رخا يرتكب أغرب جريمة تزوير أضحكت الرئيس عبد الناصر

رسم بنت البلد بالملاية اللف أجمل من صوفيا لورين «15» سر عشقه لمصطفى أمين.. ولماذا اعتبر «الأربعاء» أسعد أيام حياته كان أول رسام يدخل السجن 4 سنوات بتهمة العيب فى الذات الملكية ظل يرسم ويُضحك الناس 60 سنة ثم مات مكتئبًا

فى العام 1933 صدرت جريدة "المشهور" بتمويل من عباس حليم، الأمير الثائر الذى تمرد على العائلة المالكة وقصورها وتقاليدها، فقرر أن ينضم للحركة العمالية المصرية ويتبنى قضاياها ويدافع عن حقوقها، وجعل من الجريدة الجديدة صوتها، واستعان رئيس تحريرها عمر عزمى بصديقه الرسام الشاب رخا، وأسند إليه مهمة الرسوم الكاريكاتيرية للجريدة الجديدة المتمردة.

فور صدور العدد الأول فوجئ رخا باستدعاء من النيابة، وتصور أنه مجرد تحقيق روتينى من قبيل "التكدير" الذى كانت تمارسه حكومة إسماعيل صدقى ضد الصحافة ومحاولاتها خنق حرية التعبير، لكن الذى حدث لم يخطر لرخا على بال، فقد فوجئ أنه متهم بالعيب فى الذات الملكية، وبصدور حكم بسجنه 4 سنوات، ليكون أول رسام كاريكاتير مصرى يدخل السجن!

(1)

قصة محاكمة رخا تصلح لأن تكون واحدة من مسرحيات العبث، لما حوته من وقائع لا تدخل العقل، والأقرب لها باب صدق أو لا تصدق، لذلك رأيت أن أنقلها على لسانه من خلال ما حكاه عنها، فقط قمت بتركيزها وعرضها فى نقاط سهلة القراءة والفهم، يقول رخا:

صدر العدد الأول من الجريدة وعلى غلافها رسمان لى: الأول يظهر فيه مدير شركة النقل الاحتكارية "ثور نكروفت" (المملوكة للاحتلال البريطانى) وهو يضرب أحد العمال بخنجر ويسيل دمه فيستغيث العامل، ورسمت شاويش – ملامحه تشبه صدقى باشا الذى كان رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية - وهو يمسك بالعامل المسكين قائلا: امشى قدامى على القسم علشان وسخت بدلة جناب الخواجة بدمك الزفر!

أما الرسم الثانى وكان بمناسبة رأس السنة الهجرية، ويظهر فيه صدقى باشا رئيس الوزراء، والوزراء وهم مربوطون بحبل فى حجر كبير يرمز للسنة التى انتهت..وطفلة صغيرة جميلة ترمز للعام الجديد وهى "ترفس" صدقى و وزراءه ليسقطوا فى هاوية سحيقة، وكتبت على الرسم تعليق "أمنية العام الجديد"!

بعد صدور الجريدة استدعتنى النيابة للتحقيق ومعى صديقى رئيس التحرير، بتهمة سب وقذف وإهانة الحكومة.. وقبل أن نذهب للنيابة اقترح رئيس التحرير أن نجهز عددين من المجلة من باب الاحتياط خشية أن تطول مدة القبض علينا، وفعلا جهزنا عددا واحدا وسلمنا المواد، ومعها رسم لى لشخص اسمه "مكاوى"، كان يعمل مشرفا على إدارة المجلة و مُعينا من قبل الأمير عباس حليم.

 ذهبنا للتحقيق وقلت للمحقق إننى رسمت الصورتين بالعدد الأول وقصدى منهما واضح ومفهوم لرجل الشارع البسيط.. فى الأولى صدقى باشا يرفض مساعدة العمال وينحاز للاحتكار.. والثانية تعبر عن أمنية الشعب فى الخلاص من حكومة صدقى التى قتلت الحريات، وانتهت التحقيقات بالبراءة وانتظرت أنا ورئيس التحرير إجراءات  الإفراج عنا.

 وفوجئت بضابط السجن يستدعينى، لا لينهى إجراءات الإفراج عنى، ولكن ليخبرنى أن النيابة أرسلت فى استدعائى من جديد فى قضية جديدة، وناولنى العدد الذى صدر من الجريدة فى غيابى، وسألنى عن الكاريكاتير وقلت إننى الذى رسمته ولا شىء فيه.. وهو عبارة عن صحفى ممسكا فى يده بورقة ويسأل رئيس التحرير: تفتكر يكون إيه موضوع افتتاحية العدد من المجلة.. فيرد: سيب السياسة واكتب عن أسعار الفجل والكرات.. لكن الضابط نبهنى إلى جملة تحت الرسم مكتوبة بخط دقيق جدا لا يكاد يُرى، و جاء لى بعدسة مكبرة لأقرأه، وكانت من كلمتين فقط: "فليسقط الملك"!.. وأدركــت أنهـا مؤامرة نسجت لى بإحكام.

أصبحت متهما بالعيب فى الذات الملكية وإهانة الملك فؤاد، وهى من الجرائم التى يعاقب عليها القانون بالسجن.. وحاولت أن أنفى تلك التهمة وأننى لم أكتب هذه العبارة، لكن المحكمة جاءت بخبير خطوط أثبت أننى كاتبها وأنها بخطى.. ولأننى أعرف خبير الخطوط الذى استعانت به المحكمة واسمه "محمد على سعودي"، وأنه سبق له أن أخطأ فى قضيتين شهيرتين، ولأن شهادته هى دليل الإدانة الوحيد، فقد ناشدت المحكمة أن تستعين بخبراء خطوط غيره.. لكن بمجرد أن رفضت المحكمة طلبى سالت دموعى وأدركت المصير الذى ينتظرنى، وبالفعل حكمت عليّ المحكمة بالسجن لمدة 4 سنوات.

عشت فى السجن أتعس أيام حياتى.. وبعد أن قضيت ثلاثة أرباع المدة أصبح من حقى أن أكون من بين المفرج عنهم فى عيد جلوس الملك فؤاد، وهيأت نفسى للخروج من السجن، فإذا بالملك يموت قبل عشرة أيام فقط من عيد الجلوس فضاعت عليّ الفرصة..وتجدد الأمل بعد سقوط حكومة صدقى ومجىء النحاس باشا، وتضاعف الأمل بعد أن أصدر النحاس قانون العفو العام، ولكن لسوء بختى فإنه استثنى من العفو قضايا العيب فى الذات الملكية، لا حرصا على هيبة العرش، ولكن نكاية فى عباس العقاد المحبوس يومها بنفس التهمة، وكان العقاد قد هاجم النحاس والوفد فى مقالاته، فقال النحاس: لن أفرج عن العقاد..وبالتالى لن يفرج عن باقى المتهمين، وهكذا قضيت السنوات الأربع كاملة فى السجن!

بعد خروجى من السجن تكشفت لى خيوط المؤامرة وأننى كنت ضحية قضية ملفقة.. وعرفت أن "مكاوى" الذى عينه الأمير عباس حليم مشرفا على الجريدة كان يعمل جاسوسا لحساب صدقى باشا ضد الأمير، وسعى البوليس السياسى إلى تقريبه من عباس حليم حتى اكتسب ثقته وعينه ضمن سكرتاريته، ثم عينه مشرفا على إدارة الجريدة.. وكان مكاوى هذا هو الذى كتب على الرسم "فليسقط الملك"، وقد أكد لى ذلك مدير المطبعة التى طبعت العدد ونحن محتجزون فى القضية الأولى..وكان صدقى باشا يُكن عداء وكراهية للأمير الذى أهانه إهانات علنية، فأراد أن ينتقم منه.. فدبر هذه القضية الملفقة لما عرف أنه هو الذى يمول الجريدة.. ودفعت أنا الثمن بأجمل سنوات شبابى فى زنزانة".

