على الرغم من أن المكانة الأدبية والعلمية المرموقة التى بلغها أستاذ الأجيال صاحب البصيرة النافذة الدكتور طه حسين (1889 ـ 1973) فى ثقافتنا العربية قد استقرت وصارت من المسلّمات الراسخات،
بعد أكثر من خمسين عاما على رحيله مخلفا آثارا إبداعية وفكرية عظيمة، سواء من خلال كتاباته التى انتصر فيها للعقل والعلم أو عبر منصبه كوزير للتعليم الذى أعلن فيه انحيازه لأبناء الفقراء، أو من خلال محاضراته وأنشطته الأكاديمية ومعاركه التى لم تتوقف عن إثارة الجدل طوال قرن من الزمان.
على الرغم من كل هذا الذى كتبه ونشره وعلمه الرجل لن تعدَم أن تصادفَ تكفيريا جهولا فى هذه الأيام ينكر على حسين إنجازه العقلى الكبير، مثلما ينكر علينا نعمة العقل، محاولا أن يعود بنا قرونا إلى الوراء، فيكون عليك حين تلتقى أمثال هؤلاء الجاهلين من خريجى الجامعات أن تطرح السؤال الذى يفرض نفسه على الجميع: هل كان التعليم الذى جعله طه حسين قبل سبعين عاما مجانيا ـ كالماء والهواء ـ مُفيدا فعلا وأسهم فى النهوض بوعينا وثقافتنا؟..
عن نفسى لا أظن ذلك، لأن أكبر ظلم تعرض له مفكرو ثقافتنا العربية العظام أن تم تجاهل مشاريعهم الفكرية بعد رحيلهم عن دنيانا، حيث لا يحصل المفكر المستنير أو التقدمى على ما يستحقه من فهمٍ ودرس وتحليل من قبل الأجيال اللاحقة، وأستطيع الآن أن أعدد لك أسماء كثير من هؤلاء المفكرين المستنيرين من تلاميذ طه حسين من صادق جلال العظم إلى حسين مروة ومن نصر حامد أبوزيد إلى خليل عبد الكريم وسيد القمنى، حيث يضيع تراث كثير مما راكمه هؤلاء من خبرات دون أن يحظى بالقدر الذى يستحق من الاعتناء والنظر والانتهاء منه للانتقال إلى ما هو جديد..
لــقد ضــاع كثيــر من الجهد المبذول ـ فى حالة طه حسين ـ فى الدفاع عن أفكار الرجل التقدمية أمام ذلك السيل الجارف من التكفيريين الذين ترعرعوا بفعل فاعل فى وادينا الطيب، فلم يسهموا ـ فقط ـ فى تضليل الرأى العام حول كثيرٍ من أفكار طه حسين، بل إن موقفهم الظلامى الجهول أسهم بقدر فى وأد المشروع الفكرى العقلانى فى بلادنا، مثلما أسهم بقدر آخر فى تكريس مفاهيم القرون الوسطى التى تصل إلى مرحلة الاعتماد على الدجل والشعوذة فى فهم النصوص، وجعلنا ـ نحن المؤمنين بقيمة العقل ـ نهمل دراسة وتحليل وإعادة إنتاج "مشروع طه حسين الفكري" بوعى نقدى جاد، وبقدراتنا المعرفية الحديثة التى لابد أن تتعلم من طه حسين وأن تراجع أفكاره وأن تطور ما يستحق منها، وأن تلتفت ـ أيضا ـ إلى ما فيها من عيوبٍ ونواقص وثغرات، لأن طه حسين كان إنسانا طبيعيا محكوما بمعارف عصره، ومعرفته بالنسبة لنا الآن لا يُمكن أن تكون مكتملة.
ولو كنا انشغلنا فقط بنقد مشروع طه حسين فى الوقت الملائم للاستفادة منه، ما كنا احتجنا خمسين عاما كاملة على رحيله لنكتشف ما اكتشفه الناقد والأكاديمى المصرى المقيم فى الكويت ـ الدكتور أيمن بكر فى اعتماد العميد الكامل على تراث الثقافة العربية الشفوى واستخدامه أساليب ووسائط تفكير "شيخ العامود" فى الأزهر من أجل إنتاج المعرفة، الأمر الذى كان موضوع الكتاب الشائق للدكتور بكر، "هوامش العميد.. ملامح التجربة المعرفية عند طه حسين"، والذى نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب العام 2023 ضمن سلسلة كتب صدرت خصيصا فى مناسبة الاحتفال بمرور خمسين عاما على رحيل العميد.
إننا نؤمن بالقيمة العقلية الكبرى والأسئلة الملحة التى طرحها مشروع طه حسين الفكرى، لذلك علينا نحن ـ قبل غيرنا ـ أن نعيد التفكير فيما وصل إليه من مسلمات، على الرغم من أن الرجل كان سابقا لعصره فى فهم الثقافة العربية، وهو ما تجلى واضحا فى إشارته إلى أن الأدب العربى هو أكثر آداب العالم تحفظا وحيطة لأن كاتبه العربى يضع رأى القارئ فى عين الاعتبار، وها هو الزمن يدور ويتحول الأدب على صفحات "الفيسبوك" إلى أدب "عبيد الجماعة" أو "عبيد اللايك" بالمعنى المعاصر، الذين يصفهم طه حسين فى كتابه "مع المتنبي" قائلا:
"ومـا أظننى أعـرف أدبـا مقيــدا فــى التحــرج غــاليـا فى الاحتياط كأدبنا العربى الحديث، الذى ينشئه أصحابه وهم يفكــرون فــى النـاس أكثــر ممــا يفكــرون فى أنفسهم، حتـى أطمعوا النــاس فيهــم، وأصبحــوا عبيدا للجمــاعة وخدما للقُرَّاء".
التجربة المعرفية
الكتاب "150 صفحة" يشتمل على مقدمة وأربعة فصول، يرصد ملامح التجربة المعرفية عند طه حسين، من خلال هوامش أربعة مؤلفات أساسية وضعها عميد الأدب العربى، وهى: "مع المتنبي" و"فى الشعر الجاهلي" و"مستقبل الثقافة فى مصر" و"صوت أبى العلاء"، محاولا فى الفصل الأول أن يحدد مفهوم وملامح التجربة المعرفية، عن طريق تحليل مقدمة طه حسين لكتاب "مع المتنبي" وخاتمته لهذا الكتاب، أما الفصل الثانى فيتناول الجانب الشفوى الذى ميز عقلية طه حسين، ويعيد النظر فى قضية الانتحال المشهورة ـ التى فجرها كتابه "فى الشعر الجاهلي" ـ بوصفها تعبيرا عن صراع العقليتين الكتابية والشفاهية عند العميد، فبسبب فقده البصر وتعليمه الأزهرى، يقول الباحث: "جعله يحتفظ بشخصية شيخ العامود فى أدائه العقلى وأسلوب كتابته جميعا، وهما من أهم جوانب تجربته المعرفية". أما الفصل الثالث فهو "مستقبل الثقافة ومشكلات القراءة"؛ حيث يلفت الباحث إلى كثيرٍ من القضايا الخلافية فى كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة فى مصر"، والفصل الرابع والأخير جاء بعنوان "شذرات العميد".
يقول الدكتور أيمن بكر ـ الفائز بجائزة الشارقة فى نقد الشعر العربى العام 2021 ـ إن التجربة المعرفية بالنسبة إليه هى:"مجموعة القواعد العميقة ـ غير الواعية غالبا ـ التى تحدد أهداف التوجه إلى المعرفة، ثم طرق التعامل معها تحصيلا وإنتاجا، وهى قواعد لا تشمل العمل الفكرى والبحثى وحدهما، بل كذلك الإبداع بمختلف تشكلاته سواء كان سردا أم شعرا، أو فنا تشكيليا أو موسيقى.. التجربة المعرفية أخيرا هى أمر ذاتى بصورة فريدة، رغم تشابه عناصرها".
على أن أجمل ما فى هذا الكتاب أنه لا يعيد قراءة المشروع الفكرى لطه حسين من خلال متون كتاباته لينتصر له فى معاركه، فيكرر ما تكرر ويردد ما تردّد، لا، لقد استطاع أيمن بكر أن يخطو خطواتٍ للأمام، ليكتشف جديدا فى هوامش العميد، وأن يصل من الهوامش إلى ما لا يمكن الوصول إليه من المتون، حيث يعيد تأمل تلك الكتابات التى يُنظر إليها عادة بوصفها حاشية على متنٍ، أو بوصفها فى أحسن الأحوال مداخل، وهى الكتابات التى ظل المرور عليها سريعا، فهو يتأمل المقدمات والخواتيم كما يتعامل مع الإهداءات ومع ما كتبه طه حسين باللغة الفرنسية أيضا، يقول:
"تتبعت الفكرة، وقضيت وقتا طويلا أقرأ تلك الهوامش، بلا هادٍ من افتراض بحثى، أو فكرة جامعة يمكنها أن تمثل خيط اتصال يسمح بإقامة بحث، إلى أن لاحظت أن ملامح التجربة المعرفية لطه حسين تنتثر فى تلك الكتابات التى أسمّيها الهوامش، بأكثر مما تظهر فى متون كتبه".
