محمد فريد.. أنفق ثروته الضخمة فـى سبيل حرية الوطن ومات غريبًا فقيرًا

شخصيات لها تاريخ «48» استقال من وظيفة «وكيل نيابة» ورفض حبس «الشيخ على يوسف» فى قضية «التلغرافات» الخاصة بالجيش المصرى الموجود فى السودان أنفق كل أمواله على أنشطة «الحزب الوطنى» الذى تولى رئاسته بعد وفاة مصطفى كامل ورفض قبول «رشوة» عرضها عليه الخديو قضى ستة شهور فى السجن بسبب مقدمة كتبها لديوان شعر من تأليف الشاعر «على الغاياتى» ورفض مهادنة الاحتلال والقصر مات فى «برلين» وتبرع تاجر من الزقازيق اسمه «خليل عفيفى» بإحضار جثمانه إلى أرض الوطن على نفقته الخاصة

يرى الناس تمثال "محمد فريد" الواقف فى قلب "القاهرة" بالقرب من "قصر عابدين"، وكثير منهم لايعرف بطولته رحمه الله، وهو المذكور فى تاريخ مصر بالفداء والتضحية والنبل ومحبة الوطن، محبة صادقة، وهو الذى كان "تركى" الوالدين، وكان والده من أغنى أغنياء مصر، وكان رئيس "الدائرة السنية" التى تضم أملاك "الخديو" والعائلة الحاكمة، وكانت والدته ابنة تاجر كبير، وكان مسار حياة "محمد فريد" ناعما، فيه الثروة والمكانة الأدبية، حتى أصبح "وكيل نيابة" ووجد نفسه فى اختبار معنوى وطنى، فانحاز إلى الوطن ورفض كل مظاهر الجاه والأبهة، وانخرط فى صفوف الحركة الوطنية، وأرغمه الاحتلال، على الهجرة إلى أوربا، وفى "برلين" فاضت روحه، ولم تكن أسرته قادرة على نقل جثمانه إلى مصر، فتبرع تاجر مصرى ونقل الجثمان الطاهر، بعد سنوات كفاح قضاها ـ فريد ـ مدافعا عن حق مصر فى الحرية والاستقلال، أنفق خلالها ثروته الضخمة التى ورثها عن والديه، وفقد مكانته الأدبية ومات غريبا..

من حسن الحظ أن الزعيم الوطنى الراحل "محمد فريد" ترك تركة سياسية أدبية، لولده "عبد الخالق" تمثلت فى "مذكرات" كتبها فى القاهرة، وفى المهجر، ومئات الرسائل التى أرسلها لرفاقه وأصدقائه فى مصر، ووجدت هذه التركة عناية عدد من أساتذة التاريخ والمختصين بالفترة التاريخية التى ظهر خلالها نضاله ـ رحمه الله ـ ومن هؤلاء نذكر: عبدالرحمن الرافعى، محمد عطية الإبراشى، رءوف عباس، محمود إسماعيل، ونشرت صفحات من مذكرات الزعيم الوطنى الراحل على صفحات مجلة "الكاتب" فى العام 1970، وهى تمثل الجزء الثانى من هذه المذكرات، وكان المشرف على نشرها الدكتور محمود إسماعيل، لكن الدكتور رءوف عباس، أصدر فى العام 1976 كتابه الذى احتوى الجزء الأول من مذكرات الزعيم الراحل، وفيه رصد وتعليق وتحليل للسياسة المصرية فى أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، وكان تعليق دكتورـ رؤوف عباس ـ على طريقة التعامل مع مذكرات "محمد فريد" يؤكد أن هذه المذكرات التى نقلها "إسماعيل لبيب" فى صندوق كان محفوظا لدى سيدة ألمانية، فى العام 1919، بعد أن طلب منه "محمدفريد" أن ينقل الصندوق من بيت السيدة الألمانية، إلى ولده "عبدالخالق محمد فريد" وكان صبيا يقيم مع أسرته فى القاهرة ويضيف "رءوف عباس" قوله:

ـ سمح "عبد الخالق فريد" لكثير من الباحثين ـ مصريين وأجانب ـ بالاطلاع على هذه المذكرات، فتداولتها الأيدى، وتسربت نصوص بعض الكراسات من القسم الثانى "مذكراتى بعد الهجرة" فنشرها "محمد صبيح" فى كتابه "اليقظة..مواقف حاسمة فى تاريخ القومية العربية" دون تحقيق، وأسقط  بعض الكتابات بالفرنسية والألمانية من النّص".

والخلاصات التى توصل إليها ـ دكتور رءوف عباس ـ حول موقف "محمد فريد" السياسى، تدلنا على أن انتماء عائلته إلى "الذوات" ـ وهم أغنياء الأتراك ـ لم يمنع تطوره الفكرى، والتحامه بالقضية الوطنية، فهو فى بداياته السياسية ـ حسب ما دونه فى مذكراته ـ كان من الإصلاحيين المؤمنين بالتدرج فى إصلاح أحوال البلاد، وهذا تيار كان زعيمه "الشيخ محمد عبده"، وكان يظن أن "الاحتلال الإنجليزى" ضرورة فرضتها الظروف السياسية، وكان يرى أن "الإنجليز" من الممكن أن يكونوا "خبراء" يدعمون المصريين فى مجالات العلوم والقانون والإدارة، حتى يتمكن المصريون من امتلاك القدرة على حكم بلادهم بأنفسهم، وهذا ـ الظن ـ مبعثه الدعاية الإنجليزية نفسها، التى كانت تشيع أن الاستعمار "عمل نبيل إنسانى" هدفه مساعدة الشعوب "الفقيرة المتخلفة عن ركب الحضارة "على السير نحو التقدم، وكان ـ محمد فريد ـ من هؤلاء الذين صدقوا الدعاية الإنجليزية، لأنهم بعد أن استولوا على مصر بالقوة العسكرية، أعادوا ترتيب الأوراق، وغيروا فى القوانين، وأجروا بعض التعديلات الإدارية، بما يسهل لهم القيادة والسيطرة على مقاليد الأمور، فظن المثقفون أن الاحتلال له فوائد، لكن بمرور السنوات وتعاقبها، تبين لهؤلاء أن "الاستعمار البريطانى" هدفه الوحيد، سرقة موارد الشعوب، وحماية مصالح "بريطانيا العظمى" فى الشرق، ولكن ـ محمد فريد ـ المؤمن بالإصلاح، المعادى للثورة حسب ما قال فى مذكراته:

ـ نؤيد الوحدة الوطنية، بل نوجدها من العدم، ونسعى لمنع الدخيل من التدخل فى إدارتنا، لكن يلزم أن يكون ذلك شيئا فشيئا، لا مرة واحدة، كما رغب العرابيون فى سنة 1882 فعادوا بالخيبة.

والموقف من الثورة العرابية الذى اتخذه "المعتدلون الإصلاحيون" كان له مبرراته، فالسلطان العثمانى والخديو توفيق والجيش البريطانى، صوّروا "العرابيين" فى صورة الكارهين للحرية، الفوضويين، وكان أسلوب الدعاية البريطانية يصورـ الخديو توفيق ـ فى صورة "الحاكم الشرعى" الذى يستحق الدعم والمساندة، ولكن بعد هزيمة الثورة العرابية، ووضوح نوايا الاستعمار البريطانى، عدّل "الإصلاحيون" من مواقفهم ورؤاهم، وانتقلوا من معسكر "الترحيب بالاحتلال" إلى معسكر "مقاومة الاحتلال" وكان منهم "محمد فريد" الذى كتب فى مذكراته منتقدا "الخديو توفيق" لخضوعه لبريطانيا، وقبوله ما فرضته عليه دولة الاحتلال، وكأنه اختار الدفاع عن "العرش" وضحى باستقلال الوطن.

 المناضل ابن الذوات

عرف المجتمع المصرى مصطلح "الذوات" فى زمن سيطرة العائلات التركية والشركسية، على جهاز الإدارة، والجيش، والثروة الزراعية، وجاء الاحتلال البريطانى وألغى امتيازات "الذوات" بعد أن استقر له الأمر، وخلق "ظهير شعبى" له من "العربان" و"الفلاحين" ومنحهم الأطيان والمواقع الوظيفية، وكان "محمد فريد" من طبقة "الذوات" وكان والده يحمل رتبة "باشا" وكان هو "ناظر الدائرة السنية" ونال "محمد فريد" شهادة "الحقوق" فى العام 1887، وفى نفس عام تخرجه فى الحقوق "كان اسمها مدرسة الإدارة، وتغير إلى مدرسة الحقوق الخديوية" تسلم وظيفته فى "الدائرة السنية" براتب شهرى قدره عشرة جنيهات، ونال "البكوية"، ثم نُقل إلى "النيابة العامة" وترقى إلى "وكيل نيابة"، وفى العام 1894 تم تعيينه فى نيابة الاستئناف، وبعد تسع سنوات قضاها فى الحكومة، استقال، لأنه اختار "الوطن" ولأنه انحاز إلى "الحرية"، وقصة الاستقالة، هى نفسها قصة "التلغرافات" التى خضع بسببها الصحفى "الشيخ على يوسف" للمحاكمة، فالذى حدث أن "كتشنر" القائد العسكرى البريطانى للقوات المشتركة "البريطانية المصرية" فى السودان، كان يراسل وزير الحربية فى الحكومة المصرية، وكان "المندوب السامى البريطانى  ـ فى القاهرة ـ يمنع الصحف الوطنية من نشر أخبار هذه القوات، ويختص صحيفة "المقطم" بالأخبار، باعتبارها صحيفة موالية للاحتلال، واستطاع الشيخ على يوسف ـ رئيس تحرير "المؤيد" ـ أن يحصل على تلغرافات "كتشنر" المرسلة إلى وزير الحربية المصرى، باتفاق مع الموظف الوطنى "توفيق أفندى كيــرلس" ـ الذى يعمل فى سنترال العتبة ـ ونشر هذه التلغرافات، وفيها تفاصيل حول القوات المصرية الموجودة فى السودان، وعلى الفور تم تحويل "على يوسف" للمحاكمة، وكان "وكيل النيابة" الذى تولى التحقيق معه هو "محمد فريد" فبرأه، لأن القانون المعمول به، لايتضمن تهمة "إفشاء الأسرار العسكرية" وهذا القرار، أثار غضب "المندوب السامى البريطانى " فأوعز إلى "الحكومة المصرية" بعقاب  "محمد فريد" بالنفى إلى "الصعيد" ولم يرضخ ـ فريد ـ للقرار، واستقال من النيابة وافتتح لنفسه مكتبا للمحاماة.

ويقول محمد عطية الإبراشى فى كتابه الذى حمل عنوان "محمد فريد" الصادر عن مكتبة الأنجلو المصرية:

ـ كان أبناء "الذوات" فى ذلك العهد يأنفون من الاشتغال بالمحاماة، ولكن "محمد فريد" ضرب لهم المثل فى القدوة الحسنة، فالرجل الشريف يستطيع أن يعيش شريفا فى كل وقت.

وفى الفترة ذاتها، قابل "محمد فريد" ـ فى باريس ـ الزعيم الثائر "مصطفى كامل" وتعاهدا على خدمة الوطن حتى الممات، وأول عمل شرعا فيه هو إصدار صحيفة أسبوعية ناطقة بالفرنسية والألمانية لشرح القضية الوطنية المصرية للشعوب الأوربية، وفى العام 1907 سافر "مصطفى كامل" إلى أوربا وأناب عنه "محمد فريد" فى إدارة صحيفة "اللواء" الناطقة بلسان حال "الحزب الوطنى" وكانت تصدر منها ثلاث نسخ بلغات ثلاث "العربية، الفرنسية، الإنجليزية" وبعدها أوصى "مصطفى كامل" باختياره رئيسا للحزب من بعده، وكان "محمد فريد" ينفق على الحزب بسخاء من الثروة الضخمة التى ورثها عن والده "الباشا" الثرى.

 الحزب الوطنى

كان التحول النفسى والعقلى الذى جعل "محمد فريد" يستقيل من "النيابة العامة" احتجاجا على الظلم البريطانى، وعدم احترام "القانون" وتحكم "المصلحة العليا" لدولة "بريطانيا العظمى"، فى مصائر المصريين، هو نفسه الذى جعله يلتحق بالحزب الوطنى، وهو الحزب الذى كان أعضاؤه من الأفنديات والتجار، والمتعلمين من سكان المدن، وكان رحيل الزعيم "مصطفى كامل" فى ريعان الشباب، كارثة وصدمة أصابت هياكل "الحزب" ولجانه، لكن "محمد فريد" كان الداعم المالى للحزب، وكان "العقل التنظيمى" الذى منح الحزب فرصة اكتساب أرض جديدة، بالتوجه إلى العمال و"الصنايعية" والفلاحين، رغم أنه السياسى الوحيد الذى ليس من أصل فلاحى، لكن الحس الإنسانى الذى تمتع به، جعله يسعى لتحويل "الحزب" إلى حزب شعبى، من خلال عدة خطوات، منها افتتاح "المدارس الليلية" فى الأحياء الوطنية "الشعبية"، وهذه المدارس كانت تستقبل "الصنايعية" وتدرس لهم بالمجان، واستطاعت محو أمية الكثيرين منهم، فى حى "بولاق" وغيره من الأحياء، بل إن الحزب الوطنى افتتح عدة مدارس "ليلية" فى المديريات، بعيدا عن "القاهرة" و"الإسكندرية" وقال "محمد فريد" فى خطاب له ألقاه فى السابع من يناير من العام 1910:

