نجيب محفوظ يرسم ببراعة شخصية الإخوانى فى رواياته العظيمة

صاحب نوبل.. الغائب الحاضر فى 30 يونيو

تناول أفكار ومواقف وتحولات سيد قطب فى «المرايا» من خلال شخصية عبد الوهاب إسماعيل « الإخوانى» متعصب لرأيه.. عنيف فى تحولاته.. يفرح لهزيمة الوطن محفوظ رفض لقاء حسن البنا.. واختلف مع فكر الإخوان ومنهجهم منذ شبابه الباكر

 

مع احتفالنا بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو التي عبرت عن رفض الشعب المصرى القاطع والشامل لنظام الإخوان الفاشي نستعيد سيرة الغائب الحاضر عميد الرواية العربية وصاحب نوبل نجيب محفوظ الذي كان سابقا وسباقا في تشريح الشخصية الإخوانية وكشفها وفضح نواياها.. يكفى محفوظ أنه في بعض رواياته كشف فرحة الإخوان لنكسة يونيو وما أقسى وأصعب أن يفرح إنسان لهزيمة وطن ينتمى إليه.. فماذا كتب ؟! وماذا قال محفوظ في تناوله للإخوان في رواياته؟!، هذه السطور تحاول أن تجيب...

ولمست في حديثه مرارة لم أقف على سرها ولم يبح بها. كانت له قدرة على الاحتفاظ بأسراره ليست إلا لقلة نادرة من المصريين، وقلت له: بلغني أنك انضممت إلى الإخوان المسلمين؟

فابتسم ابتسامة غامضة وقال: أي مسلم عرضة لذلك

من المؤسف حقا أنك نبذت النقد الأدبي.

فضحك قائلا: يا لها من تمنيات جاهلية

هكذا تحدث نجيب محفوظ - وهو هنا الراوى المتكلم

- في روايته البديعة المرايا عن واحد من عتاة الإخوان .. رمز له باسم ( عبد الوهاب اسماعیل افرد له حكاية من حكايات شخصيات (المرايا) وقد خمن كثيرون - وكانت تخميناتهم صحيحة - أن محفوظ كان يقصد بشخصية عبد الوهاب اسماعيل واحدا من اشهر قادة الإخوان بل منظرهم الأشهر سيد قطب فقد قدمه في البداية كناقد ادبى ثم تناول تحولاته العنيفة نحو التطرف وختم حكايته بأنه قد مات أثر إصابته بطلق نارى مع قوات البوليس .. ونحن نعرف أن سيد قطب قد اعدم عام ١٩٦٥ لكن متى كان محفوظ يورد حياة ومصير الشخصيات التي قابلها في الواقع كما حدثت كلها بالفعل .. وقد قال لابنته هدى ذات يوم حين سألته أن كانت شخصية كمال عبد الجواد في الثلاثية هي شخصيته هو شخصي: الناس تقول هذا لأنهم يعتقدون أن الاديب يكتب قصة حياته.. لكن من الجائز أن الروائى يمكن أن يقابل شخصيات في الحياة يتناول بعض ملامح حياتهم لكن طبعا لابد وأن يعمل الخيال أومال يبقى أدب إزاي وبشكل عام تتشابه ملامح شخصية عبد الوهاب اسماعيل مع شخصية سيد قطب في الواقع تماما.

ملامح شخصية سيد قطب

محفوظ ومنذ شبابه الباكر وبداياته المبشرة في عالم الرواية كان يقف تماما على النقيض من فكرة الدولة الدينية ورفض مقابلة حسن البنا رفضا تاما .. وحين دعاه ناشر رواياته عبد الحميد جودة السحار للتعرف على الجماعة رفض أيضا بإصرار... أما علاقته بسيد قطب فيمكن وضعها فى سياق أنها كانت علاقة مبدع بناقد يحتفى بالمبدع وأعماله ويرى في صاحب هذه الأعمال مبدعا مغايرا واستثنائيا .. ومن المؤكد أن سيد قطب في بداياته لم يكن إخوانيا كاملا أو ربما كان يراوح طريقه ولم يقرر اختياراته بعد فقد كان يكتب عن الأدب ويشاهد السينما ويقيم الافلام والممثلين والمخرجين.. إذن فلماذا كتب محفوظ في تناوله الشخصية عبد الوهاب اسماعيل التي تمثل شخصية سيد قطب أن بذور تعصب اخواني كانت موجودة لديه بدليل أنه في نقاشه مع الراوي المتكلم رفض أن يكتب عن مبدع قبطى لأنه قبطى رغم اعترافه بجدارة إبداعه.. فى رأيى أن تقديم محفوظ الشخصية عبد الوهاب إسماعيل بهذا الشكل له وجهان. الأول هو اعمال خيال الروائى واضافاته الخاصة على الشخصية والثانى أن محفوظ رأى فعلا مواقف لقطب تؤكد على وجود ملمح وجانب التعصب الديني لديه لكنها لم تؤثر في مساره وتوجهه بشكل كامل الا بعدها بسنوات.

وعلى أي حال كانت شخصية عبد الوهاب إسماعيل في المرايا هى النموذج الإخوانى الأكثر وضوحا في روایات محفوظ هو متعصب جدا حدثت له تحولات عنيفة في مسار فكره وحياته.. انتهت حياته على خلفية صراعه ضد النظام.. وكلها محددات وملامحواضحة لشخصية سيد قطب في الواقع...

على أن محفوظ تناول شخصية الإخواني أو المتطرف دينيا في أعمال أخرى سابقة على المرايا ولاحقة لها .. ولعل أول هذه الأعمال كان في رواية القاهرة الجديدة وهى أولى روايات المرحلة الواقعية في أدب محفوظ من خلال شخصية مأمون رضوان هذا السلفى المتطرف الذي يرفع شعارات دينية صرفا والذي ينكر الأحزاب ولا يهتم بالقضية الوطنية ويقول دائما الله في السماء والإسلام على الأرض)... لكن هذه الشخصية في تناول محفوظ لها في القاهرة الجديدة لم تكن مؤثرة ولم يكن لها حضور قوى و تميزت بثقل الدم كما ذكر أحد أبطال الرواية (الأستاذ مأمون رضوان إمام الاسلام في عصرنا هذا.. وقديما ادخل عمرو بن العاص الإسلام في مصر بدهائه وغدا

يخرجه منها مأمون رضوان بثقل دمه).

أن هذه الرواية العظيمة التي أبدعها محفوظ في مرحلة مبكرة من حياته تناولت جانبا أساسيا من تركيبة المجتمع المصرى فيما بعد ثورة 19 من خلال ثلاثة طلاب محجوب عبد الدايم الذي يمثل البراجماتية والوصولية والانتهازية في أقصى وأقسى تجلياتها إلى درجة أنه يقبل أن يبيع شرفه من أجل المال والمنصب ثم شخصية على طه الذي يمثل الاشتراكية الطوباوية الباحث عن العدالة الاجتماعية والكفاية والذي يرى أن خلاص المجتمع هو في الاشتراكية والعلم.. وهو المناضل الثوري صاحب المبادئ والقيم الإنسانية الذي يحب زميلته الفقيرة احسان شحاتة التي تكفر بحبه نتيجة فقرها وتلتقى عند اقصى نقاط الانتهازية وبيع الشرف مع محجوب عبد الدايم ثم شخصية مأمون رضوان الأصولي السلفى المتطرف دينيا الذي يختلف مع على طه كثيرا... لكن محفوظ أظهر شخصية مأمون رضوان باهتة وضعيفة - ربما بقصد منه والى درجة أن صلاحأبو سيف استبعد شخصية مأمون رضوان تماما من فيلمه الرائع القاهرة ٣٠ المأخوذ عن رواية القاهرة الجديدة فلم نر هذه الشخصية في الفيلم.

شخصيات إخوانية

وإن لم يفصح محفوظ صراحة عن أن مأمون رضوان هو شخصية إخوانية لكنه في النهاية له نفس النهج والفكر وطريقة الحياة لكن محفوظ عاد ليتناول شخصية الإخواني صراحة في السكرية) آخر روايات ثلاثيته الشهيرة من خلال شخصية عبد المنعم شوكت حفيد السيد أحمد عبد الجواد من ابنته خديجة فعبد المنعم في السكرية انضم للإخوان وأطلق لحيته وعلى سبيل المثال حين يزور خاله كمال عبد الجواد يختار من بين مكتبته التي تضم كتبا كثيرة كتاب محاضرات في الاسلام) ويحضر عبد المنعم تلك الدروس الدينية التي يلقيها الشيخ الإخواني على المنوفي، ويصبح واحدا من كبار أتباعه.

ويستمر محفوظ في رسم شخصية عبد المنعم الإخوانية وتطورها حين يرد على سؤال سائل عن

الإخوان فيقول:

لسنا جمعية للتعليم والتهذيب فحسب، ولكننا تحاول فهم الإسلام كما خلقه الله، دينا ودنيا وشريعة ونظام حكم .

ويجعل محفوظ شخصية أحمد شوكت الشيوعي مقابلا لشخصية أخيه عبد المنعم لكن أحمد بالطبع كان أكثر انفتاحا وحضورًا عن شقيقه الإخواني ... ويدخل الشقيقان السجن.

والغريب أن المحفوظ ابن أخت يقول كثيرون إنه كان منضقا للإخوان المسلمين، وأنه كانت تربطه علاقة بسید قطب ولسنا ندرى صحة هذا الكلام على وجه اليقين..

في تلك المرحلة الممتدة من الأربعينات إلى الستينات ورغم تناول محفوظ الشخصية الإخواني في أعمال عديدة لكنها لم تكن ذات حضور واسع ولم تحتل تلك المساحة التي أفردها للشخصيات الوفدية والشيوعية التي كان حضورها واضحا وملحوظا في أعماله في تلك الفترة ربما لأن المجتمع المصري في الخمسينيات والستينيات بالذات كان منخرطا مع أيديولوجية الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ومعجبا بحركة الاهتمام بالصناعة وبالعمال والطبقات الفقيرة وهو مناخ لا يجد فيه الإخوان أنفسهم وقد انزووا في تلك

المرحلة ودخلوا السجون.

لكن منذ بداية السبعينات ومع تولى السادات حكم مصر ومحاولته ضرب التيارات الشيوعية والناصرية في الجامعات بالإخوان وبات من الواضحأن الإخوان بدأوا يكتسبون أرضا جديدة في الواقع المصري خاصة مع افراج السادات عن الكثيرين منهم ومن قياداتهم وخروجهم من السجون تناول محفوظ الشخصية الإخوانية بشكل أكثر تحررا... ففي روايته البديعة الباقي من الزمن ساعة) والتي أحاط فيها محفوظ بدفتر أحوال المصريين السياسي والاجتماعي منذ الملكية وحتى معاهدة كامب ديفيد من خلال أسرة حامد برهان وزوجته سنية المهدي...

تناول محفوظ شخصية إخوانية واضحة الملامحوالتوجهات من خلال محمد حامد برهان الابن خريج الحقوق .. هذا الإخواني بدأ حياته وقديا مثل والده الوفدي الصميم لكنه انضم بعد ذلك للإخوان ودخل السجن مرتين خرج منه بعد المرة الثانية وهو أشد كرها لعبد الناصر والثورة يوليو بعد أن فقد

إحدى عينيه وأصابه عرج خفيف.

و تظل شخصية محمد حامد برهان فاعلة في أحداث الرواية وتظل آراؤه في السياسة والمجتمع هي نفس اراء فصيله حتى اليوم

ودعا حامد برهان ابنه محمد إلى مقابلة عاجلة وكان على علم بما بينه وبين الفت، وقال له: ابعد عن الإخوان، حسبك ما أصابك نتيجة لانضمامك البريء إليهم!

كفاحهم بالفوز المبين؟ فقال محمد بدهشة: كيف أهجرهم بعد أن توج

فقال الأب كاظما غيظه ما هي إلا حركة بلا جذور شعبية فلا تعرض نفسك الغضب الشعب كما تعرضت سابقا لغضب الحكومة"

أما في روايته حديث الصباح والمساء فقد تناول محفوظ شخصية الإخواني بشكل مباشر صريحأيضا تمثل في شخصية سليم حسين قابيل الذي كان سعيدا بقيام ثورة يوليو لأنه اعتقد وتوهم أن الثورة ستتحالف مع الإخوان فلما تبين له العكس

انقلب على الثورة ورجالها وفرح حين حدثت نكسة يونيو.

وظن أنه بانضمامه إلى الإخوان إنما يندمج أكثر في الثورة، فلما وقع أول تناقض بين الثورة

والإخوان أبقاه قلبه مع الإخوان.

وقد حكم على سليم بالسجن عشر سنوات وخرج منه قبل نكسة يونيو بعام واحد، ولما حدثت النكسة فرح وقال إنها عقاب إلهى (ولما وقعت الهزيمة الكبرى اعتبرها عقابا إلهيا على حكم كافر)، ثم حقق نجاحًا في المحاماة وألف كتابين دينيين عنوان أحدهما باسم العصر الذهبي الإسلام، والآخر باسم أهل العزم والتقوى وأصبح سليم من كتاب الدعوة في مجلة الإخوان، ودهمه ما دهم زمرته من غضب المغامرة السادات الكبرى في سبيل السلام، وارتد مرة أخرى إلى عنفوان السخط والتمرد حتى صدرت قرارات سبتمبر ۱۹۸۱ وژمی به فى السجن من جديد ولما وقع حادث المنصة قال: عقاب إلهي لحكم كافر.

هكذا تناول محفوظ شخصية الإخواني في كثير من رواياته ولأنه حكيم زمانه وليس فقط عميد وعمدة الرواية العربية فإن الرجل لخص شخصية الإخواني كما رأها في أنه متعصب لرأيه .. عنيف في تحولاته ... يميل للصدام مع الآخرين.. يفرح الهزيمة الوطن من أعدائه طالما أنه في خصومة مع النظام.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

السابعة والخمسين
ابراهيم
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف
قطب
محمد محمد مستجاب يتحدث عن والده المبدع الاستثنائى الكبير
سيف
صلاح

المزيد من ثقافة

بالأرقام.. نقلة نوعية فى قطاع السياحة المصرية

تحت عنوان تنافس الوجهات السياحية في عصر التسويق الذكي"، تناول تقرير أخير صادر عن مركز دعم واتخاذ القرار، ما حققته...

ريحان: فوضى الفتاوى الدينية ساهمت فى انتشار عصابات الأثار الدولية

نجحت ثورة 30 يونيو في استعادة مصر من براثن الجماعة الأرهابية، وبفضل انتفاضة الملايين التى زلزت الميادين تم الحفاظ على...

الدكتور ممدوح الدماطى وزير الآثار الأسبق: فترة حكم الأخوان كان دمها «تقيل»

\يروى لنا الدكتور ممدوح الدماطى وزير الآثار الأسبق في حكومة إبراهيم محلب أهم القرارات التي اتخذها خلال فترة توليه الوزارة...

الدكتور محمد إبراهيم: توليت المسؤلية فى ظروف قاسية.. والتراث يحتاج لقوة تحميه

في ظل ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد تولى الدكتور محمد إبراهيم وزارة الآثار لأربع مرات في حكومات مختلفة ، كان شاهدا...