ورغم أن الباحث يتناول كثيرا من القضايا الخلافية التى فجّرها حسين مثل قضية كتابه "فى الشعر الجاهلي" منتقدا أستاذ الأجيال فى عدة مواضع، إلا أنه أهدى كتابه "إلى تلاميذ طه حسين.. أساتذتي" ليقول لنا إنه كباحث يتشرف بالانتماء إلى هذه السلالة الفكرية الممتدة التى خلفها "الجد" طه حسين لتلاميذه "الأبناء" الذين أصبحوا هم أنفسهم أساتذة لجيل ثالث هم "الأحفاد" من الباحثين ـ ومنهم بكر نفسه ـ هؤلاء الذين يريدون أن يردوا الجميل لأستاذ الأجيال، لا عبر تبنى رؤيته كما هى، بل من خلال قراءة مشروعه ونقضه وتطويره والبناء على ما تبقى منه.
شيخ العامود
يريد أيمن بكر أن يقول لنا إن طه حسين كان يرتدى ملابس غربية فى الجامعة حيث يعمل، لكنه كان يخفى تحتها عقلية شيخ عامود فى الأزهر، لافتا إلى عدة أدلة تشير لتأثر طه حسين فى كتاباته بالثقافة الشفوية التى ورثها من شيوخ الأزهر الذين تعلم على أيديهم فى سنوات صباه، والذين كان دائم الانتقاد لهم، فعلى الرغم من أنه كان الأكاديمى المرموق الذى درس فى السوربون إلا أنه كان فى كثير من كتبه لا يحفل كثيرا أو قليلا بذكر المراجع التى أخذ عنها، مستخدما الطريقة التى كان يستخدمها معه أستاذه الشيخ المرصفى، يقول أيمن بكر: "يتضح الأثر الأهم للعقلية الشفوية المميِّزة لشيخ العامود عند طه حسين فى طريقة توثيق المعلومات، التى لا تحفل قليلا أو كثيرا بذكر المراجع التى أخذ عنها حسين، ناهيك عن إثبات تفاصيل تلك المراجع، ما يظهر فيها الأثر الكبير لشيوخ الأزهر أصحاب العقلية التى تغلب عليها الشفوية، مجاوزا لما تعلمه حسين من أساتذته الأوربيين أصحاب العقلية الكتابية".
فى قضية الانتحال يكشف الباحث جانبا من الثقافة الشفوية فى عقل العميد، إذ يتصل بقضية الانتحال ذات المنشأ الكتابى الحديث، حيث إن القضية التى يشكك فيها طه حسين فى قدرة العقلية العربية القديمة الشفوية على حفظ المادة المعرفية/ الشعر الجاهلى، ونقلها بصورة "أمينة"، حيث لا يثق فى عمل الذاكرة، وبالتالى يحاكم النص الشعرى الجاهلى بناء على أدلة بحث تاريخية "وثائقية"، هدفها تأكيد نسبة النص الشعرى الجاهلى إلى مؤلف وحيد أو نفى هذه الصلة، يقول بكر: "المسألة معقدة لأن ما نحاول إثباته هنا هو وجود ملامح العقلية الشفوية فى عقل طه حسين، من خلال القضية التى يهاجم فيها طه حسين العقلية الشفوية".
يشار إلى أن الدكتور أيمن بكر المولود عام (1969) يعمل حاليا أستاذًا مساعدًا للأدب والنقد فى جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا فى الكويت، وهو حاصل على الدكتوراة من جامعة القاهرة، وله كتب عدة فى النقد بينها: "السرد فى مقامات الهمذاني" و"تشكّلات الوعى وجماليات القصة" و"السرد المكتنز" و"المفكر الرقاصة: من تفاصيل ثقافة منهارة" و"أصداء الشاعر القديم: تعدد الرواية فى الشعر الجاهلي" و"قصيدة النثر العربية: ملامح النوع وحدود التجريب" و"الآخر فى الشعر العربى: المتنبى، شوقى، العريض" و"تعدد الرواية فى الشعر الجاهلى: ديوان هذيل نموذجًا" و"انفتاح النص النقدى: نحو تحليل ثقافى للأدب". كما أصدر بكر رواية بعنوان "الغابة" وديوانى شعر "متون الساحر" و"رباعيات".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة