«السيرة قبل الأخيرة للبيوت».. البحث عن ما تبقى من أب غائب

استعانت بموسيقى عمار الشريعى خلال كتابتها العمل عكست الراوية رحلة الأب الغائب الوافد من الفيوم للقاهرة

لا يمكن تصنيف "السيرة قبل الأخيرة للبيوت" للكاتبة مريم حسين بأنها عمل روائى فقط، بل هى تمثل كتابة عابرة للنوع الأدبى؛ فهى تأخذ السيرة الذاتية وتنسجها فى شكل أدبى فنى مكتمل، ومن المعروف أن فن السيرة الذاتية متعدد التعريفات، وقد يعود السبب فى ذلك إلى اتصاله بغيره من الأجناس الأدبية الأخرى، ولذلك كثرت تعريفاته، فالسيرة الذاتية تتعلق بالواقع بأنه يذكر ويقص حياته ومسار أفكاره وأحاسيسه، لكن شرط وجود السيرة الذاتية هو تطابق المؤلف والسارد والشخصية.

يبدع الفنان أحمد اللباد فى رسم غلاف فنى بديع يتناسب مع روح الرواية وما تكشفه الكاتبة داخل العمل من خلال تتبع أثر البيوت التى انتقلت منها وإليها؛ فرسم اللباد صورة لوصل نور كهربائى -أى إخطار سداد- وبرص كثيرا ما طارد الساردة  خلال سطور روايتها.

تتبع الكاتبة السيرة قبل الأخيرة للبيوت، سيرة البيوت التى عاشت فيها وتركتها وعبرها تقدم تشريحا نفسيا وجغرافيا للشخصيات التى مرت عليها أو رافقتها، وتستعمل المؤلفة مريم حسين صوت (ميمي) أو السارد العليم بمصائر أبطال الرواية، وتلتقط خلال السرد الكثير من التفاصيل التى تستند إلى ذكريات عاشتها مع والدها الذى تُوفى، فحين ذهبت ميمى لجمع أوراق أبيها من مكتب للمحاماة كان قد أسسه فى حى بولاق الدكرور - أحد أشهر الأحياء الشعبية فى محافظة الجيزة - أخذت تستعيد سيرة البيوت التى سكنتها مع العائلة على امتداد عمر الأب الغائب، وهى بيت الهرم وبيت الشوربجى وبيت بشتيل، وقدمت رؤية لرب العائلة المحامى الكاتب الذى يشعر بمعاناة من حوله من سكان فقراء يتبرع للدفاع عن قضاياهم بلا أجر فى أغلب الأحوال.

وتعكس الرواية رحلة الأب الغائب الذى وفد من محافظة الفيوم للعيش فى حزام الأحياء العشوائية حول القاهرة الكبرى، وتتناول الكاتبة الأثر الذى يتركه المكان فى حياة الشخصيات وكيف تتفاوت الشخصيات بين شخصيات بسيطة وشخصيات تتسق مع المجتمع العشوائى الذى تعيش فيه.

وتستعرض  الرواية سيرة ذاتية تشرك القارئ فى تفاصيلها، فتقدم سيرة لحياة البيوت وتنجح فى تقديم سرد ملحمى يكشف عن معاناة البطلة ويكشف وجه الأب الغائب ويكشف جانبا فريدا من حياة الأحياء الشعبية بما فيها من تناقضات ومفارقات تبدو غرائبية، وسخرية حول الحياة فى تلك المناطق العشوائية على الأغلب فى محافظة الجيزة ومعروف عنها شعبيتها وضجيجها، وقد نجحت الكاتبة فى عكس روح الشخصيات التى يفرض عليها المكان طريقة تفكير بعينه، بل أحيانا هم من يفرضون طريقتهم على المجتمع من حولهم. وتتناول الرواية علاقة معلمة الموسيقى بالبيوت التى تنقلت بينها منذ طفولتها، وتركز الرواية على الصلة بين الإنسان والمكان وأثر كل منهما فى الآخر، فتعبر مثلا عن بيت الشوربجى قائلة: "استيقظت على صوتهم وهم يضحكون، ويسبون شخصا ما بعضو أمه التناسلى، اضطربت وغطيت ساقى بالكوفرتة.. ثم نهضت وأطفأت نور الغرفة، ربما يتلصص عليّ أحدهم من بصاص الشباك".

لعل أجمل ما هذه الرواية ليس فقط البناء الفنى الذى يكشف عن خفايا طبقة نادرا ما تم التعرض لها أدبيا، الأجمل هنا هو بناء اللغة التى تتراوح لتشبه نغمة موسيقية متكاملة أو قصيدة نثرية تكشف عن مخاوف الساردة وما يحيط بها من شخصيات وعوالم حقيقية أو غير حقيقية ومن أجواء الرواية تقول الكاتبة: "دعنا نقتل الوقت.. نعد حبّات الأرز المضيئة وذرات السكر المصفرّة، نعد حروف أحاديثنا مع أسراب الطيور الكثيفة التى تحلّق وتتركنا نتساءل مبتسمين باندهاش: كم نحن حمقى! نعدّ بلورات الملح الخشن وفتات الملح الناعم، درجات الألوان اللانهائية على لوحاتى، والألوان المحدودة على أجساد سمك البساريا الفضية والشفافة، نعدّ حبّات الرمال شديدة الملوحة التى تبتلع أمواج البحيرة على مهل كمريض يبتلع ريقه بصعوبة. نبتل وحيدين.. ينقصنا الحب.. قلبى رقيق مثل سمك البساريا، وجوفى مظلم كقاع البحيرة، وعقلى مليء بالمربعات المتداخلة؛ كلما خرج مربع جديد من ضلع مربع قديم ينفد وقت. ليتكِ هنا..

إمضاء يوسف

استغرقت مريم حسين لكتابة روايتها أربع سنوات كاملة وهو ما ذكرته على صفحتها على الفيسبوك قائلة: "أدركت فى الجلسة الأخيرة لى مع الرواية قبل تسليم النسخة النهائية أننى فقط أخطأت التقدير وزعمت الملل بدون قصد. قلت: نفد صبرى تماما ولا أطيق رؤية اسم شخصية واحدة، وكل الذين علقوا برقبتى لسنوات طوال لابد أن يتركونى وشأنى ويحلّوا عن سمايا. ولأنى لابد أن أنتهى.. تأخرت فى البدء.

بابتسامة خجلة وامتنان عظيم ومع قرب خروج روايتى الأولى "السيرة قبل الأخيرة للبيوت" وجب شكر رفاق المراحل المتعددة بما فيها مرحلة التوقف عن الكتابة لأشهر متقطعة، تجاوزات فقد ثقيلة ولملمة حياة تبعثرت فى فوضى. ليستغرق الانتهاء من العمل ٤ سنوات.

أجادت مريم صنع التفاصيل فعشنا معها فيها وربطناها بتفاصيل حكايتنا فتوحدت  الحكايات، مع الحكايات تارة نضحك وتارة نبكى، ولقد أرادت ميمى توثيق ذكريات على غرار أبيها المحامى والكاتب فتقول: "منذ ما يقرب الخمسين عاما اضطر أبى الطفل إلى توديع منزل جده فى السيدة زينب، وكانت مشكلته هى أنه لا يملك كاميرا لتصوير المنزل للذكرى فأخذ يرسم كل مقطع فيه بتفاصيله وكتب فى ذلك قصة. الوضع الآن أسهل. سهولة تضاءلت معها هيبة الموقف. بضغطة زر واحدة سجلت فيديو طويلا فيه كل شبر وكل تفصيلة فى بيت الشوربجي".

نعلم جيدا ما يعيه ذلك التسجيل، شخصيات الرواية "السيرة قبل الأخيرة للبيوت"  وأماكنها  وأحداثها.

كواليس كتابة العمل

كشفت مريم استعانتها بموسيقى ما خلال كتابة هذا العمل فتقول عن ذلك: "وأنا

لا أعلم لِمَ اختارت لثلاثة أعوام بلا انقطاع أن يكون مسلسل زيزينيا "الجزء الأول فقط" رفيق كل مراحل الكتابة -انفلت منى العام الأول - لم أكن حصلت على الحلقات متتالية بعد.

لا أتذكر متى تحديدا قررت رفقته ولِمَ.. وما علاقة ذلك بالجلوس على المكتب والشروع فى الكتابة أو التفكير أو التحديق لساعات فى الورق وشاشة اللاب توب بينما الحلقات تدور الواحدة تلو الأخرى، بل فى أحيان كثيرة أكتم الصوت لتتحرك أمامى الشخصيات وجزء من عقلى يعيد الحوار كاملا. لا علاقة لذلك بالإسكندرية وهى ليست حتى ضمن الأماكن والأحداث فى الرواية، وأصلا علاقتى بتلك المدينة ليست على ما يرام أبدا ولم أزرها فى حياتى سوى ثلاث مرات.

التيمة الموسيقية التى كررها عمار الشريعى بعدد مختلف من الآلات على حسب الشخصيات والأجواء والطبقات الاجتماعية التى تجرى فيها الأحداث كانت شريط الصوت المصاحب دائما، فى زيارة ما لاحظت أن تلك التيمة تشبة إلى حد كبير حركة موج البحر فى الإسكندرية.

ستة عشر فصلا تعلوها لافتات. بيت الهرم _ بيت الشوربجى _ بيت بشتيل: تتوزع هذه البيوت الثلاثة على نواصى الفصول، كأن الرواية تبنى على البيوت لتكشف الشخصيات؛ فبعد وفاة الأب تنتقل الفتاة والأم من الشوربجى الذى يقع فى نهاية شارع العشرين بفيصل؛ حيث ينتقلان لشارع العريش القريب جغرافيًا من شارع العشرين، ويظل الشوربجى بيت الذكريات ومحل استحضار الأب الغائب، وكان مكتبه يبعد خمس دقائق بالسيارة البوكس، حيث يقع مكتب المحاماة الخاص به فى شارع عباس على عيسى فى بولاق الدكرور.

جدير بالذكر أن مريم حسين هى قاصة وروائية مصرية ولدت فى الفيوم، واستقرت منذ الطفولة فى القاهرة، حصلت مريم على بكالوريوس التربية النوعية قسم تربية موسيقية، كما حصلت على بكالوريوس المعهد العالى للسينما قسم سيناريو.  واتجهت للكتابة القصصية وصدر لها مجموعتان قصصيتان هما مجموعة "عزل السحاب"، ومجموعة "سرّ السكّر" عن دار ميريت. كما شاركت فى مجموعة قصصية مشتركة بعنوان "حتى فساتيني" صدرت عن دار المرايا.

وكتبت عددا من الأفلام القصيرة ومسرحيات الأطفال، وشاركت فى ورش كتابة لعدد من المسلسلات.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - ماشية السنيورة

الحر اشتد، والشمس القوية في سماء الصيف صبت لهيبها بلا رحمة على رأس المرأة التي تمشي وحيدة في هذا الخلاء..

وليد مكى: الكتابة محاولة لفهم النفس وتهذيبها

الجوائز مهمة للفت الأنتباه للتجارب الأدبية القاضى والأديب يشتركان فى محاولة فهم «لماذا يفعل الإنسان ما يفعله؟»

نادر ناشد: قصيدة النثر الأقرب لنفسى.. وهى مستقبل الشعر العربى

الشعر الحديث فى تألق مستمر ويستحق اهتمامًا أكبر من النقاد لم أهجر القصيدة.. لكنى توقفت سنوات لأعيد النظر فيما أكتب

مياه زمزم.. عبادة وطهارة وشفاء من الأمراض

(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ من ذريتي بواد غير ذي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ربَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي...