الغيرة تتغلغل بين نفوس البشر فى جميع المجتمعات والقرآن سرد لنا قصة غيرة أخوة يوسف منه
ربما لو حاولنا أن نتصور "وجه غيور" فإننا لن نجد سوى وجه غاضب، حزين أو خائف.. لذا لا يمكن توقع إيجاد مفهوما عاما محددا يصف بدقة مشاعر الغيرة، فهى شعور مهما بدت أسبابه معروفة بل ومعلنة فى بعض الحالات يبقى مختلطا متصفا بالغموض خاصا بكل إنسان ما يجعلنا نتساءل هل الغيرة عاطفة أساسية فى الحياة؟ أم أنها مجرد ردة فعل لغياب الحب وافتقاد الأمان تخفى فى الحقيقة طلب المساعدة و تطلب الانتباه والاهتمام؟ أم أنها صرخة تعلن التواجد و ضرورة إفساح الطريق؟
فى الحياة حين نصف عاطفة ما بأنها أساسية يجب أولا أن نحدد معيارا لذلك و هل هو لقوتها؟ أم شيوعها؟ أم لمدى مساهمتها فى حفظ البقاء؟ من هذا الباب حاول بعض العلماء فى السابق حصر العواطف الأساسية فذكر عالم النفس الأمريكى بول إيكمان مثلا سبعة عواطف منها الحزن، السعادة، الاندهاش، الازدراء، وقد وضع لانتخاب هذه العواطف دون غيرها شروطا خاصة وإشارات عالمية وجميعها تمتاز بالسرعة و التلقائية و لا إرادية و لم ير الغيرة تخضع فى مجملها لهذه الشروط، أما عالم النفس روبيرت بلتشك فقد شغلته مسألة العواطف الأساسية من الناحية التطورية.. لذا لم يذكر الغيرة ضمن ثمان عواطف اعتبرها أساسية كونها مع تطورها تتصل ببقاء الإنسان فيما اعتبر الغيرة بعيدة عن التطور بهذا الشكل و نظر إليها على أنها مشكلة متعلقة بالاقتران دائما مع الآخر.
ووفقا لهذا الإطار التحليلى لم توضع الغيرة ضمن العواطف الأساسية الإنسانية فظلت شعورا سيئا ينتاب الإنسان و يتحكم فى سلوك الأفراد أحيانا على نحو بسيط، وقد يتطور ليصبح مزعجا أو يسيطر كليا فيكون مرضيا يسبب المشاكل و فى ذروته يؤدى لكثير من الجرائم أو الانتحار.
اكتشاف الغيرة
لا شك أن مسألة الغيرة وأى كان مصدرها أساسيا فى الإنسان أو غير ذلك تبقى شعورا بشريا لدرجة أننا لسنا بحاجة لتأكيد ما إذا كان بعيدا عن أى منا كزائر ضل الطريق بل هو إحساس يختبره الناس على الأقل و لو مرة واحدة فى الحياة، وهو عميق فى النفس لمدى التصاقه بالأنا المكابرة و المتعالية بها، وأحيانا هو ترجمة لإظهار مدى قوة الذات.
ومن ناحية أخرى على الغيرة عند البعض هى انعكاس لظاهرة الملكية فى هذا العالم المادى، بحيث إذا نزعت هذه الظاهرة من الوجود انتزعت فكرة الغيرة من النفوس، وعلى ذلك ليس غريبا على مؤسس عالم التحليل النفسى فرويد أن يحلل موضوع الغيرة على أنها رغبة نفسية باطنية تحمل دلالة الميل للمنافسة والتفوق على الغير، غير أنها تحتاج دوما للتخفى وراء الإسقاط على أى عنصر خارجى و لهذا ففى أطروحته العلمية بهذا الخصوص يصف فرويد الغيرة بكونها ممارسة غير واعية تنتظر فقط الأسباب لخروجها.
ومن وجهة نظر مختلفة تماما ترى الكاتبة سيمون دو بوفوار الغيرة على أنها إحدى نتاج الهيمنة الذكورية سواء المبكرة فى شخصية الأب أو فيما بعد فى شخصية أى شريك، و فى كتابها "الجنس الآخر" تصف بوفوار المشهد بدقة حيث ترجع موضوع الغيرة الى النظام الذكورى كمسئول عنها.. ذلك حين اعتقد الرجل أى كانت مرتبته بالنسبة للأنثى أنه مالكها الذى لا يجب أن تخرج من تحت عباءته، و كان السبيل لهذا هو تقييد حريتها من خلال إظهار الغيرة، أما الأنثى فحين أدركت عجزها أمام حقيقة اختلال توازن القوى ردت الأمر على الرجل برمى الكرة فى ملعبه فأخذت هى الأخرى تقيد حريته بوصفه المسئول عنها فأغرقته من ناحيتها ببحر الغيرة؛ و من هذه الزاوية يمكن اعتبار الغيرة ثمرة زرعها الرجل وراعتها النساء.
أما من منظور عالم الأنثروبولوجى جيرار بونوى فإن مشاعر الغيرة تبدأ بإدراك الإنسان لعدم قدرته على ضبط إحساسه بالضعف و الميل لإخفاء ذلك عن الآخرين، وحتى لا تنكشف حقيقة هشاشته النفسية ولإنكار ظهور مدى الخوف من تلك الحقيقة تقوم الذات بتحويل دورها من دور أساسى الى دور ثانوى تلعب به دور الضحية ليصبح المغار منه فى الواجهة والذى يوجه إليه اللوم و العتاب.
للغيرة جوانب أخرى
وفى الحقيقة فى الوقت الذى ترى فيه الغيرة على أنها ظاهرة عالمية لا تختلف من مكان لمكان فإن علم الاجتماع ينظر لها من مفهوم أوسع توضع فيه العوامل الاجتماعية كالتربية والتنشئة محل أعتبار قوى ومؤثر إلى حد كبير مع عدم تجاهل العوامل الثقافية لكل مجتمع حيث أظهرت الدراسات الاجتماعية أن فكرة الغيرة قد تختلف بالفعل من مجتمع لآخر باختلاف القيم الثقافية ما يؤثر بالتالى على تبنى المواقف وردود فعل الأشخاص، ومن ثم تغير طرق التعبير عن ذلك من محل لمحل.
ومع احتمالية تأثر مشاعر الغيرة ظرفيا بالمكان فإن هذا لم يلغ حقيقة تحول النظرة إليها فى العديد من المجتمعات حيث ترصد الأبحاث تغير وجهات نظر الناس حولها فى كثير من المراحل الزمنية، فعلى حين تعاطف الكثيرين مع حالات الغيرة مثلا قبل أربعينات القرن الماضى واعتبروها شعورا إيجابيا مبررا فإن بحلول الستينات و السبعينات من نفس القرن تغيرت هذه النظرة فاعتبرت الغيرة إحساسا غير عقلانى بل ومخزٍ ولا يدعو للفخر به، غير أن فى الممارسة المعاصرة عادت الغيرة لوضعها الطبيعى و بات ينظر إليها على أنها مشكلة حقيقية لها أسبابها وأبعادها وكذا دلالاتها المختلفة، وعاد قبولها على أنها ردة فعل قوية لها مراحلها العمرية التى تمر بها و تتباين فيها، ولكنها تبقى صرخة أحيانا مدوية تهدد العلاقات الإنسانية و السلام المجتمعى.
تاريخ الغيرة
فى الغالب أخذ العامة مسألة الغيرة على أنها مشكلة إنسانية خلقت من رحم فكرة التدافع البشرى على الأرض إلا أن الحقيقة تكشف أن للمشكلة وجهها المتجذر زمنيا إلى أبعد من هذا بكثير حيث بدأت خيوطها الأساسية فى السماء حين حنق طاووس الملائكة آنذاك على هذا المخلوق الذى خلقه الله من طين ثم أمر جميع الملائكة بالسجود له، لكن مشاعر الغيرة هنا تعلن عن أولى مراحل ظهورها فالملك المقرب المخلوق من نار قد غار من المكانة العالية التى أخذها ذاك المخلوق عند ربه فأبى السجود وأعلن التمرد والعصيان ليتطور الأمر إلى محاولات الغواية بالوسوسة لتنهى القصة بالسماء بأنظار أبليس إلى يوم البعث و قبول توبة آدم و حواء مع نزولهما الأرض.. غير أن هذا الباب لم يغلق عند هذا الحد فمن الغيرة فى الملأ الأعلى امتدت أيادى الشيطان وذريته إلى جنس بنى آدم كله لتستمر الحكاية على وجه البسيطة وتحمل دوافع عديدة كان أولها دافع البقاء وحماية العلاقات الى أن تحولت إلى مشاعر مختلطة مضطربة وقاسية مع الزمن فأمست تعنى الكثير من معانى حب التملك وأحكام السيطرة، والاقوى أنها باتت تدل على مدى الخواء النفسى عند البشر.
وربما تأخر الوقت طويلا على البشرية لتتدارك جذور المشكلة، لكن العلوم الإنسانية حديثا انشغلت على نحو ما باستقراء التجربة الانسانية التى تخص مسألة الغيرة فعادت زمنيا للوراء لتقديم صورة أكثر اكتمالا ونضجا لما مرت به المجتمعات فكان نتاجا لها حتى أصبحت الغيرة عنوانا رئيسيا لتواريخ تفسر الحاضر فى ضوء الماضى؛ و من هنا ربما يأتى التفسير الفردى فى المقدمة حيث حظى تاريخيا أصحاب القوة والنفوذ والسلطة بقدر وفير من لفت النظر والإعجاب ما تسبب نوعا ما فى استحكام فكرة الغيرة التى يظللها الحسد كفكرة مركزية تبرر العديد ليس فقط من أفعال البشر بل تفسر الكثير من الأحداث العظيمة التى وقعت فى التاريخ الإنسانى.
وهذا الاستنباط لم يأت من فراغ فقد سطرت الكتب السماوية كيف سيطر شعور الغيرة على الإنسان مبكرا جدا من خلال سرد سفر التكوين لحادثة الغيرة التى كانت سببا فى نشأة الخلاف بين ولدى آدم قابيل و هابيل ما أودى بحياة أحدهما على يد الآخر كأول جريمة فى التاريخ.
وربما من البحث فى فكرة العدل والمساواة و محاولة إعادة الحق لأصحابه بشتى الطرق تشكل معنى الاعتراض على المحاباة والتفضيل فكانت خيوط الملحمة الثانية التى تذكرها النصوص الدينية وأساسها كانت فكرة الغيرة.. هذه المرة شبت بين أبناء يعقوب عندما احتل فيها يوسف المكانة الأكبر فى قلب أبيه ما أوغر صدر باقى الأخوة و اعتبروا استمرار وجوده مهددا لوجودهم و اهتمام أبيهم بهم ما قاد سير الأحداث إلى ما هو مأسوى حتى انتهت القصة بتحقيق حلم يوسف وتوبة الأخوة و الصلح بين الجميع.
ولا شك أن الوحى الإلهى قد اعتبر الغيرة أصل كثير من الشرور، و لهذا أفسح فى الكتب المقدسة رواية أكثر من قصة تدور حولها ولكل منها سببا ودلالة مختلفة على سبيل التأكيد، منها قصة أخرى لغيرة الملك اليهودى الأول شاؤول الذى يسميه القرآن الكريم طالوت من النبى داوود حيث يشرح بجلاء سفر صموئيل تلك العلاقة المتوترة بين الاثنين و التى بدأت بغيرة طالوت من داوود و رغبته فى التخلص منه بعد رؤيته لكبر مجده و امتداد نجاحه لتنتهى الحكاية بهزيمة و قتل داوود لطالوت بعد معركة حامية و جلوسه على العرش خلفا له.
وإذا كان هذا هو الحال بين أبناء الرسل والأنبياء فطبيعى أن نرى الغيرة تغلغل بين عامة البشر فى جميع المجتمعات، ومن المعروف أنه لا يوجد مجتمعا يعد مثالا للاعتداد بفكرة الغيرة أكثر من المجتمع العربى.. لذا أصبحت الغيرة محورا هاما فى قصصهم و ملاحمهم الشعبية، وهى ملمح أساسى من ملامح فخرهم، وربما هناك من الأدلة على ذلك الكثير منها ما يذكره المؤرخون عن عادة ذميمة لديهم وهى وأد البنات وقد أرجعوها لخوف العرب المبالغ فيه على شرفهم وإمكانية سبى البنات بعد المعارك الضارية بين القبائل وهجمات قطاع الطرق.
ولا شك أن بالرجوع إلى أقوى قصص الحروب العربية الطويلة و الأكثر دموية ما ترويه كتب التاريخ عن حرب البسوس التى لا تزال مضربا للأمثال على الرعونة وعدم الحكمة و كان السبب الأساسى من ورائها غيرة قبيلتى التعلبى والبكرى من بعضهما البعض و التسابق بينهما على الزعامة، و على حين يرصد الرواة أكثر من سبب موضوعى لنشوب هذه الحرب إلا أن الثقافة العربية الشعبية التى اعتادت تخزين الموروث عبر سرد الحكايا لم تجد وعاء سوى الغيرة يصلح أن يكون مناسبا كسبب لبداية تلك الحرب.
وفى كتابه "المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام" يشرح الكاتب جواد على أن ملامح الغيرة هى ما كانت السبب وراء امتناع كبار مشركى و كفار قريش عن الدخول فى الإسلام، رغم اعتقادهم الأكيد فيما جاء به النبى "محمد صل الله عليه وسلم"، وذلك نكران منهم للشرف الذى ناله بنو عبد مناف على غيرهم من العائلات الكبيرة، كما يذكر شمس الدين الذهبى فى كتابه "سير أعلام النبلاء" أن سبب ضغينة ابن سلول الملقب فى الإسلام بالمنافق هو غيرته أيضا من زعامة الرسول "صل الله عليه وسلم" بعد أن كان ينتظر من قومه لقب الزعامة.
وعل هذا بعض من كل لما يمكن أن يُرصد حول كثير من التواريخ التى تتطرق لمسألة الغيرة فدق تفاصيلها ما يفسر أكثر الأحداث حين التدقيق بها.
الغيرة حجر يحرك مياه الأدب
لا يمكن القول بأن هناك تيمة عالمية تعد محركا دراميا فى النصوص الأدبية أكثر من تيمة الغيرة فقوتها و عمقها ومدى تأثيرها أشبه بحجر يقذف به فى المياه ليحركها، وفى الأدب هى أكثر الينابيع التى يستقى منه الصراع الإنسانى فى أبسطه كالخوف من الفقد، وأكبره الذى يعكس اختلال موازين القوى و حب السيطرة، لذا تعد الغيرة من أقدم التيمات الأدبية بوصفها شعورا قادرا على التدفق و الغليان وبلوغ ذروة الأحداث، و تصلح دافعا للجنون والانتقام.
وفى الحقيقة يظل الأدب هو خير ما عبر عن طبيعة الغيرة حين استمدت أساس هذا من حكايات الأساطير التى أبرزت الصراع بين الآلهة و أظهرتها على أنها يمكن أن تحب وتعشق و تحارب وتقاتل بسبب الغيرة كاشفة بذلك تشابك العلاقات حتى فى هذا العالم العلوى من وجهة نظر البشر؛ وفى الأدب الكلاسيكى تعد مسرحية عطيل أيقونة الأعمال الأدبية التى رصدت فكرة الغيرة حيث صور شكسبير تمادى البطل فى شكه إلى أن قتل محبوبته ديدمونة، و هى الجريمة الأشهر أدبيا و تختفى فى العموم تحت عنوان جرائم الثأر للشرف.
أما الرواية المعاصرة فلم تغب عنها تلك التيمة موغلة القدم كدليل على استمرارية بقاء الفكرة، وهو ما عبرت عنه فاليرى تريرويلر فى روايتها "أشكرك على هذه اللحظة" التى تعتبر أهم رواية فى العصر الحديث.. تتناول موضوع الغيرة ما يعبر على أن الزمن لم يفقد تلك التيمة حيويتها، و مرجعية ذلك تعود إلى مقولة أن الحياة ليست عادلة وأن هناك دائما من يمتلك ما حرم منه الآخرين، ومن أجل ذلك تستمر الغيرة كجوهرة للمظالم، ومظهر خارجى قد يخرج الكثيرون من دوائر الحب والتقدير و الاحترام رغم كونهم فى الأصل مجرد ضحايا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...
أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة
«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر