تحرير سيناء.. الجيش المصري وإنسانية القوة والدبلوماسية في استرداد الأرض

في كل عام، ومع حلول 25 أبريل، لا يستعيد المصريون مناسبة وطنية عزيزة فحسب، بل يستحضرون معنى مكتملا للسيادة واسترداد الأرض. فهذا اليوم هو يوم تحرير سيناء بعد انسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، ثم جاء استرداد طابا عبر التحكيم الدولي ليؤكد أن الدولة المصرية عرفت كيف تجمع بين البطولة العسكرية، والدبلوماسية الرشيدة، والحجة القانونية، حتى عاد الحق كاملا إلى أصحابه.

المستشار/ حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام

 

ومن هنا، فإن ذكرى تحرير سيناء ليست ذكرى جلاء فقط، بل درس وطني متجدد في أن القوة حين تكون منضبطة بالأخلاق، ومسندة بالحكمة، ومحصنة بالقانون، تصبح أقدر على حماية الأرض وصون الكرامة.

تحرير سيناء وسيادة الدولة في ميزان الدستور

إذا بدأنا من الأساس الدستوري، وجدنا أن المادة 200 من الدستور تنص على أن: "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، والدولة وحدها هي التي تنشئ هذه القوات، ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية. ويكون للقوات المسلحة مجلس أعلى، على النحو الذي ينظمه القانون ."

وهذه المادة تضع مهمة القوات المسلحة في موضع الوضوح الكامل: حماية البلاد، والحفاظ على أمنها، وصون سلامة أراضيها. ومن ثم، فإن تحرير سيناء لا يقرأ فقط بوصفه انتصارا تاريخيا، بل بوصفه تجسيدا حيا لوظيفة دستورية أصيلة تتصل مباشرة بسيادة الدولة ووحدة ترابها الوطني.

ويزداد هذا المعنى وضوحا حين نضع إلى جوار النص الدستوري الحقائق التاريخية الثابتة التي تؤكد أن 25 أبريل أصبح عيدا لتحرير سيناء لأنه اليوم الذي استردت فيه مصر أرضها بعد خروج آخر جندي إسرائيلي، ثم اكتمل استرداد كامل الأرض بعودة طابا إلى السيادة المصرية بعد صدور حكم هيئة التحكيم الدولية في 30 سبتمبر 1988، وتسلم مصر للمنطقة في 19 مارس 1989.

وبهذا المعنى، فإن تحرير سيناء لم يكن حدثا عسكريا منفصلا عن القانون، بل مسارا وطنيا متصلا بدأ بالتضحية، وتواصل بالدبلوماسية، واكتمل بالتحكيم وإثبات الحق.

الجيش المصري وإنسانية القوة في استرداد الأرض

القوة في التجربة المصرية لم تكن يوما مرادفا للقسوة، ولم تكن البطولة عنوانا للاندفاع الأعمى. فالجيش المصري، في معركة استرداد الأرض، لم يقاتل طلبا للتوسع، ولم يحمل السلاح طلبا للهيمنة، وإنما قاتل دفاعا عن وطنه وسيادته وكرامة شعبه.

ومن هنا، فإن عبارة "الجيش المصري وإنسانية القوة" ليست وصفا بلاغيا زائدا، بل تعبير دقيق عن عقيدة عسكرية ترى أن الانضباط الخلقي جزء من شرف القتال، وأن الحرب ليست غاية في ذاتها، بل آخر الوسائل حين يفرض الدفاع عن الحق.

وهذا المعنى هو الذي يمنح ذكرى تحرير سيناء عمقها الحقيقي. فالمسألة لم تكن استرداد خطوط وحدود على الخريطة فحسب، وإنما كانت استردادا لمعنى الدولة التي تعرف متى تقاتل، ولماذا تقاتل، وكيف تضبط استخدام قوتها. والجيش الذي يلتزم بهذه المعاني لا يكتسب احترام شعبه فقط، بل يفرض احترامه أيضا على من يراقب تجربته من الخارج.

لقد كانت المعركة دفاعا عن الأرض، نعم، لكنها كانت أيضا دفاعا عن قيمة عليا هي أن الحق لا يحمى بالفوضى، بل بالشجاعة المنضبطة، والإرادة الواعية، والعقيدة التي تجعل القوة في خدمة العدل، لا في خدمة العدوان.

ولهذا تظل ذكرى تحرير سيناء تذكيرا دائما بأن النصر المصري لم يكن نصرا مجردا من القيم. فقد بقيت أخلاق المؤسسة العسكرية عنصرا أصيلا في صورتها الوطنية، وبقي انضباطها شاهدا على أن الجيوش العظيمة لا تعرف بما تملك من سلاح فقط، بل بما تملك من ضمير.

وفي هذا يكمن سر خلود التجربة المصرية: أنها قدّمت نموذجا لقوة تعرف حدودها الأخلاقية، فلا تنفلت من واجبها، ولا تتجاوز رسالتها، ولا تفصل بين الدفاع عن الوطن واحترام الإنسان.

الدبلوماسية المصرية حين استكملت معركة التحرير

تحرير سيناء اكتمل بالقوة، لكنه ترسخ أيضا بالدبلوماسية. وهذه حقيقة يجب أن تكون في صدارة أي قراءة منصفة لهذه الذكرى. فالمسار المصري لم يقف عند ميدان القتال، بل امتد إلى مسار سياسي ودبلوماسي وقانوني طويل، حتى ثبتت السيادة المصرية على كامل الأرض.

وقد عبّر الخطاب الرسمي المصري عن هذا المعنى بوضوح حين أكدت رئاسة الجمهورية في كلمة بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لتحرير سيناء أن استعادة سيناء ومن بعدها طابا كانت ملحمة وطنية تضافرت فيها جهود مؤسسات الدولة العسكرية والدبلوماسية والقانونية، وقدمت نموذجا يحتذى به في التنسيق بين مؤسسات الدولة لتحقيق صالح الوطن.

وهذا البعد الدبلوماسي ليس تفصيلا يضاف إلى الصورة بعد اكتمالها، بل جزء من الصورة نفسها. فالدبلوماسية المصرية لم تتحرك هنا من موقع التنازل، بل من موقع تثبيت الحق، وصيانة ما تحقق، وتحويل النصر العسكري إلى سيادة قانونية كاملة لا لَبس فيها. ومن هنا تكتسب تجربة طابا مكانتها الخاصة؛ لأنها أكدت أن الدولة المصرية لا تحسن الدفاع عن أرضها فقط، بل تحسن أيضا إدارة ملفها التاريخي والقانوني والدبلوماسي بِحرَفية عالية، حتى حين ينتقل الصراع من الميدان إلى الوثيقة، ومن الجبهة إلى قاعة التحكيم.

وحين ذكرت القيادة السياسية في ذكرى تحرير سيناء عام 2023 إن يوم 25 أبريل يمثل نتاجا نفتخر به لـحرب أكتوبر المجيدة ومسيرة السلام والدبلوماسية الطويلة، كان رئيس الدولة يضع يده على جوهر التجربة المصرية: لا تعارض بين القوة والدبلوماسية حين تكون الغاية استرداد الحق، بل إن تكاملهما هو الذي يصنع النتيجة الأثبت والأبقى. وهذا بالضبط ما يميز ملحمة تحرير سيناء؛ فقد جمعت بين بسالة الجندي، وصبر الدولة، ودقة الدبلوماسي، وحجية الوثيقة، حتى عاد التراب الوطني كاملا إلى السيادة المصرية.

من الشريعة الإسلامية إلى القانون الدولي الإنساني

هذا التوازن بين القوة والضبط، وبين القتال والرحمة، ليس غريبا عن الوجدان المصري ولا عن المرجعية الحضارية التي تحكم نظرته إلى الحرب والسلم. فالقرآن الكريم يقول: ﴿وَقَاتِلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلونَكمْ وَلَا تَعْتَدوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمعْتَدِينَ﴾. وفي هذه الآية قاعدة واضحة: القتال للدفاع، لا للعدوان، والحد الفاصل بين الشجاعة والتوحش هو التزام عدم الاعتداء.

كما أوصى النبي ﷺ: "لا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة." وهذه الوصايا تضع منذ وقت مبكر قواعد أخلاقية للحرب تلتقي في معناها مع ما يعرفه العالم اليوم من مبادئ التمييز والتناسب واحترام غير المقاتلين.

وفي هذا الإطار، تبدو التجربة المصرية في تحرير سيناء منسجمة مع هذا الإرث القيمي. فالحرب عند الجيش المصري لم تكن خروجا على الأخلاق، بل كانت دفاعا منضبطا عنها. ومن هنا تأتي قوة الرسالة التي تحملها هذه الذكرى: إن الدولة القادرة حقا ليست الدولة التي تستخدم القوة بلا قيد، بل الدولة التي تعرف كيف تخضع القوة لغاية عادلة، وكيف تحافظ على إنسانيتها حتى في أصعب اللحظات.
وهذه هي النقطة التي تجعل من تحرير سيناء مناسبة وطنية وقيمية في آن واحد؛ فهي تذكرنا بأن استرداد الأرض لا ينفصل عن شرف الوسيلة، وأن القوة حين تتأسس على انضباط خلقي تصبح أكثر رسوخا في الوجدان وأكثر احتراما في التاريخ.

