محمد مظهر ودولت فهمى وعبد القادر شحاتة.. أبـطال مجهولون فى تاريخ الوطن

محسن عبد العزيز يكشف: عبد الناصر غضب بسبب ثمار اليوسفى فى بيت حسين الشافعى

عندما نقرأ التاريخ يمكننا أن نعرف ونفهم وندرك، وأن نحدد ما نريده للحاضر وللمستقبل. وفى التاريخ حكايات، وتفاصيل ولحظات صغيرة ربما لا يتوقف عندها الكثيرون، لكنها حكايات ولحظات كاشفة ومعبرة لا يدركها إلا من يجيد القراءة.. قراءة التاريخ،وقد أمسك زميلنا الكاتب الصحفى والروائى والقاص محسن عبد العزيز، رئيس القسم الثقافى بالأهرام، بكثير من هذه الحكايات فى كتابة الأحدث "صفحات من شرفة التاريخ"، الصادر عن سلسلة "اقرأ"، ليطوف بنا عبر حكايات من تاريخ مصر، وعبر فترات وأزمنة مختلفة، وعبر شخصيات حازت أضواء الشهرة والخلود، وشخصيات وارتها أكوام من غبار النسيان والتعتيم، رغم ما قدمت لهذا الوطن من بطولات، فبدا الكتاب وكأنه شرفة نطل منها على حكايات وأحداث ومواقف من تاريخنا الطويل.

استوقفنى الكتاب كثيرا حين بدأه مؤلفه بإطلالة كاشفة على ثلاث شخصيات غنموا من البطولة ومن القيمة ومن نبل المواقف الكثير، لكنهم لم يغنموا من الخلود ومن الحضور عبر الزمن، ومن معرفة الناس بهم شيئا ولو بسيطا، يمكن أن يوازى ما قدموا من تضحيات وبطولات.

ثلاث شخصيات مضيئة فى تاريخ الوطن حكى عنهم محسن عبد العزيز، امسك مصباحا مضيئا محاولا أن يبدد عنهم عتمة التجاهل والنسيان. أولهم اسمه محمد مظهر، كان لم يزل طالبا قاهريا حين مسه حب الوطن وكراهية المستعمر الغاصب، كان يتظاهر ضدهم دائما حتى وضعوه فى القائمة السوداء، وقرروا ألا يتوظف وألا يسافر لمدة خمسة أعوام، وحصل مظهر على البكالوريا بصعوبة فى ظل ملاحقة الإنجليز له، وبحث عن عمل فلم يجد إلا وظيفة مدرس بمدرسة أهلية بأسوان عام ٢٠١٧.

وحين اندلعت ثورة ١٩ كان مظهر حاضرا كعادته، وبعد أسبوع من اندلاع المظاهرات العارمة فى القاهرة فى ٩ مارس ١٩١٩، احتجاجا على القبض على سعد زغلول، قاد مظاهرات عارمة أخرى فى أسوان ضد الاحتلال والاستعمار، مظاهرات عنيفة أوجعت الإنجليز وقضت مضاجعهم، وشلت حركة حياتهم فى أقصى جنوب مصر، ليكون للثورة زخمها وحضورها فى الجنوب، كما فى الشمال تماما، وقبض على محمد مظهر وثلاثة من رفاقه، وحبسهم الإنجليز فى غرفة بمحطة سكة حديد أسوان ليوم واحد، ثم عقدوا لهم محاكمة عسكرية مدتها خمس دقائق بصالون القطار، ترأسها ضابط إنجليزى،  وضمت ضابطا هنديا وآخر سودانيا ومترجما سوريا، وحكموا عليهم بالإعدام رميا بالرصاص، وتم نقلهم إلى معتقل بالأقصر.

حين اقترب موعد تنفيذ الحكم، نقلوهم إلى أحد الفنادق، وقبل التنفيذ بساعات مات أحد الابطال واسمه عبد النبى جبالى،  واقتيد محمد مظهر ورفيقاه إلى ساحة الإعدام بشارع النيل، وتجمع أهالى الأقصر عند مكان الإعدام، ووضعت دوائر من الورق الأبيض على قلب كل بطل من الأبطال الثلاثة، كى يصوب الضابط الإنجليزى المكلف بتنفيذ حكم الإعدام رصاصاته القاتلة إلى صدور الأبطال المصريين الثلاثة، وقبل تنفيذ الإعدام بثوان، جاءت سيارة إنجليزية بسرعة جنونية، وهتف ضابط كان يستقلها موجها صوته بكل قوة لذلك الضابط الذى كان يتأهب لإطلاق الرصاص: قف قف، لقد ألغى حكم الإعدام، وجاء الخبر أن الحكومة المصرية اتفقت مع القوات البريطانية المحتلة على إلغاء أحكام المجالس العسكرية.