(2)

خرج رخا من سنوات السجن وعمره 26 عاما،عاش خلالها تجربة مريرة، اضطرته لأن يبيع كل ما تبقى لديه من ميراث ومن مدخرات لكى يوفر نفقات معيشة أسرته، وكان قد تزوج وعمره 19 سنة ( تزوج رخا فى يناير 1931 ودخل السجن بعد عامين ونصف من زواجه ورزقه الله ب 7 أولاد، منهم 5 بنات وولدان)، وهكذا أصبح مسئولا منذ بواكير شبابه عن زوجة وأولاد بالإضافة إلى والدته، وطوال سنوات السجن انقطع عمله ودخله ، وكان عليه أن يعود سريعا للعمل لينقذ أسرته من الجوع.

قبل دخوله السجن كان رخا قد اتفق مع أصحاب دار الهلال على العمل معهم مقابل 20 جنيها شهريا، وهو مبلغ ضخم بأرقام تلك الأيام، وسمحوا له بالعودة بعد خروجه من السجن، واستأنف عمله من منتصف شهر ديسمبر 1936، وظن رخا أن الحياة عادت تبتسم له من جديد، وأقبل على الرسم بهمة ونشاط لتعويض ما فات، ولكن بعد شهرين ونصف لم يتقاضى أجره المتفق عليه، وبعد مماطلات وتسويفات فوجئ بأن راتبه هبط إلى 6 جنيهات فقط لا غير.. و يحكى رخا:

"جُنّ جنونى وقلت إننى كنت أتقاضى 20 جنيها قبل دخولى السجن، وحاولت أن أرفع هذا المرتب الذى قرروه لى دون نتيجة، فقد استغلوا ظروفى وحاجتى الشديدة للإنفاق على أسرتى، واعتبرت ما فعلوه عملا خسيسا وحملتها فى نفسى، وقررت أن أترك الدار فى أقرب فرصة، وبعد أيام كنت قد اتفقت مع السيدة روزاليوسف للعمل بمجلتها.. ومع مجلة أخرى اسمها "الشعلة" وتركت دار الهلال غاضبا من موقفهم واستغلالهم لظروفى".

ظن رخا أنه عندما غادر دار الهلال غاضبا وحانقا أنه لن يدخلها أبدا، لكنه فوجئ بأنه يعود إليها من جديد مرغما، فى تجربة كانت بداية مرحلة جديدة وفارقة فى حياته المهنية.. فالذى حدث أن صديقه مصطفى أمين جاءه يطلب منه أن يكون رسام مجلة "الاثنين" (إحدى مجلات الدار)  بعدما تولى رئاسة تحريرها، وأمام إصراره وإلحاحه لم يجد رخا بدا من الموافقة وكانت تجربة فى غاية الغرابة، لأنه ظل 4 سنوات يعمل فى الدار وهو يخاصم صاحبها ولم يتبادل معه كلمة واحدة أو يصافحه مرة.. لنسمع من رخا التفاصيل:

"كان الأستاذ مصطفى أمين قد تولى رئاسة تحرير "الأثنين" وجاءنى ليأخذنى للعمل معه، لكنى قلت له: أنا لا أروح دار الهلال، ورد مصطفى أمين: دى تبقى مصيبة. ده هو كمان مش بيحبك ( يقصد الأستاذ إميل زيدان) وبيقول مش عاوزك.. لكن أنا بقول لازم آخدك.. قلت: وأنا مش بحبه..رد مصطفى: وأنا بقول لازم تيجى معايا.. وظل يضغط علىّ حتى أخذنى معه.. وفى الدار كنا - إميل زيدان وأنا - يتجاهل كل منا الآخر، كان هو يدخل فى المكان الذى أكون فيه فيسلم على الجميع ماعداى.. وكنت أنا أيضا أشوفه فى أى مكان ولا أقول له سلام عليكم.. واستمر عملى فى الدار من سنة 1941 إلى سنة 1944.. ووقع وقتها حادث 4 فبراير وأراد مصطفى أمين أن يروى تفاصيل ما حدث، لكن أصحاب الدار منعوه بحجة أن مجلات الدار محايدة لا تخوض فى هذه الأمور ولا تهاجم أحدا، وقرر مصطفى أمين أن يستقيل وخرجت معه لنؤسس أخبار اليوم".

(3)

كانت علاقة رخا مع مصطفى أمين من أغرب العلاقات فى الوسط الصحفى،علاقة معقدة ومركبة اختلط فيها الجانب المهنى بالإنسانى بالروحى، فكنت تجد رسوم رخا حاضرة أينما ذهب مصطفى أمين، واستمرت هذه العلاقة ما يزيد على 40 سنة، بل بسببها ارتكب رخا أظرف وأغرب قضية تزوير!

فعندما صدر قانون تأميم الصحافة عام 1961 أصبحت الدولة هى المالك الجديد للمؤسسات الصحفية، ووجد مصطفى وعلى أمين نفسيهما خارج المؤسسة التى بنياها طوبة طوبة، وجاء الضابط كمال رفعت ليدير أخبار اليوم، وتقرر نقل مصطفى وعلى أمين إلى دار الهلال، وبدافع الشهامة والصداقة وعشرة العمر قرر رخا أن يسهم فى نجاح التوأم فى تجربته الجديدة، ولأنه يعرف أن الإدارة الجديدة لأخبار اليوم ستمنعه بحكم اللوائح من الجمع بين الدارين، فقد قرر أن يرسم فى "المصور" بحيلة ذكية جدا دون أى يعرض نفسه لأى مساءلة قانونية..

لنترك رخا يحكى لنا ما جرى:

"بعد تأميم الصحافة عملوا مجلس إدارة جديد لأخبار اليوم، ووضعوا على رأسه شخص مغرور كان مديرا لمكتب عبد الناصر اسمه أمين شاكر، سرعان ما احتك بمصطفى وعلى أمين فتصادما معه، وحقق عبد الناصر فى الموضوع ووجد أن أمين شاكر هو الغلطان، لكن لم يعاقبه، إنما حلّ مجلس الإدارة، وخرج مصطفى وعلى أمين من أخبار اليوم وقعدوا فى البيت.. وبعد فترة عينهم عبد الناصر فى دار الهلال، فأخذا يعدان لتطوير مجلات الدار..

وأراد مصطفى أمين أن يأخذ بعض المحررين من أخبار اليوم للعمل معه فى دار الهلال، لكن كمال رفعت رفض، قال له مصطفى: طيب ناخد رخا، فرفض كمال رفعت أيضا.. وتضايق على أمين وقال لى: دى أول مرة ندخل فيها على عمل جديد دون أن تكون معنا، قلت له: سوف أكون معكم، سألني: إزاى؟، قلت: سوف أرسم باسم مستعار.. والاستعارة سيكون فيها أيضا كل الإيحاء بأننى أنا الذى أرسم، عاد يستوضحنى: إزاي؟، قلت: سأوقع على الرسم باسم "بنت رخا".. إن لى 7 أولاد..وليس هناك ما يمنع أن يكون بينهم واحد أو واحدة تهوى الرسم وتمارسه.. واقتنع على أمين، وفعلا رسمت أول رسم باسم بنت رخا".

وظهرت رسومات بنت رخا على صفحات المصور منذ عدد أول ديسمبر 1961، وبالطبع لفتت الأنظار وأثارت التساؤلات، ولم يكن صعبا أن يتعرف الناس على صاحب الرسومات الحقيقى، حتى أن هناك من ذهب للرئيس عبد الناصر يتهم مصطفى أمين بأنه "سرق" رخا وجعله يرسم باسم مستعار، وبالفعل سأل عبد الناصر مصطفى أمين عن حكاية بنت رخا، ولم يملك مصطفى أمين سوى الاعتراف بالحقيقة، وفوجئ بالرئيس يضحك ويطلب منه أن لا يكتفى رخا برسوماته الضاحكة وأن يقدم معها تنويعات من الكاريكاتير السياسى..

وواصل رخا رسوماته بتوقيع بنت رخا، وارتكب هذا التزوير البديع من أجل عيون صديق عمره مصطفى أمين، رغم أن "الجريمة" كان يمكن أن تكلفه مستقبله وراتبه ووضعه فى أخبار اليوم..

(4)

هذا الامتنان البالغ وهذا التقدير الفياض الذى كان يحمله رخا لمصطفى أمين لم تكن تحكمه الدوافع العاطفية والإنسانية ومقتضيات الصداقة وحدها، بل كان له كذلك أسبابه ودوافعه ومبرراته المنطقية والعملية، والتى يمكن بشىء من التأمل فى سيرته أن نقف عليها ونرصدها، ولعل أبرزها:

 أن مصطفى أمين كان من أوائل الذين اكتشفوا وبشروا ودعموا موهبة رخا الجبارة وخطوطه العبقرية، ورغم أن مصطفى أمين عندما طالع رسوم رخا لأول مرة فى مكتبه بسوق الخضار فى باب اللوق كان حينها مجرد "تلميذ بشورت"، لكنه كان من النباهة لأن يدرك أنه أمام رسام استثنائى وفلتة لا تتكرر، ولما بدأ مصطفى أمين مشواره الاحترافى مع الصحافة كانت رسوم رخا حاضرة فى كل تجاربه، من "الأثنين" إلى "أخبار اليوم" إلى "المصور".. كان مصطفى أمين يتفاءل به ويقدر موهبته ويعرف كيف يديرها ويستغلها ويوجهها دون أن يصادر حريته وخياله وجنونه، كيمياء ربانية ربطت بين الرجلين والقلمين، وكان رخا شديد الإخلاص لهذه العلاقة وتلك الصداقة، فقرر بلا تفكير أن يغادر مجلة "الأثنين" بمجرد أن تركها مصطفى أمين، وأن يذهب معه بلا تفكير ليشاركه مغامرته المجنونة بإصدار جريدة "أخبار اليوم"، وارتبط بالمكان لوجود مصطفى أمين، وظل وفيا له طيلة أكثر من أربعين سنة.. ولما غادره مصطفى أمين إلى دار الهلال ذهب معه متخفيا ومتنازلا عن اسمه..

وعن هذا الإخلاص كتب مصطفى أمين:

"عندما استقلت من مجلة "الأثنين" كان الرسام رخا فى مقدمة المحررين الذين استقالوا معى، واشترك معى فى أخبار اليوم من العدد الأول، وبقى يعمل معى طوال أربعين سنة (من تأسيسها عام 1944 حتى وفاة رخا عام 1989).. ومرة واحدة استقال من أخبار اليوم فى الساعة العاشرة صباحا، وعاد فى الساعة الحادية عشرة صباحا من نفس اليوم".

 ومن وحى مصطفى أمين ابتكر رخا أشهر شخصياته الكاريكاتورية التى ذاعت وشاعت وارتبط بها الناس، ولعل من أشهرها شخصيتى: ابن البلد.. وبنت البلد

أما شخصية ابن البلد، فقد ظهرت لأول مرة عام 1941 فى مجلة "الأثنين"، وقدمها مصطفى أمين إلى القراء بتلك السطور: هو رجل بسيط، يجهل البروتوكول، يتكبر على  المتكبرين، على ضعفه عدو للظالمين وصديق للمظلومين، ثائر على المُتبع فى هذا البلد، لا يكف عن الابتسام، حاضر النكتة، طيب القلب، لا يتعصب ضد دين أو جنس، لا يحقد على أحد، لا ينتقم من مغلوب، لا يغمد خنجره فى جريح، لا يستطيع إلا أن يقول كلمته الخالدة خلود الأهرام: معلش، أو ربنا يسامحهم أو "منهم لله"..

وتألقت ريشة رخا وأفكاره فى تجسيد شخصية ابن البلد، ومن خلاله استطاع أن يقول كل ما كان يجول فى خواطر وصدور الناس، يقوله ببساطة وتلقائية وخفة دم وجرأة وتهور أحيانا.. ويمكنك أن تعود إلى رسومات ابن البلد لتكون شاهدا على أحداث وتقلبات زمن، وما جرى فى مصر من تغيير سياسى واجتماعى، أو بتعبير الفنان الكبير محى الدين اللباد:

"وتمضى السنون ونجد ابن البلد بعد ثلاثة عقود وقد غيّرته الصعاب والأحداث والأزمات والانكسارات التى ألمت بالأمة وبالذات بعد 1967، نجده وقد رسمه رخا عملاقا أشمّا وجبلا غاضبا تنفر عروق رقبته التى صارت شديدة الغلظة، يحمل وجهه تعبيرات غاضبة ساخطة ويمسك بعصا طويلة وغليظة هى الأخرى، مندفعا فى وضع ينذر بالثبور وعظائم الأمور".

أما بنت البلد، التى بدأ رخا فى رسمها أواخر الخمسينات على صفحات "آخر ساعة" ونجح بها أن ينتصر لنموذج الجمال المصرى ولبنت البلد المصرية "أم الملاية" اللف بسمارها وقوامها الممشوق وجاذبيتها الساحرة..

وقتها كان الرسامون الأجانب يتفننون فى تقديم نموذج الجمال الأوربى، وكانت صوفيا لورين النجمة الإيطالية هى الأيقونة والمثال على هذا الجمال، ودخل رخا المنافسة وقرر أن يقدم نموذجا للجمال المصرى البلدى فى وقت كانت كلمة "بلدي" تحمل معانى متدنية فى الذوق والجمال، ورسم رخا بنت البلد باهرة مبهرة بهية باذخة الحُسن، بوجهها المليح وقدها الشهى وصدرها الناهد، وهى تتمخطر وتزهو ببرقعها المخروم وحلقها المخرطة و"ملايتها" السوداء وخلخالها المميز ومنديلها "أبو أويه" وقوامها الذى يسحر العقول..

عن بنت البلد حكى رخا:

"لقد فكرت فيها عندما وجدت الناس يستعملون كلمة "بلدى" للدلالة على كل ما هو قبيح ومعدوم الذوق.. فرسمت بنت البلد حلوة جدا.. جذابة جدا.. وتسخر من كل العادات الوافدة وتنتصر على خصومها".

وصحيح أن شخصيتى ابن البلد وبنت البلد كانتا هما الأشهر فى رسومات رخا، لكن نظلم رسوماته وشخصياته الأخرى التى لم تكن تقل براعة وجاذبية، خاصة الثنائى رفيعة هانم والسبع أفندى، وبلغ من شهرته أن الناس كانت تطلق اسم رفيعة هانم على كل ست بدينة، والسبع أفندى على كل زوج منسحق وضعيف الشخصية أمام زوجته.. وتسببت الشخصيتان فى أزمة لرخا بعدما تداول الناس أنه يقصد بهما زينب هانم الوكيل (المعروفة ببدانتها) وزوجها النحاس باشا، ولم يكن سرا مدى محبة النحاس لحد الوله لزوجته التى تصغره كثيرا فى العمر..

ويمكننا أن نضيف إليهما كذلك شخصيات "حمار أفندي" التى ترمز إلى الجاهل عندما يفتى فى أمور السياسة، و"ميمى بيه" رمز الطبقات المرفهة البعيدة عن اهتمامات الناس وهمومها.. ولا ننسى "قرفان بيه" و"سكران باشا طينة".. وعديد من الشخصيات التى أبدع رخا فى رسمها.. وكثير منها كانت من وحى مصطفى أمين.

ثم كانت أهم وآخر جائزة يحصل عليها رخا فى نهاية مشواره تحمل اسم رفيق عمره مصطفى أمين.. كان ذلك بعد ثلاثة أسابيع من احتفاله بعيد ميلاده الخامس والسبعين وبعد ستين عاما قضاها فى بلاط صاحبة الجلالة..كانت جائزة مصطفى وعلى أمين ليست فقط تتويجا لمسيرته واعترافا بفضله وإنجازه وتقديرا لدوره وتاريخه كأول رسام كاريكاتير مصرى، ولكنها كانت البسمة التى قطعت إحساسه بالتجاهل ونكران الجميل فى مشهد حياته الأخير، وجعلته يودع الحياة وهو ممتن لمن تذكره وكرمه واعترف بفضله.. وكان أول من تنبه إلى مناسبة مرور 60 سنة على اشتغاله بالرسم..

أكاد أرى دموع رخا وهو يحكى:

"أسعدتنى الجائزة.. ليس فقط لقيمتها المادية (5 آلاف جنيه) التى أحتاجها بشدة، الذى أسعدنى أكثر هو حيثياتها.. أسعدنى الاعتراف بجهود 60 سنة من العمل المتواصل.. أسعدنى أن أسمع أن هناك من يقول لى "كتر خيرك".. وقد جاءت فى وقت أنا فيه - نفسيا- فى أشد الحاجة لأن أسمع هذه العبارة بكل ما تنطوى عليه من معان ومشاعر نبيلة.. أنا بقى لى أكثر من سنة فى البيت، لا أمشى ولا أخرج، ويؤلمنى أن هذا قد تسبب فى حرمانى من اللحظات السعيدة الوحيدة التى كنت أتمتع بها فى أيامى الأخيرة هذه وهى لقائى بالأستاذ مصطفى أمين، كان لنا اجتماع كل يوم أربعاء، وكنت أقضى معه ساعتين أو ثلاث هى مصدر الأمل والضوء وسط الظلام الذى أحسه فى السنوات الثلاث الأخيرة.. حالة اكتئاب فظيعة تطوقنى ولا أعرف مصدرها.. إننى أتعاطى 7 أنواع من الأدوية فى اليوم وحقنة كل 48 ساعة، كانت القراءة هى متعتى فى حياتى.. لكن الطبيب حرمنى من هذه المتعة وأمرنى بالتوقف..ليس عن القراءة فقط فقد منعنى أيضا من هوايتى الكبرى: من الرسم، وأرجو ألا يطول ذلك.. "

(5)

واستجاب الله لدعائه وحقق أمنيته فلم يحرمه كثيرا من هوايته الكبرى.. ودع رخا الحياة، فقد كان الموت أهون عنده من عذاب حرمانه من الرسم.. 

وفى 8 أبريل 1989 رحل ناظر مدرسة المشاغبين.. ودعنا أول رسام كاريكاتير مصرى أصلى بعد أن حقق رقما قياسيا عالميا يصعب تحطيمه، فلا يوجد فى تاريخ الصحافة العالمية رسام كاريكاتير ظل يرسم 60 عاما متواصلة.. إنه رقم سيظل مقترنا بابن سنديون وباب الشعرية وصاحب ابن البلد وأجمل من رسم بنت البلد..محمد عبد المنعم رخا.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حسين رشدى باشا.. مهندس دستور 1923 وصديق منيرة المهدية المقرّب
ابراهيم
محسن
منير كنعان الرسام الوحيد الذى كتب هيــكل مقـدمـة لكتابـة
صدقي
رخا
مصطفى

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...

شخصيات لها تاريخ «97» غراتسيانى الإيطالى..سفّاح برْقَة وفزّان وتلميذ ميكافيللي

كان والده طبيبًا تخصص فى الجراحة وألحقه بالكلية العسكرية وتفوق على أقرانه وأصبح من نجوم العصر الفاشى فى إيطاليا قتل...