أندية المكابي اليهودية أسهمت في إسقاط الخلافة العثمانية 600 عضو مكابي حاربوا مع قوات الحلفاء في الحرب العالمية أندية المكابي مارست الاستيطان الرياضي ضد الشعب الفلسطيني
بعد أن تناولنا كيف بدأت الحركة الصهيونية العالمية في الاستفادة من الرياضة، وكيف كان مؤسسو الحركة الصهيونية يفكرون في تحقيق أهدافهم الاستعمارية من خلال نظرية «العضل الصهيوني»، نحاول أن نتناول في السطور التالية كيف قام منظرو الحركة الصهيونية ومؤسسوها بترجمة نظرية «العضل» إلى واقع ملموس وإلى كيانات واقعية على الأرض، وكان أول ما قاموا به وبذكاء شديد استدعاء الأحداث التاريخية والأساطير الدينية من سباتها العميق عبر آلاف السنين، وأزالوا من عليها ركام الزمن ليقدموها في ثوب عصري جديد للشباب اليهودي لجرهم جرا للانتماء لحركتهم الداعية إلى إنشاء وطن قومي لهم على أرض مغتصبة ليس لهم أي حق في شبر واحد منها..
ومن بين الأحداث التاريخية أو الأساطير الدينية التي تم استدعاؤها لتحقيق هذا الهدف الذي في ظاهره الرياضة وفى باطنه الاستعمار، أسطورة يهوذا المكابي (Jehuda HA Makabi)، وهو ذلك البطل القومي اليهودي الذي قاد ثورة تسمى في كتب التاريخ والأساطير اليهودية باسمه «الثورة المكابية»، حيث خلف يهوذا هذا والده الذي كان كاهنا ويدعى متاتيا بن سمعان، وهو كبير قبيلة الحموشيين، والذي وقف في وجه الظلم والاستبداد الإغريقي من الحكام السلوقيين وملكهم أنطيوخوس الذي هاجم المعتقدات اليهودية ودنس الهيكل المقدس، فما كان من الكاهن متاتيا بن سمعان إلا أن قاد ثورة شعبية على ظلم أنطيوخوس، وشكل جيشا قاده من بعده ابنه يهوذا الملقب بالـ«مكابي» أو المطرقة، وذلك لقوته الجسدية المفرطة. وقام هذا الجيش بتطهير الهيكل وتحطيم الأوثان الإغريقية وختان كل الأطفال اليهود. وقد نجح يهوذا المكابي في قيادة الجيش اليهودي لتحقيق عدد من الانتصارات التاريخية التي ترقى لحد الأساطير العسكرية، حيث تقول الموسوعة اليهودية «..واقتفى يهوذا المكابي أثر والده، وكللهم إيلوهيم إله إسرائيل بالنصر في كل الحروب التي خاضوها، فهزم أبولونيوس والي السامرة وذبحه، كما هزم بجيشه الصغير جيشا كبيرا جرارا بقيادة سيون نائب بطليموس ماكرو والي سوريا، فجمع أنطيوخوس أكثر من 40 ألفا من المشاة وسبعة آلاف من الفرسان لمحاربة اليهود، ولم يكن عند يهوذا المكابي سوى ستة آلاف محارب، لكنه فاجأ جيش الآشوريين وهزمه شر هزيمة. وكان يهوذا المكابي مدربا على الحروب، ماهرا في القيادة، مخططا جيدا للمعارك، وفى السنة التالية هزم جيشا مكونا من ستين ألفا من المشاة وخمسة آلاف من الفرسان. وبالانتصار الأخير أصبحت أرض يهوذا وإسرائيل في قبضته، فنقى الهيكل من الأصنام والأرجاس التي وضعها الرومان وغيرهم، وأمر بإقامة الاحتفالات ثمانية أيام متواصلة، ثم هجم على الحامية الآشورية في جبل صهيون لكنه لم يتمكن من الاستيلاء عليها، ومن أعماله أنه حصن الهيكل وبيت صور بالقرب من أورشليم، ثم اتجه إلى الأمم الوثنية التي كانت تعتدي على أرضه فهزمها مرات عديدة مع أخيه سمعون وأخيه جوناثان..».
وبالطبع لم يجد منظرو الحركة الصهيونية أفضل من هذا البطل «المكابي» لكي يكون قدوة للشباب الصهيونى، وليطلقوا اسمه «المطرقة» على أنديتهم التي أنشئت لكي يفتل فيها الشباب الصهيوني عضلاتهم، ويبنوا أجسادهم، وهم يستدعون قصة ذلك البطل الأسطوري المفتول العضلات الذي ضرب بقبضته القوية الأشبه بالمطرقة الحديدية كل أعداء اليهود.
وتقول كتب التاريخ الرياضي الإسرائيلي إن أول إشهار منظم وعلني لأندية المكابي كان تحت عين وبصر Jehuda HA Makabi، وفي «حاضرة الإسلام» أو إسطنبول في عام 1883، وقبل المؤتمر الصهيوني الأول بأربع سنوات، وفى نفس عام وفاة السلطان عبد الحميد (1918).. وبنهاية الحرب العالمية الأولى التي هزمت فيها تركيا العثمانية وصل عدد أندية المكابي - بحسب المصادر الصهيونية - إلى أكثر من مائة ناد، لم يقتصر دورها على النشاط الرياضي فحسب بل تم تحويلها إلى أندية كشافة ذات برامج صهيونية محددة، بل وقامت بعمل تشكيلات عسكرية ضد الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى التي كانت مقدمة طبيعية لسقوط الخلافة العثمانية في عام 1924، حيث تشير الموسوعة الصهيونية إلى أن دور أندية المكابي في فلسطين لم يتوقف عند حد الاعتراف باللغة العبرية ونشرها، وبمجال النشاط العمالي والدفاع عن النفس بين الأوساط اليهودية، بل امتد كذلك لتجنيد نحو ستمائة عضو من أعضاء هذه الأندية في الفيلق اليهودي الذي قاتل في الحرب العالمية الأولى تحت لواء الحلفاء، وتحديدا ضمن صفوف الجيش الإنجليزي. ولم تكتف أندية المكابي بذلك، بل إن عددا من الباحثين في تاريخ الحركة الصهيونية يؤكدون على أن هذه الأندية كانت تعمل كستار مخابراتي بدول العالم، خاصة العربية منها، لصالح الوكالة اليهودية، وأسهمت بدور فاعل في حركة الهجرة الصهيونية إلى أرض فلسطين.
ويرصد الدكتور عصام الخالدي في كتابه «تاريخ الحركة الرياضية في فلسطين» كيفية احتلال الحركة الصهيونية لفلسطين رياضيا، قبل أن تحتلها عسكريا وسياسيا، وكيف نجحت أندية المكابي في القيام بأول عملية استيطان رياضي في تاريخ الرياضة العالمية من قبل الحركة الصهيونية العالمية لأرض فلسطين، حيث يقول الدكتور الخالدي في كتابه: «لقد كان من الأمور المهمة التي سعى لها المكابي منذ العشرينات الظهور على الساحة الدولية وتمثيل فلسطين من خلال العديد من الاتحادات الدولية. وكانت الخطوة الأولى من أجل ذلك هي لقاءاته مع ممثليه من الأندية اليهودية في أوروبا، فهو بذلك يستطيع أن يتدرب من خلال تباريه معها ليصل إلى مستوى دولي، كما يستطيع أيضا أن يوثق الروابط (القومية) مع هذه الفرق. وكانت دعوة المكابي للفريق اليهودي في النمسا (فيينا هكواه) أعوام 1923 و1924 و1925 إلى فلسطين أكبر دليل على ذلك. وقد رفع الفريق الضيف العلم الصهيوني أثناء المباريات، مما أدى إلى احتجاج العرب على ذلك (خاصة بعد مباراة أقيمت في 12 يناير عام 1925) بأن أرسلت اللجنة التنفيذية للجمعية الإسلامية المسيحية رسالة إلى المندوب السامي تعلن فيها رفضها لهذه الممارسات، حيث تساءلت: هل يحق رفع الأعلام بمقتضى القوانين المحلية التي صدرت عام 1920؟ ومن المعلوم أن الانتداب البريطاني كان قد منع الأعلام أو الشعارات لأي هدف وطني. ولم يكن رد المندوب السامي على هذا الاحتجاج (الذي نشرته صحيفة «Palestine Bulletin» الصهيونية في 24 مارس 1925) إلا الإشارة إلى أن هذه الأعلام التي رفعت كانت تمثل نادي (هكواه) ولم تكن تمثل العلم الصهيوني، فألوان علم (هكواه) كانت مطابقة للعلم الصهيوني، مشيرا إلى أن (هكواه) ليس دولة بل هو ناد، فعلمه لا يمثل العلم الصهيوني، كما أن هذا العلم لم يرفع بهدف مظاهرة سياسية ووطنية، لذلك فهو لم يخرق القانون.
وقد حاول المكابي في فلسطين الانضمام إلى الاتحاد الدولي للرياضيين الهواة في عام 1924، وكان قادته قد أرسلوا وفدا إلى المؤتمر الدولي لألعاب القوى، وكان الهدف من ذلك إيجاد سبل من أجل التعاون بين (أرض إسرائيل) والحركة الأوليمبية. وقد قوبل طلب المكابي بالرفض لأن المؤتمر لم ير في المكابي ممثلا لدولة مستقلة. كما سعى المكابي إلى تمثيل فلسطين كبلد مستقل في اللجنة الأولمبية الدولية، لأن مشاركته على حد زعم قادته كانت ستصبح مؤشرا لإعادة إحياء الوطن القومي، ومن أجل أن يرى اليهود لأول مرة العلم الأزرق والأبيض يرفرف عاليا. لكن طلب المكابي قوبل بالرفض، وهذا ما جعل قادة المكابي يفكرون في إقامة مهرجان رياضي في فلسطين يستطيع أن يلفت أنظار العالم إلى وجود الرياضة الصهيونية».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...