محمد توفيق: قصة التعليم أكثر رحلة بحث متعبة فى حياتى

بدأت تأليف «ضد المنطق» منذ 19 سنة وصدر مؤخرًا الاحتلال الإنجليزى وراء انتشار الغش فى الامتحانات الكتاب يرصد تحولات التعليم المصرى منذ محمد على إلى امبراطور الفيزياء

إذا أردت أن تبنى وطنا فعليك أن تبدأ بالتعليم.. هكذا عبر الكاتب الصحفى محمد توفيق عن أهمية التعليم فى حياتنا في مقدمة كتابه "ضد المنطق" الذي صدر حديثا، ويرصد فيه قصة التعليم المصرى من محمد على باشا إلى إمبراطور الفيزياء. ويعد هذا الكتاب بمثابة رحلة لتتبع أثر التعليم فى حياة المصريين على مدى قرنين من الزمان، يفتح من خلالها المؤلف خزانة الأسرار المسكوت عنها بأسلوب يمزحبين التوثيق الأرشيفى الدقيق والسخرية.. توقفنا مع الكاتب الصحفى محمد توفيق لنقترب من كتابه وأهم ما يحتويه، فكان لنا معه هذا الحوار.

لماذا قررت أن يكون محور كتابك الجديد عن التعليم؟

هذا الكتاب أفكر في كتابته منذ ١٩ عاما بالتحديد منذ مارس ۲۰۰۷، عندما كنت محرر تعليم. كان يشغلني كيف يمكن أن أقدم كتابا جديدا عن التعليم، لأن الكتب الخاصة بالتعليم إما لأساتذة متخصصين في كلية التربية، أو كتب من القرن الـ ۱۹، وهذه كتب بالمناسبة في منتهى الأهمية، لكن كان يهمني تقديم كتاب بشكل عصري يناسب الشباب في الجامعة، والأصغر في السن، بالإضافة إلى الكبار والمهتمين. وهذه كانت مسألة محيرة لي. لذلك، استغرقت سنوات طويلة في تجميع المادة والتفكير في الجديد الذي يمكن تقديمه، إلى أن توصلت إلى فكرة عنوان الكتاب "ضد المنطق".

ولماذا كان عنوان الكتاب ضد المنطق ؟

الدي عادة، وهي عندما أبدأ كتابا بشكل عملى أضع حوالي ٥٠ عنوانا له، ثم انقحهم حتى يصلوا مثلا إلى ٥ عناوين، إلى أن استقر الأمر بي عند ضد المنطق"، ورأيته أكثر عنوان معبر عن قصة التعليم في مصر من محمد على باشا إلى إمبراطور الفيزياء، عندما نستعرض تاريخ التعليم كله سنجد أن أكثر كلمة سنرددها أن ما يحدث ضد المنطق.

كيف كانت رحلة البحث أثناء تأليف الكتاب؟

كانت أكثر رحلة بحث متعبة في حياتي، واجهت فيها إجهادا غير طبيعي، فقد ألقيت بنفسي في بحر من المعلومات، بين المراجع التاريخية النادرة في مكتبة الإسكندرية، وتصفح الميكروفيلم في دار الكتب ومطالعة أوامر ومكاتبات محمد على باشا، والتنقيب في أرشيف الصحف المصرية على مدار قرن ونصف والعثور على الوثائق المنسية، وتأمل صور التلاميذ في النصف الأول من القرن العشرين، والتدقيق في الشهادات الدراسية، ومراجعة عقود تعيين المدرسين المصريين والأجانب، والوصول إلى المذكرات المجهولة واصطياد الأوراق القديمة التي تروى حكايات جديدة ومقابلة أساتذة وطلاب، وخبراء. من ضمن الوثائق التي عثرت عليها، وثيقة دروس خصوصية، فكان قديما من أجل الحصول على درس خصوصي لابد أن يوضحالمدرس أين سيكون الدرس ولمن ومتى، ومن المهم جدا أن يكون المدرس الخصوصي غير مدرس الفصل، حتى لا يحدث تضارب في مصلحة الطالب، كما تتبعت رحلة الشهادات الدراسية على مدار أكثر من مئة سنة، كيف كان شكلها، وهذه وثائق شديدة الندرة. ويتتبع الكتاب تطور الشهادة الدراسية على مدار أكثر من قرن: تغير حجمها، ولغتها، وزخارفها، ومكانتها، بالتوازي مع تغير نظرة المجتمع إلى حاملها، وبالمناسبة، شكل الشهادة الكبيرة قديما كان عظيما جدا من خلال الكتاب بحثت في مصادر شديدة الندرة، لذلك كانت رحلة البحث طويلة ومجهدة للغاية.

بعد رحلة البحث التي قمت بها كيف تقيم رؤية محمد على باشا في التعليم؟

محمد على كان عنده رؤية مهمة في التعليم. ببساطة، أهم نتاج لرؤية محمد على في التعليم هو رفاعة الطهطاوي، فهو النتاج الحقيقي لفكرة التعليم التي تتمنى طوال الوقت وجودها في مصر. فالتعليم هو التغير الذي يطرأ على حياتك، ويبدلها من حال إلى حال. هذه الرؤية تبلاها محمد على باشا في مطلع القرن التاسع عشر، فقرر أن يستثمر في التوابع من المتعلمين، ليقودوا البلد في كل المجالات من الجيش إلى مدرسة الألسن ومن الهندسة إلى المزرعة، ومن الطباعة إلى التجارة، ومن الطب إلى المصنع.