ليصبح الصانع والمزارع فى مأمن من الفقر والتكفف عند الشيخوخة أو المرض، يجب فتح المدارس الليلية فى المدن والقرى، لتعليم ـ المزارعين والــصنّـاع ـ حـقــوقــهم وواجبـــاتهــم، وتفهيمهم أهمية "النقابات" وشركات التعاون، ولقد بدأ حزبنا المبارك فى تنفيذ هذه الفكرة، فأنشأ فى العاصمة أربع مدارس للصناع فى أقسام: الخليفة وبولاق وشبرا والعباسية، تحوى كل منها مائة وعشرين تلميذا من حرف مختلفة وصناعات متباينة، فنجد النجار بجانب صانع الأحذية، وقاطع الأحجار يكاتف الطبّاخ، وهكذا، وكلهم متشوقون للتعليم، باذلون جهدهم فى التحصيل، حتى إن "التلميذ" منهم ليتمكن من القراءة والكتابة فى أقل من ستة شهور، وقد انتشرت هذه الحركة فى مدن القُطر وقراه، بفضل المخلصين العاملين من رجال "الحزب الوطنى"..

ولم يكن على هوى "الخديوعباس حلمى الثانى" و"غورست" المندوب السامى البريطانى، اختيار "محمد فريد" رئيسا للحزب الوطنى، وفى ليلة انتخابه ألقى ـ فريد ـ كلمة تأبين للراحل الزعيم "مصطفى كامل" قال فيها:

ـ أيها الرئيس الغائب بجسمه، الحاضر معنا بروحه، قد سمعنا قولك، وانتصحنا بنصحك، فاجتمعنا اليوم لنبرهن للعالم أجمع على أن عملك دائم بإذن الله، وأنّا سائرون فى الطريق التى فتحتها أمامنا، ضحيت بزهرة شبابك فى تمهيدها، فنم فى أمان الله ورضوانه..

وبعدها أرسل برقية إلى وزير خارجية بريطانيا فى لندن قال فيها:

ـ جناب السير "إدوارد جراى" وزير خارجية إنجلترا بلندن.. الجمعية العمومية للحزب الوطنى، انتخبتنى رئيسا بدل المرحوم "مصطفى كامل باشا"، وكلفتنى أن أجدد احتجاجها على احتلال القُطر المصرى بلاحق، وتُعلِن عزمها على السير فى خطة المرحوم الرئيس حتى تفى إنجلترا بوعودها..

وطلب "الخديو عباس حلمى الثانى" مقابلة "محمد فريد"، استدعاه إلى قصر عابدين، وهنأه بثقة أعضاء الحزب الوطنى فيه وقال له:

ـ إن وجود مثلك على رأس الحركة الوطنية مفيد جدا، لأنك لست محتاجا ولا طالبا للمال، ولأنك من أسرة خدمت البلاد، ووالدك كان مشهورا بالثقة والصدق والإخلاص، ولا يمكن للإنجليز أن يقولوا عنك إنك طالب شهرةٍ أو مالٍ أو وظيفةٍ..

ثم سأله عن الصحف التى تصدر عن الحزب الوطنى، فأخبره بأنها منتظمة فى الصدور، وعرض عليه ـ الخديو ـ تقديم دعم مالى، ورفض "محمد فريد" قبول هذا الدعم، حتى تكون الصحف حرة، غير خاضعة لرغبات الخديو، لأنه كان يعرف عنه أنه يشترى الناس بالمال، واختارـ زعيم الحزب الوطنى ـ أن ينفق من ماله الذى ورثه عن والده، ليبقى الحزب حُرّا، وبمرور الأيام تبين للحركة الوطنية أن التناقض الذى كان بين "مصالح الخديو" ومصالح "كرومر" المندوب السامى البريطانى، انتهى بمغادرة "كرومر" وحضور"غورست" الذى رأى أن الخطة السليمة للتفرقة بين "عباس" و"الحركة الوطنية" يجب أن تقوم على منح "عباس" مساحة للحركة، وهذه المساحة تمثلت فى إطلاق يده فى التصرف فى أراضى "الأوقاف" ومنح "الرتب والألقاب" وباع "الخديو عباس" كل المعانى النبيلة التى تظاهر بها، وضاعف "ثروته" من بيع الأراضى وبيع الرتب والألقاب..

 مؤامرات خديوية

بعد أن انتهى اللقاء الذى جمع بين "الخديو" و"محمد فريد"، وبعد رفض "فريد" تلقى التمويل من الخديو، بدأت "مؤامرات خديوية" ضد الحزب الوطنى، وضد رئيسه الجديد، وكتب محمد فريد فى مذكراته:

رفضتُ عرضه، لكى لا أُصبح مجرد أسير له، وترتب على هذه المقابلة أن "الخديو" أدرك أننى لست واحدا من أولئك الذين يمكن أن يطيعوا أوامره بلا تفكير، وهكذا بدأ التآمر ضدى، فى حين كان يتظاهر بالود.

ومن هذه المؤامرات ـ الخديوية ـ محـــاولــة إحــداث شقــــاق بيــن "على فهمى" ـ شقيق مصطفى كامل الأكبر وعضو الحزب الوطنى ـ وبين محمد فريد، وتم التغلب على هذه المحاولة، وانتخب الجميع "محمد فريد" رئيسا للحزب، ثم مؤامرة "إضراب عمال مطابع اللواء" حتى لاتصدر فى موعدها وهى الجريدة التى تزعج المندوب السامى البريطانى، وحليفه "الخديو" ولكن طلبة المدارس العليا، جاءوا إلى مقر المطبعة وعملوا فى "صفّ الحروف" وأنقذوا الموقف، وصدرت "اللواء" فى موعدها، وأنهى العمال المضربون إضرابهم، وفشلت المؤامرة، ومضى الحزب فى طريقه النضالى، وتوسع فى الحركة، وكان من ثمار نشاطه السياسى، طباعة آلاف النسخ من "عريضة" تحتوى على مطلب وحيد هو عودة "الدستور" الذى كان فى زمن "الثورة العرابية" وألغاه الإنجليز، بعد سقوط "مصر" فى قبضتهم، بمباركة من "الخديو توفيق" والد "الخديوعباس حلمى الثانى" وهذه العريضة، وقعها آلاف المواطنين فى القرى والمدن، وسلمها "محمد فريد" إلى "قصر عابدين"، ولم يكتف بذلك بل خطب خطبة قال فيها:

ـ إننا لانطلب الدستور من إنجلترا، بل نطلبه من حاكم البلاد الشرعى، وإذا كان لايستطيع منحنا مجلسا نيابيا إلا بعد استشارة بريطانيا، وكان قبولها شرطا واجبا، فنحن نعلن جهارا أننا نفضل عدم الحصول على الدستور مؤقتا، على أن نأخذه بهذه الصفة التى يكون من ورائها القضاء على استقلال البلاد..

وكان "الخديو عباس حلمى الثانى" عاد من "اسطنبول" بعد إقامة طويلة، وجعل "الشاعر أحمد شوقى" الناطق الرسمى  باسمه، يقول ما معناه إنه لايستطيع إحداث تغيير فى "الحكومة" دون موافقة بريطانيا، وكان هذا التصريح إعلان خضوع من جانب "الخديو" لسلطة الاحتلال البريطانى، ولــم يسكــت "محمد فريد" بل رد على ـ  التصريح الخديوى ـ بمقال فى جريدة "اللواء" ذكر فيه أن "الخديو" استقوى بالحركة الوطنية حتى يتمكن من إزاحة "كرومر" ـ المندوب السامى الذى كان لايعترف بالخديو ولا يمنحه الاحترام الكافى ـ ولما غادر "كرومر" وحل محله "غورست" واختلفت سياسته عن سلفه، استغنى "الخديو" عن الحركة الوطنية، وتوالت مقالات "محمد فريد" على صفحات "اللواء" ووقعت القطيعة بينه وبين "الخديو"، ومن ناحيته أعلن ـ الخديو ـ ولاءه التام لبريطانيا، فاختار "بطرس غالى" صديق الاحتلال وجعله "رئيس النظار" بدلا عن "مصطفى فهمى"

 الزعيم فى السجن

كتب "محمد فريد" مقدمة لديوان شعر حمل عنوان "وطنيتى" من تأليف الشاعر "على الغاياتى" وجاء فى هذه المقدمة:

ـ لقد كان من نتيجة استبداد الفرد، سواء فى الغرب أو فى الشرق، إماتة الشعر الحماسى، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح على وضع قصائد المدح البارد، والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء، وابتعادهم عن كل ما يربى النفس، ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال..

وبموجب قانون "المطبوعات" الذى أحياه الإنجليزـ وهو ضمن قوانين قمعية صدرت  بهدف التصدى للثورة العرابية وصحفها الثورية، أصبح "محمد فريد" مجرما ومطلوبا للعدالة، وهو فى تلك الفترة كان مقيما فى أوربا، يتنقل من مدينة إلى مدينة، ومن عاصمة إلى أخرى يشرح قضية مصر التى تئن تحت قبضة الاحتلال، ورجع "محمد فريد" وكانت ابنته "فريدة" هى التى طلبت منه العودة، وتحمُّل مرارة السجن، حتى لايتهمه أحد بالخوف والفرار من الميدان، وكان محمد توفيق نسيم هو من دبر "التهمة" وحكم على "محمد فريد وعلى الغاياتى وعبدالعزيز جاويش" بالسجن، وقضى ـ الزعيم ـ ستة شهور فى السجن، بسبب مقدمة كتبها لديوان شعر، ونقل الكاتب "محمد عطية الإبراشى" فى كتابه الذى حمل عنوان "محمد فريد" وأصدرته مكتبة الأنجلو المصرية، تفاصيل حوار بين "كولس باشا" مدير السجون، والسجين "محمد فريد"..

ـ هل هناك ما تشكو منه يا حضرة الرئيس؟

ـ ليس عندى ما أشكو منه والحمدلله

ـ هل أستطيع أن أهيئ لك بعض أسباب الراحة؟

فأبدى له "محمد فريد" بعض ملاحظات أجابه إليها، وقال "كولس باشا" مخاطبا محمد فريد:

ـ ألا ترى يا حضرة الرئيس أن من كان فى سنك يحتاج إلى الراحة فى بيته، بدلا عن التشريد فى السجون؟

ـ لابد للمجاهدين من التشريد والسجن والتعذيب..

ـ ولكن فى إمكانك أن تتقى كل هذه المتاعب لو خلدت إلى السكينة، وغيّرت خطتك، وحينئذ نخلى سبيلك، وتعود إلى بيتك وأبنائك.

ـ إن ما تطلبه مستحيل.

ـ أنت تريد قضاء الشهور الستة كلها فى السجن..

ـ نعم وأزيد عليها يوما إذا أردتم..

وبعدها بأيام جاء مندوب "الخديو" يعرض على "الزعيم" إصدار عفو عنه، فرفض العرض، ومضى فى طريق النضال وهو أقوى من ذى قبل، حتى كان يوم "الجمعة 22مارس 1912" وهو يوم اجتماع الجمعية العمومية للحزب الوطنى، فى دار "العلم" ـ جريدة من جرائد الحزب ـ وألقى الزعيم البطل خطبة قوية، ندد فيها بالاحتلال وأصدر المؤتمر قراراته ومن أهمها:

تجديد الاحتجاج على الاحتلال وإرسال برقية بذلك إلى وزير خارجية إنجلترا

المطالبة برد "الدستور" إلى الأمة وإرسال برقية إلى الخديو بذلك.

وبعدها استدعت النيابة "محمد فريد" للتحقيق معه بشأن بعض الفقرات، تضمنها خطابه فى اجتماع الجمعية العمومية للحزب الوطنى، واعتبرتها الحكومة تحريضا عليها، وهنا أدرك ـ الزعيم المناضل ـ أنه مستهدف تحويله إلى سجين دائم، بهدف القضاء على الحركة الوطنية، فقرر الهجرة إلى أوربا، وغادر ـ الزعيم ـ منزله فى يوم الثلاثاء 26مارس 1912 بعدما ودع زوجته ولم يشأ أن يزعج أولاده بقسوة التوديع والوداع، وقضى سنوات غريبا فى أوربا، ومات هناك فقيرا وحيدا، وتبرع "الحاج خليل عفيفى" التاجر بمدينة الزقازيق بنقل جثمان الزعيم من "برلين" إلى القاهرة على نفقته الخاصة وقضى أربعة أشهر فى رحلته وعـاد ومعــه الجثمــان الطــاهر فـــى يوم 8 يونيو 1920.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات