«محمد سعيد باشا» أهدى مشروع قناة السويــس لصديق طفولته «ديليسبس»

شخصيات لها تاريخ «80» تولى حكم مصر بموجب فرمان 1841 واستدعى فردينان ديليسبس صديق طفولته ومنحه امتياز حفر قناة السويس أرسل كتيبة من الجيش المصرى للقتال فى المكسيك إلى جانب الجيش الفرنسى مجاملة لـ «نابليون الثالث» منح المصريين حق امتلاك الأراضى الزراعية وتوريثها.. وأمر بتجنيد أبناء عُمَد وشيوخ القرى فى الجيش المصرى مع ترقيتهم لرُتب الضباط

لا تتعجب ياعزيزى القارئ من هذا العنوان، لأن محمد سعيد بــــــــاشا والى مصر، أعطـــــى امتياز حفــــر قناة الـــــســـــويــــــس لصــــديق طفــــولته فردينان ديــليسبــس، ابـــن نـــائـــب القنصــل الــــفـــرنسى فـــى الإسكنـــدرية، وكـــان ـ سعيــــــد بــــاشـــا ـ يعيــتش فى قصر القبّارى، لأنه كان يدرس العلوم العسكرية والبحرية، بأوامر والده محمد على باشا، ومنحه مهمة قيادة الأسطول المصرى، ولكن ما قام به ـ الوالى الشاب ـ هو ما أوقع مصر فى قبضة الاحتلال البريطانى فيما بعد، وجعل الشعب المصرى يدفع من دم أولاده ثمن استعادة سيادته على أرضه، وهذا الوالى كان غريب الأطوار، مرة ينحاز للمصريين، ومرة يفرط فى أراضيهم ويحارب قطاعات منهم، فهو الذى حارب البدو فى شمال الصعيد، وهو الذى منح الفلاحين فرصة امتلاك الأراضى وفرصة اللحاق بالقيادة العسكرية فى الجيش، وهو من منح الموظفين المتقاعدين رواتب التقاعد، وهو من رهن السيادة المصرية لدى الفرنسيين وهو المقترض الأول الذى سبق ـ الخديو إسماعيل ـ فى سباق الاستدانة من بنوك أوروبا..

فى سنوات الطفولة، درسنا تاريخ مصر الحديث، وقال لنا مدرس التاريخ إن ـ محمد سعيد باشا ـ باع امتياز قناة السويس بطبق "مكرونة" لصديقه الفرنسى ـ فردينان ديلسبس ـ وقال لنا إن الخديو إسماعيل ـ وهو أول من حمل لقب الخديو فى حكام مصرـ هو من استدان من بيوت المال الأوروبية، والحقيقة أن ـ سعيد باشا الوالى الأخير الذى لم يحمل لقب الخديوـ هو من بدأ مشروع الاستدانة من أوربا، وهو آخر الولاة الذين استفادوا من فرمان 1841 ومعاهدة لندن 1840 ـ لأن ابن شقيقه "إسماعيل بن إبراهيم بن محمدعلى" استطاع تعديل النص الوارد فى الفرمان السلطانى، ليجعل الحاكم المصرى من نسله وحده، لا نسل جده محمد على، وسعيد باشا هو الابن الأصغر للوالى محمد على باشا وسبقه إلى عرش مصر ـ عباس بن طوسون بن محمد على ـ وجاء إسماعيل من بعده وظل الحكم فى نسل إسماعيل حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952 التى قضت على سلطة فاروق بن فؤاد بن إسماعيل، وأعلنت الجمهورية فى العام 1953.

ومن مذكرات ـ نوبار باشا ـ رجل الإدارة الأرمنى الجنسية، الذى عمل مع ستة من حكام مصر من عائلة محمد على نقتطع هذه السطور التى تصور شخصية محمد سعيد باشا..

ـ دفع الفلاح ضرائبه دون الحاجة إلى اللجوء للتهديد بالعصا، لأن ارتفاع أسعار الحبوب، مكَّنه من الدفع من دون تأخير، ولم يعرف الشعب المصرى أوقاتاً أكثر سعـــادة مـــن تلك التى كان يعيشها، حيث أُبطِلت العصا ـ رمز الفراعنة ـ وكل من خلفوهم من أباطرة وسلاطين وبكوات ومماليك..

هذا ما هو إيجابى فى مسيرة ـ محمد سعيد باشا ـ رأينا أن نقدمه للقارئ، حتى لا يُظَنُ بنا الظلم وسوء الطويّة، لكن من ـ نوبار باشا ـ نعرف هذه الحكاية الدالة على اضطراب سلوك ـ الوالى سعيد باشا ـ الذى قرر أن يحارب العربان فى مصر الوسطى، بتحريض من أحد قادته، ولنقرأ من مذكرات نوبار باشا تفاصيل هذه الحرب:

ـ فور وصول ـ سعيد ـ للحكم سنحت له الفرصة لاستعراض مهاراته العسكرية، حيث قرر ـ لطيف باشاـ مفتش عام الصعيد، أن يفرض على ـ البدوـ تسليم أسلحتهم، وتقسيمهم إلى جماعات صغيرة، واشتراط حصولهم على تصاريح من شيوخ قبائلهم فى كل مرة يرغبون فيها فى السفر، واجتمع زعماء القبائل للتشاور، وأعلنوا أنهم إذا كان فى استطاعتهم إجبار رجال القبائل على تسليم أسلحتهم، فلن يكونوا قادرين على إلزام هؤلاء الرجال بالخضوع لنظام التصاريح الخاصة بالسفر، وأصر ـ لطيف باشا ـ على تنفيذ قراره، وسلم الأمر إلى ـ سعيد باشا ـ الذى أصرّ هو الآخر على تنفيذ القرار، وهدد شيوخ القبائل باستخدام القوة لإجبارهم على تنفيذ القرار، و قررـ سعيد باشا ـ القيام بحملة عسكرية ضد البدو، وسافر ومعه قوات الجيش من الإسكندرية وعبر الصحراء التى تفصل ـ البحيرة ـ عن الفيوم، وهناك لقى جماعة من البدو، فأمر بالقبض عليهم وتقييدهم من أيديهم بالحِبال فى فوهات المدافع، واجتمع شيوخ القبائل البدوية فى المنيا فور سماعهم الخبر، وخرجوا للقاء سعيد باشا والجيش، وجرى تبادُل إطلاق النار بين البدو وقوات الجيش، واستطاع ـ البدو ـ استدراج فريق من جنود الجيش إلى شونة غلال مهجورة، وكادوا يفتكون بهم، لولا تدخُّل شيوخ القبائل ومنعهم وقوع المذبحة، لأنهم كانوا يعرفون شخصية ـ سعيد باشا ـ ويعرفون أنه سوف يغيّر موقفه بعد فترة من الزمن ويقبل التصالح معهم، واستمرت حملة سعيد باشا ضد البدو لفترة ثم أصابه الملل فقرر إيقاف الحملة، وانتهى الصراع بترحيل قبيلة إلى ـ بنغازى ـ ونقل أقسام من قبيلة أخرى من المنيا إلى الغربية، ومنح المنقولين أرضاً يزرعونها بموجب قرار من سعيد باشا.

ويقول ـ نوبار باشا ـ فى مذكراته عن حملة سعيد باشا ضد البدو فى شمال الصعيد:

ـ قصّ علىّ أحد شيوخ البدو ـ بعد عدة أعوام مضت على الحملة السعيدية ـ قصة ظريفة، قال إن ـ سعيد باشا ـ ظن أن هناك هجوماً يُشنُّ عليه من قبائل البدو، ففر بفرسه، ومعه فرسان آخرون، ولم يتوقف حتى بلغ بحر يوسف، وشوهد وهو يلهث ويكاد العطش يقتله، وكان يشرب الماء بكفيّه واللهفة بادية على وجهه.

