أديب نوبل تعامل مع السرد كما لو كان مجالًا لمناقشة فلسفة الفن الأغنية عند محفوظ هى المعادل الروحى لمسار الشخصية
من يقرأ أعمال الأديب العالمى نجيب محفوظ يدرك أهمية هذا الكتاب "الغناء والطرب فى أدب نجيب محفوظ"، الصادر عن "بيت الحكمة"، لأنه بحث حى وكاشف عن إحدى سمات معظم أعمال محفوظ، فقد احتفى دائما بالأشعار والأغانى وأشار إلى مطربى الأفراح فى زمنه وخلال حكيه البديع، ولذلك فهذا الكتاب بحق إضافة مهمة للمكتبة العربية، فالكتاب بمثابة معجم للأغانى عند نجيب محفوظ، وآخر لأبيات الشعر الواردة فى قصصه ورواياته، لتكون دليلا يستأنس به قارئ محفوظ ومحفزا لمزيد من الدراسات لأعمال أديبنا، ولاشك أن سردية محفوظ كلها اكتسبت فى ثقافتنا العربية روح الغنائية التى تتردد فى الذاكرة والمخيّلة. وكما يقول المؤلف فى مقدمة كتابه "تمنحنا وهجا يساعد شعورنا على استقبال معطيات عالمنا المتغيّر، بخبرة المحب الذى يشفق على البشرية من طموحها وضعفها، فقد استمع إلى صوتها المشحون بالشجن وهى تسير فى رحلتها الطويلة، مهما أدركتها الغفلة وألهاها النسيان، فصوت الإبداع هو نداء البشرية العابر لأطلال العصور".
يقول الروائى على قطب مؤلف الكتاب: موضوع الغناء والطرب محور مهم فى فهم علاقة نجيب محفوظ بالواقع المصرى، لأن الغناء تمثيل لوجدان شعب بجمالياته وأفراحه وطرق تعبيره وتفاعله مع الحياة، ونجيب محفوظ معروف بأنه صاحب مدرسة فى السرد الفكرى أو الفلسفى مع محليته الشديدة، لكنه مستوعب تماما طرق السرد فى الرواية الغربية، ويعمل على ترسيخ هذه الطرق فى الرواية العربية، وفى الوقت نفسه يضع فى السرد أفكاره، فنجيب خريج فلسفة، وكتب عن معظم فلاسفة العالم من قبل سقراط حتى القرن العشرين فى مقالات نشرها فى البدايات، فنجيب محفوظ يعبر عن الروح المصرية بالفعل، أو يتخذ ملامح الحياة فى مصر مادة لتأسيس رواية محلية بمعايير الرواية العالمية، والتعبير عن أفكاره المجردة.
ويكمل قطب: من هذه الفكرة تولدت دراسة الغناء والطرب عند نجيب محفوظ، لأن الغناء فى المجتمع موضوع خاص جدا بالبيئة، لا يعكس الفلسفة العالمية، ولا يطرح الأفكار المجردة، فكان تفكيرى فى دراسة هذا الموضوع، لمعرفة علاقة نجيب بالروح المحلية الحقيقية، روح شعب، تظهر فى أغانيه وموسيقاه، بخاصة فترة تكوينه، لأنها واكبت ظهور الروح المصرية فى الأغانى عند سيد درويش وبديع خيرى ويونس القاضى، وتطورت هذه الروح مع جيل زكريا أحمد وعبد الوهاب وأم كلثوم. وتركت آثارها فى نجيب ابن الحارة والحسين، ومحب الفن الشعبى بمحليته، ووضع هذا الفن فى خريطة العالمية، فحصوله على نوبل ليس تقديرا للفن السردى فقط، بل هو تقدير للفن العربى بكل أشكاله بما يحويه من موسيقى وأغان وفن تشكيلى، فقد عبر عن هذا كله فى سرده. فقد استطاع أن يصنع من هذا الطقس نماذج درامية تساعد على تحويل الرواية إلى دراما.
وعن كواليس العمل فى هذا الكتاب يضيف: كان لا بد من قراءة نجيب محفوظ كاملا، وجمع المادة الغنائية من الروايات والقصص، بالإضافة لمتابعة التحويل الدرامى للأعمال، وكانت المحصلة أننى سمعت قرنا من الفن، وكان لنجيب الفضل فى ذلك.
ويصف المؤلف الكتاب قائلا: هذا سعى لرصد دور الغناء فى أعمال نجيب محفوظ، يضع فى حسبانه توظيف الشعر فى القصص والروايات أيضا، لما يمنحه الشعر من غنائية تسرى فى كيان النص السردى المنطلق، كما يسير الطريق بالقافلة التى تضم الأحبة والغرباء فى الذهاب والإياب، فإذا كان الحادى هو الذى يحث الإبل على السير فى صفاء البيداء وعتماتها، فيغرس فى نفوس شبابها وفتياتها فسائل الوجد، ويثير لدى كهولها وشيوخها الشجن الذى يستعيد من "سكرية" الذاكرة سيرة الحب، فإن الغناء عند محفوظ هو ذاك الحادى الذى يحرك قافلة السرد بكل عناصرها الدرامية المتشابكة التى يكرسها نجيب محفوظ لاكتشاف فلسفة الحياة، مع حرصه على أن يرى متأمل تلك القوافل السردية صورة صادقة للعالم الذى رآه المبدع منذ بداية وعيه، بل صورة العالم الذى تخيّله من واقع معايشته الذهنية لتاريخ بلاده من مينا إلى السادات، هؤلاء الذين وضعهم للمساءلة أمام العرش فى إحدى سردياته التى انصهر فيها المرجعى والمتخيّل مواكبا روح الواقعية السحرية.
يكشف الكتاب عن الكثير من الأغانى والأشعار وقصائد المديح فى أعمال محفوظ مثل مقطع مستلهم من أغانى العمال، يقول:
نحن رجال الجنوب نأتى مع مياه النيل،
من تلك الأرض التى اختارتها الآلهة سكنًا والفراعين،
نسوق بين أيدينا الخصب العميم والعمران.
انظر إلى المدن العامرة والمعابد ذات العمدان،
كانت — قبلنا — خرائب تأوى إليها الأوابد والغربان.
إنَّ الصخر لنا يلين ويذعن، وكذا الماء الجبَّار.
سَلْ عن بأسنا قبائل النوبة وطور سيناء.
سَلْ عن جهادنا زوجاتٍ ينتظرْنَ فى وحدةٍ وعفاف.
ومن المديح
"يكسو القطرين حلة خضراء هو الغذاء وفى فمه الخير"
يعمل الكتاب على أكثر من محور، الأول معالجة موضوعية لظاهرة الغناء فى السرديات المحفوظية، يعرض ما خصصه نجيب محفوظ من مساحات فى إبداعه للحديث عن الفن الغنائى وتطوره وطرائقه، وهذا المحاور ينطلق من فرضية ترى أن مبدعنا يتعامل مع السرد كما لو كان مجالا لمناقشة فلسفة الفن، وهنا يقترب نجيب محفوظ من أفلاطون فى محاوراته التى عالج فيها كثيرا من القضايا الحضارية، ومن يقرأ أعمال أديبنا لا يمكن أن يغفل لحظة واحدة عن انتماء محفوظ إلى الفلسفة، بحكم دراسته الجامعية العميقة، بخاصة أن الجامعة المصرية وقتها كانت فى أوج توهجها واتصالها بحركة الفكر العالمى، وقد بدأ محفوظ حياته الثقافية والمهنية بكتابة مقالات عن أعلام الفلسفة والاتجاهات الفكرية، ونشر تلك المقالات فى المجلة الجديدة التى كان يديرها سلامة موسى فى ثلاثينيات القرن العشرين، ومجلة المعرفة المصرية، وكانت مقالاته تنشر فى الأعداد التى ينشر فيها مصطفى عبد الرازق ومحمد فريد وجدى ومنصور فهمى وعثمان أمين، ولم يكن نجيب قد بلغ العشرين من عمره حين كتب فى المجلة الجديدة مقاله "احتضار معتقدات وتولّد معتقدات" فى أكتوبر 1930م، وهذا العنوان مؤشر لاستراتيجية محفوظ الفكرية التى تبلورت فى رواياته وقصصه، تلك الاستراتيجية التى تتأمل حركة العالم الكلية عبر الزمان، وهى تواكب التطور الذى يدفع البشرية فى اتجاه التحضّر، ستظهر تلك النظرية الكلية لتطوّر البشرية فى زقاق المدق وخان الخليلى وبداية ونهاية والثلاثية (بين القصرين/ قصر الشوق/ السكرية) و"الباقى من الزمن ساعة"، ولكنها تعلن عن نفسها بوضوح فى "حديث الصباح والمساء" التى يرتفع فيها إيقاع السرد ليحرك عجلات الدراما الروائية فى مائتى عام.
ويهمنا فى مقالات محفوظ دارس الفلسفة فى المجلة الجديدة ما خص به الفيلسوف الفرنسى برجسون صاحب الوجهة الروحية بمقال فى عدد أغسطس 1934م، فهناك خط جمالى واضح بين الاتجاه الروحى فى الفلسفة والفن بخاصة الغناء والشعر.
ويقول قطب: فى المحور الثانى نتأمل الغناء داخل البنية الدرامية للعمل القصصى أو الروائى، إن الأغنية مفتاح إدارة الحركة السردية، فهى صوت يتردد على موجة الصراع الدرامى الداخلى فى مونولوجات الشخصيات والخارجى فى علاقات هذه الشخصيات سواء أكانت تلك العلاقات توجها نحو التواصل أو مؤشرا للصراع، ويصل استخدام الأغنية عند محفوظ لتكون المعادل الروحى لمسار الشخصية، بالإضافة لدلالة الأغانى والموسيقى والأشعار على التكوين الثقافى للشخصيات ومحيطها الاجتماعى وموقفها من الحياة، وللشعر أهمية فى خطاب محفوظ القصصى والروائى، سواء أكان استخدامه لمحاكاة نص سردى له قيمة خاصة فى التراث الأدبى، أم لاستحضار تجربة تاريخية قارئة لتجربة عصرية، أم للإشارة إلى تشكيل الذات الباحثة عن اليقين، لصيغة يتجلّى فيها سعيها الروحى نحو الحقائق المضمرة فى تجربتنا البشرية من الجذور إلى مستحدثات العصر المحفوظى.
ويكمل: يتخذ المحور الثالث طابع النظر اللغوى عند محفوظ الذى يكتب كل حرف بوعى تتضافر فيه الحسية والذهنية والحدسية، والأغانى فى هذا المجال صورة لغنائية الأسلوب المحفوظى نفسه فى تعامله الشعرى مع لغة السرد، وهذا التعامل لم يخفت مع تطور النظرية السردية عند نجيب محفوظ، بل ظل يتصاعد ليصل إلى أعلى درجاته فى الكتابات الأخيرة، وكأن النفس فى اقترابها الأخير من خط النهاية تتصاعد روحها لتسكن كل متحرك وساكن فى أبجديتها الفنية، وهكذا كان الخطاب السردى عند نجيب محفوظ ملتمسا من الغنائية دعما أسلوبيا يدل على الروح الشرقية لهذا المبدع العالمى.
ويقول المؤلف فى مقدمة عمله: "كان علينا أن نقرأ أعمال نجيب محفوظ الإبداعية فى القصة القصيرة كاملة، وأن نستنير بمقالاته الفكرية، بخاصة التى تنحو إلى الفلسفة حين أعلن عن نفسه كاتبا مجددا حرا، كما فعل كمال عبد الجواد فى الثلاثية، حين رأى أن المعلم هو صوت الإنسانية وضميرها، وكان نجيب محفوظ معلما اتخذ من فن السرد أداة العرض الفعال لأفكاره المستنيرة بكل ما فيها من عمق يستحق التواصل والتأمل مع تجدد المناهج والخبرات، وما أحوج المكتبة العربية لدراسات متنوّعة بصدد السردى المحفوظى الذى لا تفارقه الجدة ولا يسقط بالتقادم.
يكشف الروائى على قطب عن متعته خلال عمله على الكتاب فيقول: وربما كانت رحلة قراءة نجيب محفوظ هى المتعة الحقيقية التى مرت بها هذه القراءة، تماما كما كانت متعة بطل نجيب محفوظ الذى مضى يبحث عن شخصية إخناتون فى رواية "العائش فى الحقيقة"، فعاد ليخبر أباه بنتائج رحلته، لكنه أخفى عنه حبه للفن والجمال، الفن فى ترنيمة إخناتون والجمال فى سحر نفرتيتى المصرية، وما لم يقله البطل فى الرواية لأبيه قاله نجيب محفوظ فى كل أعماله، تاركا للقراء متعة الرحلة فى اكتشاف الهوية السردية والروحية لذاك الصوت الذى يمكن أن نقول عنه إنه إخناتون السرد المصرى، وأن ما كتبه فى أعماله الإبداعية يوازى ما أنشده إخناتون من أناشيد تتردد فى وجدان الإنسانية، وتبحث لها عن منشدين فى تاريخ حارتنا الكبيرة مهما التوت سبلها وضاقت مدقاتها، ففى صوت مبدعيها تنطلق مشاعرها ليجد فيها الباحثون عن الحقيقة قبسا من جمال الروح والعقل والسرد المشحون بموسيقى الحياة، إنها النوتة التى كتبها نجيب محفوظ للبشرية، ونظل نلعبها كل بمنهجه ورؤيته وفكره، فى دراسات ثقافية أو استلهامات إبداعية يتجدد بها سردنا العربى الذى وضعه نجيب محفوظ فى الخريطة العالمية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...