كما أن هذا المعنى يتسق مع ما تركز عليه القوات المسلحة المصرية في برامجها التدريبية الحديثة المرتبطة ببعثات حفظ السلام، حيث تشير بيانات وزارة الدفاع إلى التعاون مع الأمم المتحدة ومركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام، مع تركيز واضح على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واحترام حقوق الإنسان. وهذا يبين أن إنسانية القوة في التجربة المصرية ليست مجرد ذكرى تروى، بل مبدأ يستمر حضوره في التدريب والمؤسسة والممارسة.

ذكرى 25 أبريل ورسالة القوة التي تحرس السلام

تحرير سيناء يظل أيضا درسا حيا في أن الجيش القوي ليس نقيض السلام، بل قد يكون حارسه الأول. فالتجربة المصرية بعد التحرير تؤكد أن المؤسسة العسكرية بقيت حاضرة في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي، لا بمنطق الحرب الدائمة، بل بمنطق الجاهزية المنضبطة التي تحمي السلام وتدعمه.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن مصر شاركت منذ عام 19٦0 بأكثر من 30 ألف من حفظة السلام في 3٧ بعثة أممية، كما تواصل القوات المسلحة تنظيم دورات متخصصة لتأهيل الكوادر الوطنية للمشاركة في مهام الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وهو ما يعكس دورا رائدا في دعم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي السياق نفسه، يضطلع مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام بدور مهم في التدريب وبناء القدرات والبحث في مجالات منع النزاعات وتسويتها وحفظ السلام وبنائه، كما يتولى أعمال السكرتارية التنفيذية لمنتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين. وهذه المؤسسات لا تخرج عن روح المقال، بل تؤكدها: فالدولة المصرية لا تقدم القوة باعتبارها وسيلة للمواجهة فقط، بل جزءا من رؤية أوسع ترى أن الاستقرار يحتاج إلى عقل، وأن السلام يحتاج إلى إعداد، وأن حماية الأوطان لا تنفصل عن بناء القدرة على منع النزاعات وتسويتها.

ومن هنا، فإن ذكرى تحرير سيناء ينبغي أن تبقى مناسبة لتجديد ثلاث رسائل عملية:

أولها أن الوعي الوطني يجب أن يحفظ في ذاكرة الأجيال حقيقة أن استرداد الأرض كان ثمرة تكامل الجيش والدبلوماسية والقانون، لا ثمرة عنصر واحد منفرد.
وثانيها أن تدريس هذه التجربة في المدارس والجامعات والإعلام بوصفها نموذجا في استرداد الحق بالقوة المنضبطة والحكمة السياسية يثري الثقافة الوطنية ويقرب الشباب من معنى الدولة.

وثالثها أن دعم مسارات التوثيق والبحث في تاريخ تحرير سيناء والتحكيم في طابا وحفظ السلام يرسخ لدى الرأي العام أن السيادة لا تصان بالسلاح وحده، بل بالمعرفة، والذاكرة، والقدرة على إدارة الحق حتى آخر مراحله.

وتلك هي الرسالة الأعمق التي يجعلها 25 أبريل حاضرة كل عام: أن مصر تعرف كيف تسترد أرضها، وكيف تصون كرامتها، وكيف تجعل القوة خادمة للسلام لا بديلا عنه.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

القانون وحماية الطفل في العصر الرقمي: أمان الأسرة يبدأ من الوعي

لم يعد الطفل يلتقي العالم من باب المدرسة والشارع والبيت فقط، بل صار يلتقيه أيضا من شاشة صغيرة تحمل المعرفة...

لماذا نحاول إنقاذ من لا يريد أن يتغير؟ متلازمة المنقذ في العلاقات

في بعض العلاقات، لا يكون التعب هو الأكثر إيلاما، بل الإصرار على الاستمرار رغم هذا التعب. قد تجد نفسك تبذل...

تحرير سيناء.. الجيش المصري وإنسانية القوة والدبلوماسية في استرداد الأرض

في كل عام، ومع حلول 25 أبريل، لا يستعيد المصريون مناسبة وطنية عزيزة فحسب، بل يستحضرون معنى مكتملا للسيادة واسترداد...

المرأة… المعركة التي لم تنته في سيناء

في كل عام، لا تأتي ذكرى تحرير سيناء باعتبارها محطة تاريخية من الماضي فقط، بل باعتبارها لحظة وعي وطني متجدد...