 جندى البحرية

كان محمد على يطمح ليكون إمبراطور الشرق، وكان يسخِّر كل موارد مصر البشرية لخدمة حلمه، ويسخِّر أولاده ليكونوا فى قلب هذا المشروع الكبير، فجعل من إبراهيم وطوسون قائدين عسكريين وحاربا فى بلاد الحجاز وبلاد الشام وبلاد اليونان، وجعل من ولده الأصغر ـ محمد سعيد ـ قائداً للأسطول المصرى البحرى، بعد أن درس علوم البحرية على أيدى معلمين متخصصين، ومن خلال قراءتنا لما كتبه المؤرخون عن طبيعة العلاقة بين الوالد الطموح ـ محمد على باشا ـ والولد الكسول ـ محمد سعيد باشا ـ عرفنا أن الوالد استقدم من فرنسا  ـ المسيو هوسار بك ـ لهدف وحيد هو تعليم ـ ولده ـ فنون البحرية، وبعد أن قطع شوطاُ فى الدراسة، عيّنه فى خدمة الأسطول برتبة ـ صاغ قول أغاسى ـ وهى رتبة عثمانية تعادل "الرائد" فى الوقت الحالى، وفى أواخر سنة 1833 أبحر ـ سعيد ـ مع حسن باشا الإسكندرانى وبعض وحدات الأسطول لتفقُّد الشواطئ السورية، وفـى يوم 4 نوفمبر 1834 عيَّن ـ محمد على ـ ابنه الأمير محمد سعيد بك معاوناً لسر عسكر وناظر البحرية المصرية ـ مصطفى مطوشى باشا، وأصدر إلى ولده هذا الأمر:

ـ حال وجوده بالدونانمة ـ الأسطول ـ يلزم الامتثال لأوامر مطوشى باشا، وعدم جلوسه إلا بأمره، وإجراء التعظيمات اللازمة إلى ـ سرعسكر ـ وقت المرور عليه رعايةً لمنصبه كما هو مأمول فيه، ومن البديهى حصول تعظيم سعادته من الباشا المشار إليه حال وجودهما خارج ـ الأسطول ـ حتى ينال بذلك شرف المُلك وتحصيل المعارف والآداب.

ومعنى هـــذا الأمـــر الذى أصدره ـ محمد على ـ إلى ولده ـ محمد سعيد ـ هو الالتزام بالقانون العسكرى واحترام قائد الأسطول داخل نطاق الخدمة وخارجها، ومما احتفظ به المؤرخون من مكاتبات محمد على وولده محمد سعيد هذه الرسالة الطريفة المكتوبة بلغة عربية قديمة:

ـ صار إلى مسموعى عدم التفاتك للدروس وميلك للراحة والرقاد ومعاشرة القبودانات القُدُم الذين لا يدرون شيئاً من الآداب، وتَرْك مجالسة من تكتسب منه مسلك الإنسانية، على أننا سبق أن نبهنا عليك بدوام الانتباه للدروس والسير بالمشى والحركة لعدم حصول السِّمَن، واللازم عليك الائتلاف بمن لهم معرفة بالأصول الجديدة العارفين بالحالة والوقت، والاهتمام بتعلم تلك الأصول حتى لا يقال إن محمد على سىء الخلق، وأن هذا السير ليس سير الآدمية، فلا تغيّر نشأتك الأصلية كما سبق لك النصح، وتعظيم كبرائك والتزام التواضع مصداقاً للحِكَم والأحاديث، وسأحضر إلى الإسكندرية لامتحانك أمام أحد المدرسين، فإذا ظهر عدم الالتفات للدروس وعدم إزالة ثُقل جسمك فرحمةً بحالك أُجرى تأديبك، بناء عليه يلزم أن تترك تلك الأدوار، والسير على مقتضى هذا على الدوام على الحركة وإتعاب جسمك والاقتداء بسير ـ فارس أفندى ـ والتطبّع بأخلاقه لاتصافه بحسنها، وعدم تناول الطعام معه لاستنكافه بدعة الشوكة والسكين لأنه صوفى فيلزم الإصغاء لهذه النصائح وترْك ما أنت عليه.

 إصلاحات سياسية

يعرف المؤرخون أن ـ محمد سعيد باشا ـ هو من ألغى "الجزية" التى كانت مفروضة على المسيحيين، وجعل الجميع يلتحقون بالجيش، مسلمين ومسيحيين، وهذا القرار له أهمية كبرى فى غرس مفهوم ـ الوطن والمواطنة ـ بدلاً عن مفهوم الرباط الدينى الذى كان سائداً فى ظل دولة الخلافة، ولكن فى مصر كانت الجزية ترسّخ فكرة الشقاق الاجتماعى والتباين بين أهل الديانتين، ومن الخطوات الإصلاحية التى غيّرت مسار الحياة فى المجتمع المصرى، السماح للفلاحين بتملك الأرض التى يزرعونها، وكانوا منذ عصر محمدعلى يزرعونها وفق نظام الانتفاع ولا يحق لهم التصرف فيها أو توريثها للورثة، وهذه الخطوة جعلت الفلاحين يشعرون بالانتماء للوطن، وكان محمد على فى ظل مشروعه الإمبراطورى قد قضى على كل آثار المماليك باعتبارهم القوة الوحيدة التى تشكل الخطر، فهم مسلحون، مقاتلون، يملكون الأطيان والفلاحين، وبدأ بإلغاء نظام الالتزام وأصبح هو المحتكر لكل شىء والمالك لكل الأطيان، يتصرف فيها كما يشاء، وكان رافضاً فكرة تجنيد الفلاحين المصريين، حتى لا تبور الأراضى الزراعية، واضطُر لتجنيدهم بعد فشله فى تجنيد السودانيين، أما ولده ـ سعيد ـ فقد أحب المصريين وقرر أن يجعلهم ضمن القيادة العليا للجيش حتى لا تكون القيادة قاصرة على الشراكسة وحدهم، وهنا نقرأ صفحات من مذكرات الزعيم الوطنى أحمد عرابى الذى أُلحق بالجيش فى زمن الوالى محمد سعيد باشا، بموجب قرار بتجنيد أبناء شيوخ القرى ورجال إدارتها مع منحهم حق الترقى إلى الرتب العليا..يقول أحمد عرابى فى مذكراته:

ـ تولى المرحوم سعيد باشا ولاية مصر فى 14شوال سنة 1270 هجرية، حيث أصدر أمره بانتظام أولاد عُمَد البلاد ومشايخها فى سلك العسكرية، حيث كان طلبى وإلحاقى بالعسكرية فى 15ربيع أول سنة 1271هجرية، وكان محمد سعيد باشا محباً لتقدم المصريين، فترقيت بالامتحانات أمام رجال العسكرية إلى رتبة ملازم ثانٍ، وإلى رتبة ملازم أول، ورتبة يوزباشى، ورتبة بكباشى ورتبة قائمقام وهى الرتبة التى لم يصل إليها أحد من قبل من العنصر المصرى، وكانت تلك المدة هى أيام صعودى وخلوّ فكرى من الأكدار الدنيوية، فقد كنتُ فيها عزيزاً مكرّماً عند حضرة محمد سعيد باشا، وكثيراً ما كان يُشركنى معه فى ترتيب المناورات الحربية وينيبنى عنه فى تلقينها إلى أكابر الضباط بحضرته وعلى مسمع منه رحمه الله تعالى.

وهذه السطور ـ المجتزأة من مذكرات الزعيم أحمد عرابى ـ تنطق بالمحبة والتقدير للوالى محمد سعيد باشا الذى كان يريد تقدم المصريين، ولكنه فى الوقت ذاته كانت تضحيته بالسيادة المصرية ومنح الفرنسيين هذا النفوذ الواسع الذى تجلّى فى موافقته على منح الشركة التى أسسها صديق طفولته الفرنسى فردينان ديليسبس وهو ابن نائب قنصل فرنسا فى الإسكندرية فى زمن طفولة سعيد وشريكه فى اللعب، وهو من استدعى ـ فردينان ديليسبس ـ عقب حصوله على فرمان السلطان العثمانى بتعيينه "الوالى" على مصر

وهذا الذى قام به ـ سعيد باشا ـ من إصلاح فى الجيش والزراعة بما يخدم مصالح المصريين، كانت له آثار أخرى ليست سيئة، فى ما يخص الإدارة والتشريع، ومن مثال ذلك أنه أعاد تنظيم الدواوين وجعلها فى وزارات أربع هى.. وزارة الداخلية وتولاها الأمير أحمد رفعت، وزارة المالية وتولاها الأمير مصطفى فاضل، وزارة الحربية كـــانت مــن نصيـــب الأميــــر محمد عبد الحليم، وزارة الخارجية وتولى أمورها أسطفان بك، وأعاد تنظيم القضاء،وانتزع من السلطان العثمانى حق تعيين ـ قاضى القضاة.

 التعليم الضائع

روى المؤرخون عن ـ الوالى محمد سعيد باشا ـ قوله الداعم لحكم الفرد المطلق، فهو كان يرى أن الأمة الجاهلة أسلس فى القيادة من الأمة المتعلمة، وهذه القناعة الاستبدادية جعلته يعبث بنظام التعليم الذى ضعف فى عهده مقارنة بعهد والده محمد على باشا، فألغى ديوان المدارس، وفى العام 1854 ألغى مدرسة المهندسخانة التى كان مقرها فى بولاق بالقاهرة، وألغيت مدرسة الطب التى كانت فى قصر العينى، وأنشأ مدرسة للقابلات، ومنح المدارس الأوربية حق التواجد على أرض مصر، وانخفض عدد الطلبة المبعوثين إلى أوربا، وفى الوقت ذاته اهتم بالتعليم العسكرى فأنشأ مدرسة حربية فى القلعة ـ السعيدية ـ التى أنشئت بجوار القناطر الخيرية، وأنشأ مدرسة أركان حرب، وكان اهتمامه بالجيش يفوق اهتمامه بالجوانب الأخرى، فبلغ عدد جنود الجيش فى عهده أربعة وستين ألف جندى، وهو رقم كبير مقارنة بما كان سائداً فى عهد والده وشقيقه إبراهيم باشا وعباس الأول ابن شقيقه طوسون الذى تولى قبله وظل فى الحكم حتى قُتِل فى قصر بنها.

 صديق الطفولة

الأمة المصرية، كانت ضحية المماليك والعثمانيين والنتيجة كانت مريرة، فالقيادة الشعبية المكونة من السيد عمر مكرم نقيب السادة الأشراف وعدد من التجار الكبار ورجال الدين من شيوخ الجامع الأزهر خسرت البلاد بسبب ميراث فكرى تمثل فى عبارة معناها أن الشعب المصرى لا يحكم نفسه، هو يعمل ويصلى ويزرع ويقلع والحكم بعيد عنه وجاء محمد على الجندى الألبانى وسرق الثورة الشعبية التى دفع الشعب المصرى ثمنها، فالشعب هو من تصدى للفرنسيين، وتصدى للسلطان العثمانى وعزل خورشيد باشا الوالى الذى حاول السلطان فرضه على الناس، وكان محمد على هو من فرضته القيادة الشعبية، وامتثل السلطان، وجلس محمد على على أريكة العرش وصفّى القيادة الشعبية، وجعل مصر مملكة له وحده وسعى لتأسيس إمبراطورية عربية تكون القاهرة عاصمتها ويكون هو أمبراطورها، وانتهت القصة بمعاهدة لندن وفرمان سلطانى صدر فى العام 1841 وكان سعيد باشا من الذين تولوا ولاية مصر بنصوص المعاهدة والفرمان السلطانى، وهذا ما جعله يستبد بالشئون السياسية والاقتصادية، فيمنح شركة صديق طفولته ـ فردينان ديليسبس حق حفر وإدارة قناة السويس، وحق استغلال الفلاحين فى حفر هذه القناة، وهنا يقول المؤرخ عبدالرحمن الرافعى:

ـ أسرف سعيد باشا فى التساهُل مع صديقه الفرنسى حتى أنه منح الشركة مزايا تجعلها تشارك الحكومة المصرية فى ملكية القناة.

وقال ديليسبس فى مذكراته ساخراً من سذاجة سعيد باشا ورجال حكمه:

ـ جمع سعيد باشا قواد جُنده وشاروهم فى الأمر، ولما كانوا على استعداد لتقدير من يجيد ركوب الخيل ويقفز بجواده على الحواجز والخنادق أكثر من استعدادهم لتقدير الرجل المثقف، انحازوا إلى جانبى ولما عرض عليهم ـ الباشا ـ تقريرى عن المشروع بادروا بالقول بأنه لا يصح أن يرفض طلب صديقه وكانت النتيجة أن منحنى الباشا ذلك الامتياز العظيم.

وقال المؤرخ الفرنسى مسيوكوشيرى عن امتياز حفر قناة السويس:

ـ إن بدء الارتباك والتدخل الأوربى فى شئون مصر يرجع إلى 1854 السنة التى منح فيها امتياز قناة السويس إلى ديليسبس.

ولن نستفيض فى تذكُّر ما جرى من بعد موافقة ـ سعيد باشا ـ ومنح صديق الطفولة الهدية التى أوقعت الشعب المصرى فى فخّ، لم يخرج منه إلا فى العام 1956، العام الذى شهد تأميم القناة قرار وطنى من الزعيم جمال عبدالناصر، ثم العدوان الثلاثى الذى تزعمته بريطانيا، واستهدفت منه استعادة قناة السويس بالقوة من أيدى الشعب المصرى وإعادة احتلال مصر، ولكن الإرادة السياسية الوطنية والإرادة الشعبية القوية قطعت الطريق على بريطانيا، واستعادت مصر قناة السويس، ومن عوائدها أنشأت السد العالى المشروع العملاق الذى أسهم فى زيادة الرقعة الزراعية، ومنح مصر فرصة لبناء قاعدة صناعية معتمدة على الطاقة الكهربية الناتجة عن هذا السد الذى أسهم الاتحاد السوفييتى فى بنائه بخبرات فنية متميزة فى مجال بناء السدود، ومازال هذا السد يمارس دوره فى حماية الأراضى المصرية من الفيضانات العالية والمنخفضة ويوفر الكهرباء أيضاً، ومن المهم أن يعرف القارئ أن ديليسبس هو من منح الجيش البريطانى حق استخدام المجرى المائى لقناة السويس، وسهّل مهمة بريطانيا وجعلها تحتل مصر عسكرياً فى العام 1882، ومن المهم أن يعرف القارئ العزيز أن ـ سعيدباشا ـ أرسل كتيبة من الجيش المصرى للقتال فى المكسيك بناء على رغبة صديقه نابليون الثالث ملك فرنسا، وهو الذى اقترض ثلاثة ملايين جنيه من بنك ـ فروهولنج ـ فى لندن بفائدة قدرها سبعة بالمائة وخسارة قدرها ثمانمائة ألف جنيه.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات