتاب والفنانين هي الجامعة، لأنها كانت، كما وصفتها، منطقة محررة، على جدرانها كانت تكتب مقالات يستحيل نشرها في أي مكان آخر، وفي مدرجاتها كانت تطرح أفكار يستحيل طرحها خارجها، وبالتالي كان طبيعيا أن يكون المجال الحيوي الوحيد الحركة الشيخ إمام هو الجامعة. ومن خلال الطلبة كانت تعبر أغانيه إلى كل أنحاء مصر والعالم العربي.

دخل المعتقل، القلعة، وغنى لك شفت بهاء"، ورغم صراحته في مهاجمة السلطة دايما كان يداري على الطلبة في التحقيقات، لماذا؟

لأنه كان يعتبر الطلبة بمثابة أبنائه، وكان حريصًا جدا على أن ينكر ما يمكن أن يسبب لهم ضررا أو يؤدى إلى عقاب صارم، كان صاحب موقف وله رؤية، ولم يهرب من مواقفه ولا أفكاره، وكان من حظى أني شجنت معه في الفترة التي كتب فيها أحمد فؤاد نجم قصيدته "بكائية يناير"، التي يقول فيها "أنا رحت القلعة وشفت ياسين". والتي يصف فيها الطريقة التي كانوا ينقلوننا بها في المعتقلات، معصوبی الأعين، مقيدي الأيدي والأرجل، وهذا الوصف كان بالغ الشفافية والدلالة على كيف كان نظام السادات، يتعامل مع شباب من المفروض أنهم بناة المستقبل ؟، وأنا سعيد بهذه الأغنية التي أصبحت جزءا من تراث الحركة الطلابية المصرية.

كيف كان يتعامل الشيخ إمام مع المعتقل، وهو ضرير، وأحيانًا في سجن انفرادي؟

حظى جاء في كل المرات التي اعتقلت فيها أنهم كانوا يأخذونني إلى زنزانة انفرادية، وكان الحبس الانفرادي في سجن القلعة صعب جدا، لأنه سجن ينتمى إلى أبنية القرون الوسطى، الجدار حوالي متر والأبواب غليظة تحدث صوتا شديدا عند تحريكها، وأنت محاصر من كل النواحي، لا يربطك بالحياة إلا طاقة صغيرة يتسرب منها بعض الهواء حتى لما كنا نذهب إلى الحمام كنا معصوبي الأعين، عکس زملاؤنا الذين لم يعتبروا من قيادات الحركة الطلابية كان يسمح لهم بالعيش معا في عنبر واسع وتزال عنهم العصابات والقيود، أما من كانوا يظنون متزعمى التمرد فكانوا يحظون بعناية خاصة. لم أسجن مع الشيخ إمام، لكن رأيته مرة واحدة من طاقة الزنزانة، أزحت العصابة عن عيني فوجدته مصحوبا بأحمد فؤاد نجم، يبدو أنهما كانا يتمشيان في الطرقة، لكن بشكل عام. لا تصدق محبوشا يدعى أنه لم يهب السجن أو يخف من لحظة الاعتقال فهذه لحظة إنسانية طبيعية، من الطبيعي أن تشعر بالقلق حين يقبض عليك وتغلق عليك زنزانة من القرون الوسطى، وتسمع اهات وصرخات من يعذبون في الزنازين المجاورة في سكون الليل، المهم أن هذا الشعور لا يتسرب إلى إرادتك فيضعفها، بطولة المناضل السياسي ليست في أنه لا يخاف، وإنما في أنه يتغلب على الخوف يصمد ويتماسك ولا ينهار امام وطأة التعذيب.

كنتم تغنوا للشيخ إمام في المعتقل ؟

كانت أغانيه الزاد الأساسي لنا، تغنيها في سيارات الترحيل وفي أمسيات السجن، عن طريق الاقتراب من الأبواب والغناء الجماعي، كانت الوئيس الأساسي لنا.

كيف اقتحم الشيخ الضرير كلية الهندسة سنة ١٩٧٧؟

صعب جدا أن يقتحم شيخ ضرير يقتحم كلية الهندسة، هذه الواقعة جاءت نتيجة التدافع، كانوا ممنوعين من الدخول فاندفعت الطلبة واقتحمت الأبواب ودفعت الأمن وفتحت الطريق أمام الشيخ إمام الدخول رغم قرار منعه. أعتقد أن الشيخ إمام كان عنده قدرة هائلة على التأثير النفسي، ووجوده كان ينشئ حالة من الفوران الثوري والحمية العالية جدا، وده اللي خلى الطلبة تزيح جحافل الأمن وتفتح الأبواب.

هل هناك شبه بين ما حدث في انتفاضة ۱۷، ۱۸ يناير ۱۹۷۷ وما حدث في ٢٥ يناير ۲۰۱۱؟

طبقا فيه شبه، وكنت سعيد الحظ لأنى عشت ثلاث انتفاضات کبری في تاريخ الشعب المصرى، وشاركت بنصيب متواضع فيها: أولها انتفاضة الطلاب في السبعينات، وثانيها انتفاضة ١٧، ١٨ يناير ۱۹۷۷ التي سماها السادات "انتفاضة الحرامية"، وثالثها ثورة الشعب المصرى العظيمة في ٢٥ يناير في الأولى كنت أحد قادة طلاب السبعينات، وفي الثانية كنت متهما بتحريض الجماهير على الثورة، وفي الثالثة شاركت بنصيب متواضع في تأسيس حركة "كفاية" التي مهدت للثورة، واعتقد أن الروابط لا تقتصر على ۱۷، ۱۸ يناير وثورة ٢٥ يناير بل تمتد إلى كل حركات النضال الوطني منذ تشكلت مصر الحديثة، عقب ثورة الشعب التي انتهت بتولى محمد على السلطة، ثم المواجهات بين مصر والغرب، ثم الثورة العرابية وثورة ۱۹۱۹ وحركات الطلاب في ٣٥ و ٤٦ ثم انتفاضة الطلاب في السبعينات

ثم انتفاضة ١٧ و ١٨ يناير، كلها حلقات في مسلسل واحد؛ نحن أجيال من المصريين يسلم كل منا الراية للجيل الذي يليه بعد أن استلمها من الجيل السابق، وفي هذا السياق، ثورة ٢٥ يناير لیست نشارا، ولا هي ثورة عملها مجموعة شباب بتوع الفيسبوك كما يشاع، إنما هي حلقة من حلقات النضال الوطني الممتد على مدار العقود الماضية.

كيف رأيت استحضار الشيخ إمام وأغانيه في ميادين ٢٥ يناير؟

رأيتها نوع من إعادة الاعتبار للشيخ إمام ولدوره العظيم في تنمية وعى الأجيال الوطنية المتلاحقة منذ نهاية الستينات حتى الآن، وأنا أعتبر أن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم اثنان من صناع ٢٥ يناير حتى الذين لم يتصلوا بهما بشكل مباشر والشباب الذي لم يسمع أغلب أغانيهما، والأجيال الجديدة التي لم تعاصر هما؛ كان خروجهم في ٢٥ يناير وفاء في جانب منه لدور عظيم لعبه هذا الثنائي الكبير في تاريخ الوجدان المصرى حين غنا الناس في ميدان التحرير أغاني الشيخ إمام، كانوا يعترفون بأن الشيء الحقيقي باق، وأن الوجدان الحقيقي للشعب يحتفظ في ذاكرته بكل الأغاني والذكريات الوطنية الحقيقية التي قدمت له عن طيب خاطر، وبلا أى مكسب أو منفعة شخصية، أنا أعتبر الشيخ إمام عيسى ليس ملحنا أو مغنيا وحسب، بل أحد صناع الضمير الوطني والوجدان الوطني المعاصر في مصر خلال نصف القرن الأخير من القرن الماضي.

ألم تهتز هذه الصورة، في سنوات التجمد في عصر مبارك بشكل عام؟

بالعكس كانت تزداد عمقا، لو عدنا إلى تاريخ وأغاني الموسيقار العظيم سيد درویش، سنكتشف أن هذه الموسيقى الخالدة ظلت بعد وفاته تكاد تكون مجهولة، ثم انطلقت في الآفاق وحلقت وأصبحت المعبر الأساسي عن وجدان الشعب المصري. هذه طبائع الأمور الشعوب تختزن في وعيها وذاكرتها ما يعبر عنها، وفى لحظة الاحتياج إليه يخرج المخزون إلى الحياة كأنه لا يزال ينبض بإيقاع الوجود.

 	 أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «21»
ننن
التشكيلي مصطفى المسلماني
إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «18»
شهادات تذاع لأول مرة «17» مؤسس المولوية المصرية الذى رحل فى 2025
الفرقة الماسية
شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على ا
إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «14»

المزيد من ثقافة

شخصيات لها تاريخ «110» أنطونى إيدن.. انتحر سياسيًا فى «بورسعيد» المصرية

تولى وزارة الخارجية البريطانية ثلاث فترات وتولى رئاسة الحكومة بعد تشرشل وكانت نهايته فى معركة قناة السويس حاول إعادة احتلال...

إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «22»

قائد طلابى يروى كيف اقتحم شيخ ضرير كلية الهندسة أحمد بهاء الدين شعبان: إمام.. كان مناضلا بدرجة فنان عشت ثلاث...

تسربات المياه في المنازل.. مشكلة صامتة تهدد المباني وكيفية اكتشافها مبكرًا

تُعد تسربات المياه من المشكلات الشائعة التي تواجه الكثير من أصحاب المنازل، حيث تبدأ غالبًا بعلامات بسيطة مثل ظهور بقع...

قصة مصورة - الأسبتة أكثر من الرؤوس

على «سَبَت» المحبوب ودِّينى