الكتاب تطرق إلى موضوعات مثل تاريخ الغش في الامتحانات.. فكيف بدأت قصته؟

قصة الغش في الامتحانات من أصعب القصص في كتابتها، لأنها ليس لها مرجع، فمن الطبيعي أن نجد مراجع في تاريخ المتفوقين، لكن تاريخ الغشاشين ليس له مرجع يمكن العودة له، أو تجد إجابات عن أسئلة مثل: كيف بدأ الغش ومتى؟ لذلك كان الأمر مجهدا جدا، سواء في البحث عنه أو في اختصاره واختزاله، لأن هناك العديد من الحكايات المتعلقة بقصة الغش، ولا أبالغ عندما أقول إنه يمكن عمل کتاب مستقل عن قصص الغش في تاريخ مصر على مدار مائة سنة، لكن من المؤكد أن فكرة الغش نفسها كانت مرتبطة بظهور الامتحان الموحد بصورته المرعبة المخيفة التي طبقها الاحتلال الانجليزي في مصر. فكرة الرعب هي التي ولدت الغش، وولدت بعد ذلك أمورا كثيرة، مثل الدروس الخصوصية، فالامتحان الموحد الذي وضعه الاحتلال الإنجليزي كان هدفه ألا يسير التلاميذ المصريين المقبلين على التعليم بشكل عظيم من على نهج رفاعة الطهطاوى وعلى باشا مبارك، فكان هدف الاحتلال أن يكره المصريون التعليم، ومن هنا ظهرت فكرة الفش.

في الكتاب إشارة إلى علاقة الفنانة عبلة كامل بالغش. فما طبيعة هذه العلاقة؟

خلال رحلة البحث اكتشفت أن مشهد الفنانة عبلة كامل فى فيلم "اللمبي"، وهى تمسك بالميكروفون حتى تغشش ابنها، ليس مشهدا خياليا من وحى خيال الكاتب لكنه حدث بالفعل في الشرقية عام ١٩٨٧، حين قرر أب أن يمسك ميكروفونا أمام المدرسة حتى يغشش أولاده. وبعد عرض "اللمبي"، حصل هجوم شديد على الفيلم يدعوى أنه يعلم الناس الغش مع أنه مشهد سينمائي له أصل واقعي، فالواقع كان أسبق من عبلة كامل ومن خيال المؤلف.

دعنا ننتقل معك إلى منطقة أخرى تناولتها في الكتاب وهى تسريب الامتحانات.. فكيف بدأ وما أسبابه؟

موضوع تسريب الامتحانات كان بالنسبة لي غريبا جدا. التسريب طوال الوقت مرتبط في أذهاننا بأنه نادر جدا وحصل في السنوات الأخيرة فقط. لكن بالبحث والتأني والرجوع للأرشيف، فالتسريب حدث لأول مرة سنة ستين، وتكرر مرات عديدة ولم يتم اكتشافه.

وماذا عن الثانوية العامة في الكتاب؟

توقفت في الكتاب طويلا أمام الثانوية العامة، بوصفها أكثر المراحل التعليمية حضورًا في الوعي الجمعي: لماذا سميت بهذا الاسم؟ كيف تحولت إلى معركة مصير»؟ ولماذا صارت نتيجتها حدثا أمنيا واجتماعيا؟ وتحولها من التجهيزية في عصر محمد على، إلى البكالوريا، ثم التوجيهية، ويرصد الكتاب تغير عدد سنواتها، وظهور نظام الأدبى والعلمى، ثم فكرة الشعب، وما ترتب عليه من اختلالات، وصولا إلى تغير نسب النجاح منذ ١٩٥٣ وظهور نظام التحسين الذي أوصل المجاميع إلى ١٠٥.

هل تفكر أن يكون هناك جزء ثان من الكتاب؟

إن شاء الله سيكون هناك جزء ثان، لكن لا أعلم متى سانتهى منه، وسيتضمن الإجابة عن بعض الأسئلة، مثل: كيف ظهرت فكرة "الإنترفيو" في مدارس مصر؟ وكيف تطورت السابلايز" على مدار ۲۰۰ سنة ؟ وأتمنى أن يكون الكتاب مرجعا جيدا للمتخصصين وغير المتخصصين وطلبة المدارس.

 	سارة جمال

سارة جمال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!

تكريم مستحق من نقابة الصحفيين مها حافظ.. أم مثالية في يوم المرأة

كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...

يوسف إدريس.. 99 سنة على ميلاد العبقرى الذى وضع الملح على الجروح

وزارة الثقافة مطالبة باحتفالية كبرى فى ذكرى مئوية تشيكوف العرب الفقر والفقراء.. قضية محورية فى «العيب» و «الحرام» و «أرخص...

يا سيد العديسى.. هذى دنيانا الملفقة

وأنت لم تمت يا سيد لكنك قضمت قطعة من قلبي وصرت تلوكها على مهل، حتى بت أشعر بوخز أسنانك في...