«وَجْهُ صَباَحْ» و «حكايَتى مع الكنيسة».. عملان جديدان للإعلامى محمد جراح

عن دار وعد صدر عملان جديدان للكاتب والإعلامي محمد جراح الأول مجموعة قصصية بعنوان "وجه صباح ؛ وقد وصلت هذه المجموعة القصصية إلى القائمة الطويلة لجائزة محمود تيمور في القصة القصيرة اعترافا بجودة النصوص.

 أما الكتاب الثاني في أدب المذكرات بعنوان "حكايتي مع الكنيسة". وهو عبارة عن رؤية أدبية ثاقبة ترصد المجتمع المصرى والتحولات التى طرأت عليه، حيث يتنقل الكاتب ببراعة بين القرية والمدينة، وبين الماضى والحاضر، وتمهد الطريق لنصوص تحتفى بالإنسان في لحظات انكساره بلغة مكثفة تمزح بين السخرية المرة والدراما الإنسانية وصموده الصامت. وتراوح بين سردية الهامش والتحولات الاجتماعية.

تتجلى ثيمة الاغتراب في بعض قصص المجموعة مثلما وضح في قصة ألسن أبي السبعة" التي ترصد ضياع الأرض والهوية تحت وطأة الاستهلاك والوافدين الجدد؛ كما تضع عينيها على التكنولوجيا والواقع الافتراضي، فقد خصص الكاتب قسما بعنوان "حساب مجهول الهوية"، احتوى على أربع قصص استعرض فيها بجرأة فنية علاقة الإنسان المعاصر بوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وتحول المشاعر إلى كوبي بيست كما استخدم تقنية "الهوامش" و " المتواليات السباعية، مما أخرج النص من إطاره التقليدي إلى رحاب التجريب، ونسج من التفاصيل اليومية مثل "سيارته العتيقة"، أو "ميزان والده الذي ضاعت کفتاه رموزا كبرى عن العدالة، والزمن، والقيمة الإنسانية؛ وقد تلخص جملة "رأيته أنا .. لكنه لم يرني"؛ الواردة في إحدى القصص فلسفة الكاتب في رصد الغياب والحضور، وتجاهل المجتمع لجوهر الإنسان مقابل الاحتفاء بالمظاهر الزائفة. وتعد المجموعة محطة مهمة في مسيرة الكاتب التي تنحاز دوما لصدق الكلمة وعمق المعنى.

کتاب "حكايتي مع الكنيسة " عبارة عن سيرة فكرية تندرج تحت أدب "الشهادات" أو "المذكرات"، حيث يمزج الكاتب بين تجربته الشخصية ورؤيته الوطنية والاجتماعية للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر؛ وينطلق من رؤية إيمانية ووطنية عميقة تحاول التعبير عن الذات المصرية؛ وذلك النسيج المتين الذي يجمع هذا الشعب الفريد ذا الحضارة التليدة، والمجد الفريد، وكأنما كان الشعب حتى في فترات تعدد معتقداته متمسكا بقيمه، فلا غلو ولا تطرف، ولا أنانية وجحود بل محبة دائمة وود مستمر على الدوام.

يبدأ الكتاب بإهداء فريد؛ جاء فيه "إلى الله الذي أرادنا أن نختلف حتى نلتقى لنكون في معيته"، والكتاب يسعى لتفكيك "فوبيا الآخر"؛ وإثبات أن العلاقة بين المسجد والكنيسة فى مصر ليست مجرد "وحدة وطنية" شعاراتية، بل نسيجا واحدا وقدرا مشتركا.

يبدأ الكتاب باللحظة التي كلف فيها الكاتب بنقل قداس عيد الميلاد المجيد على أثير الإذاعة المصرية، باعتباره أحد مذيعيها، وهي اللحظة التي انتظرها كثيرا، لأنه كان يرى أنه الأجدر بها، كما شارك في نقل القداس من كنائس طوائف مسيحية أخرى، لكنه لم ير فيها ما وجده من ود وترحاب ومحبة كما في كنيسة مصر الوطنية.

يطلق الكاتب على فصول كتابه مصطلح "التدوينات"، مستعيرا اللفظة من لغة الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا "فيس بوك"، وراوح في حكيه بين الحاضر والماضي؛ ويستعيد ذكرياته في القرية أو المدينة المصرية فيركز على روابط "الجيرة"، وقيم المحبة، ضاربا الأمثلة بالمشاركة فى المناسبات المختلفة الأفراح والأتراح، فلا ينظر للكنيسة كدار عبادة لغير المسلمين فقط، بل كجزء من جماليات المكان وتاريخ مصر (المسلة، المنارة، المئذنة ) كما ورد في الاقتباسات ليوضح أنه لم يكن هناك فروق في التعامل اليومي بين مسلم ومسيحى فالبيت الواحد أو العمارة السكنية يتجاور فيها المسلم والمسيحى، والفصل الدراسي يجمع بينهما تحت لواء العلم، ومحبة الوطن.

الكتاب ليس مجرد سرد بل موقف فكري يتبناه الكاتب ويدافع عنه، وهو ما يميز أعماله السابقة التي تهتم بالواقع الاجتماعى المصري؛ كما يوثق مرحلة مهمة من تاريخ مصر الاجتماعي، وكيف صمدت الهوية المصرية أمام المتغيرات. كما يعزز قيم التسامح، والغفران، وقبول الآخر، وهى قيم يحتاجها المجتمع المعاصر بشدة.

الكتاب يميل إلى الجانب الوجداني والإنساني أكثر من التحليلي التاريخي الجامد، وهذا سر قوته وتأثيره.

كما أن استخدام الكاتب السيرته كـ" شاهد عيان" يعطى للنص روحا وحيوية تفتقدها الكتب التي تتناول قضايا "الوحدة الوطنية"؛ فهو وثيقة إنسانية قبل أن يكون عملا أدبيا؛ كما أنه دعوة للمحبة والتأمل في القواسم المشتركة التي تجمع بين أبناء الوطن الواحد، ويعد إضافة مهمة للمكتبة العربية في أدب المواطنة والتعايش.

يذكر أن محمد جراح، قاص وروائي وإعلامي مصرى وصاحب بصمة خاصة فى السرد القصصي تميزت أعماله بالقدرة على التقاط المفارقات الاجتماعية والنفسية، وقد صدر له ٣ مجموعات قصصية هي "الشونة"، و"قراءة الرأس قديم"، و"الأيقونة"، و9 روايات منها "العابدة"، و"الذيل"، و"صوب مياه دافئة"، و"شبه دولة"، و"رب" البداوة"، و"مصنع الأصنام"، و"جمع تكسير"، فضلا عن كتب أخرى منها "الجيش والسلطة في مصر الفرعونية"، و"الإعلام المصرى من الريادة إلى الأزمة".

 	سامى حشيش

سامى حشيش

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

فى ذكرى رحيله ال 94 حافظ إبراهيم.. شاعر النيل الذى خلدته قصائده

طه حسين أطلق عليه «لسان الشعب».. ومحمد مندور قال إن شعره قريب من الجماهير روايته «ليالى سطيح» عمل نثرى يرقى...

«وَجْهُ صَباَحْ» و «حكايَتى مع الكنيسة».. عملان جديدان للإعلامى محمد جراح

عن دار وعد صدر عملان جديدان للكاتب والإعلامي محمد جراح الأول مجموعة قصصية بعنوان "وجه صباح ؛ وقد وصلت هذه...

أحمد عايد: «لا أرى الأشياء كما» صرخة ضد الجمود

الشاعر ابن التأمل والصمت والمراقبة نعانى من فوضى الكتابة.. والسوشيال ميديا فتحت علينا بوابات الجحيم حاولت الإصغاء لما لا يملك...

الطيب صالح 96 عامًا على ميلاده و 60 عامًا على صدور أشهر رواياته

تغريبة الطيب صالح التى صنعت مصطفى سعيد وبطولته الخاصة فى «موسم الهجرة إلى الشمال» «عرس الزين ودومة ود حامد» يؤكدان...