بعد الواقعة بشهرين، أعيدت محاكمة محمد مظهر وتبرئته، وعاد إلى القاهرة وعاش بعدها سنوات طويلة، ثم زار أسوان عام ١٩٤٤ والتقى رفاقه القدامى، وكتب مذكراته عام ١٩٦٣ بعنوان مذكرات سجين ثورة ١٩١٩، وأرسلها للمؤرخ المعروف عبد الرحمن الرافعى والمؤرخ الدكتور محمد أنيس، ولولاها ما عرفنا بطولته.

وفى مارس عام ١٩٦٩، وبمناسبة مرور خمسين عاما على انلاع ثورة ١٩، أعادت سلسة "اقرأ" نشر هذه المذكرات. قال الرجل كلمته ومضى. لكن، ترى كم مصريا الآن يعرف شيئا عن هذا البطل الذى قدم روحه راضيا مرضيا من أجل الوطن، وأنقذته الأقدار قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام من قبل المستعمر بثوان معدودة؟

 دولت وعبد القادر.. والتنظيم السرى

حكاية البطولة الثانية التى يجب أن تخلد فى تاريخنا الوطنى،  هى حكاية بطولة دولت فهمى وعبد القادر شحاتة.. عبد القادر كان طالبا انضم للتنظيم السرى لثورة ١٩، وكان من مهام التنظيم أن يطارد الوزراء الذين يقبلون حقائب وزارية إبان ثورة ١٩، حتى لا يجد الإنجليز من يساعدهم فى تشكيل حكومات ورقية، ونجحت خطة الجهاز السرى نجاحا كبيرا، لدرجة أن رئيس الوزراء يوسف وهبة أسند ثلاث حقائب وزارية لوزير واحد، لأن أغلب من تحدث معهم بشأن الانضمام لوزارته كانوا يرفضون. وكان من ضمن القلة التى تعاونت مع وهبة الوزير محمد شفيق، وتم تكليف عبد القادر شحاتة بإلقاء قنبلة على موكبه، فانتظر موكب الوزير، لكنه لم يلق القنبلة، فقد كان يجلس إلى جوار الوزير طفلان، وانتظر عبد القادر لليوم الثانى وألقى القنبلة على موكب الوزير بالفعل، وفر هاربا، لكن البوليس ألقى القبض عليه، وكان اعتراف الشاب الصغير عبد القادر شحاتة يعنى كشف التنظيم السرى لثورة ١٩، بقيادة عبد الرحمن فهمى ومساعده أحمد ماهر، وحاول المحققون أن يعرفوا منه أين كان موجودا فى الليلة السابقة لحادث إلقاء القنبلة، وقد كان موجودا مع أحمد ماهر مساعد رئيس التنظيم.

وخوفا من أن يستسلم عبد القادر لتعذيب الإنجليز البشع، اهتدى التنظيم إلى حيلة ماكرة لكنها شديدة القسوة بالنسبة للطرف الآخر الذى وقع عليه الاختيار، ليقدم تضحية عظيمة للوطن، وكان هذا الطرف الآخر هو الفتاة الجميلة دولت فهمى،  ناظرة مدرسة الهلال الأحمر للبنات، وكانت تكبر عبد القادر بعامين فقط، أخبر التنظيم عبد القادر أن يقول إنه كان يبيت عند حبيبة وعشيقة له اسمها دولت فهمى،  ورغم أن المحقق وعد عبد القادر ألا يذيع سره، إلا أنه نكث بوعده وأمر بالقبض على دولت فهمى،  وذهبت دولت إلى سراى النيابة فى وجود عبد القادر، لتقول إن عبد القادر هو حبيبها وعشيقها، وأنه كان يبيت فى الليلة التى سبقت الحادث فى بيتها، ثم توجهت إليه متظاهرة بلهفتها وحزنها عليه، وهى تقول "لا تحاول أن تضيع نفسك لتنقذ سمعتى يا حبيبي"، وحكم على عبد القادر بالأشغال الشاقة المؤبدة.

ومن سوء حظ دولت أن كاتب النيابة الذى دون اعترافاتها الوهمية المختلقة، كان واحدا من أبناء قريتها بالمنيا، وأبلغ أهلها بما حدث، فاستدرجوها إلى القرية وسنوا خناجرهم وسكاكينهم ومزقوا جسدها الطاهر، دون أن يعرفوا أنها رمز للتضحية والفداء، وأنها واحدة من بطلات ثورة ١٩.

واستمر عبد القادر أربع سنوات فى السجن، ثم خرج بعد نجاح الوفد فى الفوز بالأغلبية البرلمانية وإصداره عفو شامل بالإفراج عن المسجونين السياسيين، ليبحث عن دولت فهمى التى أحبها فى سجنه وحلم أن يتزوجها، وذهب إلى قريتها ليعرف مصيرها، وأنكر شقيقها أن له اختا تدعى دولت إلى أن أخبره رجال التنظيم السرى بقتل أهلها لها، وأنها قدمت نفسها راضية مرضية من أجل قضية الوطن.

الحكاية رواها مصطفى أمين، وقد كتبها عبد القادر شحاتة فى مذكراته، كما كتب أيضا عن قصة تجنيده فى التنظيم السرى لثورة ١٩، وأن من جنده هو المناضل عبد الحى كبيرة، الذى كان له اسم حركى هو فهمى،  وقد نشرت المصور عام ٦٩ حكايته، حين نشرت تحقيقا فى الاحتفال بمرور خمسين عاما على ثورة ١٩ عن الجمعيات السرية لثورة ١٩.

تناول محسن عبد العزيز فى كتابه وقائع وأحداثا كثيرة أحاطت بثورة ١٩، وعن تيارها المتشدد ضد الاحتلال، ومن أجل الاستقلال بزعامة سعد زغلول وتلميذه مصطفى النحاس، وعن التيار المعتدل بزعامة عدلى يكن وأحمد لطفى السيد، والذى يميل للتفاوض مع الإنجليز، وكيف انحاز الشعب عن بكرته لسعد زغلول، وقد وضعنا المؤلف فى أجواء ثورة ١٩، وما تمخض عنها من مكتسبات حقيقية مثل دستور ٢٣، فعشنا مع الكتاب كثيرا من تفاصيلها.

كما تناول محسن عبد العزيز قضايا مهمة فى المسألة المصرية منذ ثورة عرابى،  و أورد أسئلة مهمة عن الثورة والإصلاح، وعن الثوار والمصلحين، وتحدث عن مفارقات لافتة منها مثلا أن محمد سلطان باشا كان واحدا ممن أظهروا ولاءهم لعرابى وثورته فى البداية، ثم سرعان ما انقلب عليه وساند الخديو والاحتلال، فكافأوه بالمناصب والأراضى.  أما الشيخ محمد عبده فقد كان إصلاحيا ينادى بالإصلاح، ثم انحاز بعدها للثورة ولعرابى، وسجن بسبب موقفه الوطنى العظيم.

 غضب عبد الناصر

إذا كان من الطبيعى أن يتوقف قارئ كتاب محسن عبد العزيز عند حكايات لأبطال مجهولين فى تاريخ مصرنا العزيزة، فإن المؤلف يطوف بنا أيضا عبر حكايات كثيرة لزعماء مصريين سطروا تاريخا لا ينسى على أرض المحروسة، وإذا كان المؤلف قد أورد فصولا عن محاكمة محمد مظهر الشاب الثورى الذى لا يعرفه الكثيرون، وعن دولت فهمى شهيدة الشرف، وعن عبد القادر شحاتة ذلك البطل الذى كان فى ضيافة الموت، فإنه أفرد أيضا فصولا عن مشاهير وزعماء مصريين، مثل سعد زغلول الذى قدم المؤلف بانوراما شاملة لرحلة كفاحه وزعامته، منذ أن كان محاميا إلى أن أصبح قاضيا فوزيرًا، فزعيما خالدا قاد ثورة عظيمة ضد الاحتلال الإنجليزى،  و أورد المؤلف كثيرا من حكايات البطولة، وكذلك من رحلة سعد زغلول وتزعمه للثورة تحت عنوان (سعد زغلول.. ومكر التاريخ)، ثم عرج أيضا إلى أيام ثورة يوليو بحديث وحكايات عن جمال عبد الناصر، منها ما كان فى صغره عندما اشترك وهو طالب بالإسكندرية فى مظاهرة عنيفة ضد الإنجليز، ثم انتقاله إلى القاهرة للالتحاق بمدارس النهضة، وبداية تشكل أفكاره التقدمية والتحررية فى تلك المرحلة المبكرة من حياته، وصولا إلى ثورة يوليو، ووصول عبد الناصر إلى موقعه كرئيس وزعيم تاريخى.

ويورد المــؤلف حكــاية الــمــواجهة الـتى حدثت بين عبد الناصر وخالد محمد خالد حول الحرية والديمقراطية، وفيها تحلى خالد محمد خالد بشجاعة الزعيم، وتخلى عبد الناصر بثقافة الكاتب. و أورد المؤلف وقائع المواجهة، وخالد يطالب بالحرية والديمقراطية، وعبد الناصر يركز على أهمية العدالة الاجتماعية، دون أن يضيق بخالد محمد خالد.

كما يورد المؤلف أيضا حكاية كاشفة من أواخر عصر عبد الناصر، فى أغسطس عام ١٩٦٩، حكاها سعيد الكفراوى فى كتابه "حكايات من دفتر الأحوال"، تقول إن الأديب فؤاد قنديل كان يعمل باستديو مصر، وأن أحد الضباط كان مسئولا عن الاستديو واصطحب معه قنديل إلى منزل حسين الشافعى،  نائب رئيس الجمهورية، وكان يجلس معه سيد مرعى وزير الزراعة آنذاك، وانضم فؤاد قنديل والضابط إلى الجلسة، وكانوا يأكلون ثمار اليوسفى، وفجأة دخل عبد الناصر وأمسك بيده ثمرة يوسفى،  ووجه حديثه لسيد مرعى قائلا: "كويس يا سيد إنكم بتطلعوا ثمار الشتاء فى الصيف"، فانبرى الشافعى قائلا "يا ريس ده قفص جاى على طائرة حالا من فرنسا"، فظهر الغضب الشديد على وجه ناصر، وتحول لون عينه إلى لون الدم، وخرج مسرعا وأرسل حسين الشافعى سائقه فى أثره، لكنه عاد وقال لهم إن عبد الناصر كان يقول "خونة وجبناء يجيبوا فاكهة من فرنسا والبلد غرقانة فى الهزيمة".

هكذا يقدم محسن عبد العزيز فى كتابه صفحات من التاريخ، لحظات كاشفة، ومواقف وأحداث وحكايات أغلبها من عصور الملكية وعبد الناصر والسادات ومبارك، كما خصص صفحات للحديث عن نصر أكتوبر المجيد، وما أحدثه من تداعيات خطيرة فى إسرائيل، وعن لجنة "إجرانات"، كما يطوف بنا أيضا عبر مواقف وأحداث فى مؤسسة الأهرام العريقة، وكيف تعتبر ديوانا للحياة، أحداث كان بطلها هيكل، وغيره كثيرون من كتاب ومسئولى الأهرام.

ويمكننا أن نستخلص كثيرا من العبر، وأن نعيش حالة من التأمل ونحن نطالع هذه الصفحات التى كانت إطلالة من شرفة التاريخ، ويبقى أن إعادة اكتشاف هؤلاء الأبطال المجهولين الذين تناول محسن عبد العزيز حكاياتهم وبطولاتهم، وألقى الضوء عليهم، هى أهم وأبدع ما جاء فى الكتاب.

 	 محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حسين رشدى باشا.. مهندس دستور 1923 وصديق منيرة المهدية المقرّب
ابراهيم
منير كنعان الرسام الوحيد الذى كتب هيــكل مقـدمـة لكتابـة
رخا
رخا
مصطفى

المزيد من ثقافة

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...

دعاء إبراهيم: أكتب لأفهم نفسى والآخرين

اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م