«الحروب النفسية».. الدمـاء ذات اللون الأسود

من «صافرة الموت» و «جبل الجماجم» إلى ألاعيب «البروباجندا» الحديثة

"الحرب النفسية" أو ما يعرف بحرب القلوب مصطلح يشير إلى فعل يمارس من شأنه استثارة رد فعل مخطط له للنيل من الآخرين، وقد يستعمل فى ذلك عشرات الوسائل من هدم نظم قيمية أو استعمال نصوص وصور بل ورموز عقائدية أو استخدام مشاعر وعواطف أو حتى رفع رايات ذلك فى محاولات تكون متكررة للنيل من الروح المعنوية تكتيكيا، وهو ما يهدف إلى الحط من العقول.

فى كتاب "بروباجندا لتشكيل مواقف الرجال" تناول الكاتب "جان إلول" الحرب النفسية بوصفها ممارسة من ممارسات الحرب الحقيقية التى يصعب على المستهدف منعها، ولعل فى التاريخ المكتوب والمروى ما يؤكد بالأدلة نشوب تلك النوعية من الحروب منذ القدم؛ فهناك الآلاف من الدلائل على انتشار تلك الفكرة الجهنمية حينما اكتشف مدى تأثيرها على العدو، وربما كل ما وصل إليه العصر الحديث منها هو زيادة رقعتها ونطاقها بعد أن أتاح ذلك الاتصال الافتراضى وثورة التكنولوجيا، مما أعطى الفكرة سبيلها للانتشار برحابة لتصل اليوم إلى كل يد تمسك بآلة اتصال، وذلك فى شكل قد يكون مباشرا أو غير مباشر.

وفى التاريخ كانت أولى معرفتنا كشعوب بهذه الحرب الخفية هو استدعاء لما وصلنا عبر كتبنا المدرسية من أسلوب "جانكيز خان" قائد المغول فى القرن الثالث عشر الذى ذيع صيته فى استخدام ذلك النوع بشكل مباشر ووحشى، فكان يهزم به أعداءه قبل الهجوم عليهم، وكانوا يسلمون له حتى قبل نشوب أية معركة، وليس من السهل الآن بعد أن تعقدت أمور وظهرت خفايا تلك الأنواع من الحروب التوصل إلى إيجاد تعريف محدد لها؛ إذ يبدو فى هذا العصر أهم مجالاتها من المواضيع المعقدة، فالحرب النفسية فى أذهان الناس تختلف بين مجتمع وآخر بأكثر من صورة ومعنى وتفكير وتأثير وتأثر، وذلك تبعا لاختلاف ثقافة وفكر كل بيئة، وربما على كثرة ما كتب فى هذا الموضوع الحيوى لم يتمكن أحد من أولئك الذين تخصصوا به أن يضعوا له مصطلحا معينا وواضحا للجميع يشمل كل المعالم، ويبدو أن كل ما تمكنوا منه هو عمل عناوين مبتكرة له فطرحوا العديد من الأسماء التى أصبحت متداولة بمرور الوقت، منها الحرب الباردة، حرب الأفكار، حرب الأعصاب، العدوان غير المباشر، وحملة عدم الحقيقة؛ وربما قاد عدم الوصول لتعريف معين المعنيين بالأمر إلى مزيد من البحث فى القواميس والمعاجم المختلفة فكان التعريف حسب ما ورد، مثلا فى قاموس "كامبردج" هو استخدام الأنشطة التى تسبب الخوف والقلق للعدو دون أن تؤذيه جسديا، أما فى تعريف قاموس "كوبلد" فكانت الحرب النفسية هى المحاولات التى تجعل عدوا ما يفقد الثقة ويتخلى عن الأمل ويتملكه الخوف حتى تتاح للآخر سبل الفوز.

أما أحدث التعريفات، فهو ما يتصل بوسائل الدعاية وغيرها من وسائل الاتصال بغية التأثير على الجبهة الداخلية ومن ثم قتل الروح المعنوية للعدو المستهدف، وقد بات من المعروف اعتبار الحرب النفسية أخطر أنواع الحروب على الإطلاق، وربما أكثر من تلك التى تستخدم العنف والسلاح، وقد أوضح "نابليون بونابرت" هذه النقطة حين أكد أن حرب العقول هى أقوى من حرب الأسلحة قائلاً: "إن هناك قوتين فقط فى العالم هما ما يسبب ضعف العدو، وهما العقل والسيف، وعلى المدى البعيد والطويل يكون العقل فى أى حرب هو ما ينتصر"، وهذا الاتجاه هو ما استخدمه نابليون فعلا حين قام بغزو مصر، ويتضح من رسالة مطولة بعث بها للمقاومة المصرية المرابطة آنذاك بالإسكندرية بقيادة "عمر مكرم" قام فيها بإضعاف الروح المعنوية للمقاومة من خلال استعماله تارة رسالة تهديد وتارة رسالة طمأنة على الأرواح والمعتقدات والمنشآت، وهذا ما استعمله من قبله بزمن مستعمر آخر وهو "الإسكندر الأكبر" حين غزا مصر أيضا، حيث أرسل قبل مجيئه العديد من الرسائل بنفس المضمون.

 «صافرة الموت» و«١٠٠ إنسان يصرخ»

وبالرجوع إلى الماضى للوقوف على أكثر الوسائل ذكاء فى حينها لشن الحروب النفسية، نجد ما اكتشفه مجموعة من الأثريين فى أحد معابد الأرئك بالمكسيك؛ حيث عثروا على صافرة صغيرة على شكل جمجمة إنسان، وقد تم التعامل معها وقتها على أنها أحد الآثار التاريخية التى تتصل بتلك الحضارة، لكن بعد الاكتشاف بعدة سنوات صرح فريق من الخبراء أن تلك الصافرة تصدر أصواتا غريبة ومخيفة تقشعر لها الأبدان، وقد تم وصف الصوت بأنه يشبه صراخ ١٠٠ إنسان، مما دعى العلماء لإعادة تفسير استعمال تلك الصافرة على أنها كانت إحدى وسائل بث الرعب فى نفوس الأعداء حين القيام بالتصفير بها قبل المواجهات، وبعد التوصل لمعرفة أصل الغرض من تصنيع تلك الصافرة على هذا النحو، وصفت جريدة الديلى ميل بأن تلك الأصوات المزعجة المربكة كانت مؤثرة بشكل لا يقبل الجدل إذا ما تخيلنا قيام مئات الجنود باستعمالها بذات الوقت، وليس من الشجاعة فى وقتها أو أى وقت فى الواقع التعرض لسماع مثل هذه الأصوات المخيفة.

 حرب القطط.. حرب المعتقدات

منذ اليوم الذى اكتشف فيه وظيفة ما أطلق عليه صافرة الموت، مرت الحرب النفسية بمراحل أخذت أرقاما وصل عددها الآن إلى خمس، وقد بات من وقتها اكتشاف وجود أنواع مختلفة من تلك الحرب الخفية أمر عادى، ولعل إحداها هو ما استخدم المعتقدات باعتبار أن الدين أو المعتقد، وهو بلا شك نقطة ضعف لأى مجتمع، وكان من أقدم الأمثلة على ذلك "معركة بلوزيوم" أو ما سمى بـ"حرب القطط" فى الحضارة المصرية القديمة، حيث كان للقطط من المكانة الكبيرة والقوية حتى أن آلهة تسمى "باستت" على هيئة قطة، وقد أصبحت معبودة وأصبح لها قدسية كباقى المعبودات، وقد ذكر المؤرخ "هيرودوت" أن تعاليم مصرية قديمة كانت تؤكد مثلا على ضرورة إنقاذ القطط لدى حدوث أى حريق وحتى قبل إنقاذ البشر أو إخماد هذا الحريق، وقبل معركة "بلوزيوم" بين ملك الفرس "قمبيز" والملك المصرى "بسماتيك الثالث"، قد عرفت هذه القدسية المتصلة بعلاقة المصرى القديم بالقطة، فاستخدمه "قمبيز" فى المعركة، حيث أمر برسم مجموعة من القطط على دروع جنوده بالصف الأول، بالإضافة إلى وضع مجموعة من القطط الحية بجانب هؤلاء الجنود، وبالطبع حين بدأت المعركة ورأى جنود "بسماتيك" تلك الرسوم والقطط الحية خافوا أن يكون قتلها نذير شؤم، أو أن يكون قتل أولئك الجنود الذين يحملون الدروع المرسومة بالقطط يهين من قدسية معبودتهم، مما أدى إلى إشاعة الهلع حتى قبل بدء المعركة التى حسمت لصالح الفرس بناء على هذه الخديعة.

 جبل الجماجم

ويبدو أن الملك ذا الأصول التركية المغولية "تيمورلانك" كان له نصيب تاريخى فى ابتداع فنون الحرب النفسية التى اعتمد فيها على بث الرعب فى قلوب أعدائه لإبراز العقاب الذى يمكن أن يتلقاه من يواجهه، ولقد استطاع ابتكار طريقة ليرهب بها أعداءه حتى لا يتم الاستهانة بقدراته، ويذكر أن تيمورلانك قد عاش بالقرن ١٤م وكان من غزاة ذلك الوقت، ويذكر أن جيشه كان يذبح من يقف أمامه، حتى إنه قد ذبح حوالى ١٥ مليون ضحية أثناء غزواته، وكان من طريقة إرهابه التى اختارها لعدوه هى بناء جبل من الجماجم من ضحاياه الذين تم ذبحهم فى معارك سابقة ليكونوا عبرة لأى من تسول له نفسه مجابهته، لذلك قد تم وصفه بأنه الغازى المخبول.

 الانتحارى الصينى والبلطجى المصرى

ومن المعروف أن الحرب أمام شخص ليس لديه ما يخسره من أحد أنواع الحروب النفسية المخيفة، ولعل هذا الأمر ما أدركه ملوك الحضارة بالصين القديم، فكان أحد ملوكهم وهو "جوجبان" له وجهة النظر هذه التى تبناها أثناء ملاقاة أعدائه، وكان ينفذها أيضا جنوده بالصف الأول من معاركه؛ حيث يقوم هذا الصف الأول بمشهد انتحارى يقوم فيه بذبح نفسه وقطع رقبته بيده، الأمر الذى من شأنه التسبب بصدمة للعدو توقع القلوب قبل اللقاء الحاسم، وبعدها يقود "جوجبان" الهجوم الفعلى على العدو الذى لم يكن قد أفاق بعد من هول الصدمة؛ ومما يذكر عن "جوجبان" إنه لم يكن يضع جنوده الأصليين فى هذا الصف الانتحاري، بل كان يستعمل المساجين المحكوم عليهم بالإعدام أو قطاع الطرق ليقوموا بتلك المسرحية الانتحارية لإرهاب الأعداء.

ويبدو أن ذلك النوع من الحرب النفسية قد امتد واتسع ليشمل ليس فقط دولا أخرى قديمة، بل امتد ليصل إلى الثقافة الشعبية فى بعض البلدان، ومن ذلك ما نشاهده فى بعض الحارات الشعبية حيث شجارات البلطجية كل يوم تقريباً، حيث يقوم البلطجى الشرس بجرح وتشريط وجهه بسلاح أبيض ليخبر الطرف المواجه له بالفعل وليس بالقول على أنه ليس لديه ما يخسره فعليا، أو يخبره إنه لا يخشى الألم ولا إسالة الدماء.

 طاقة الغضب والحرب العالمية

ومن الحروب النفسية التى اعتمدت على الخداع والمناورة إلى الحروب النفسية التى ينطبق عليها التعريف الأمريكى الإنجليزى، وهى التى تستخدم البروباجندا لإرهاب الأعداء، وهى النوعية التى أصبحت تستخدم فى العصر الحديث، فيذكر أنه خلال الحرب العالمية الثانية كان على إنجلترا أن تظهر نفسها بوصفها دولة صادقة أمام شعبها والعالم بقدر الإمكان، خاصة بعد إقالة وزير إعلامها بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك الوزير كان قد فشل فى الدعاية لإنجلترا أثناء الحرب، حيث كشفت دول المحور أكاذيب وتضليل دول الحلفاء، وعلى رأسها إنجلترا، وكان إشاعة تلك الأكاذيب ووسائل التضليل فى كل العالم قد عرف الجميع مدى كذب هذه الدول المحاربة للمحور، ولعل ذلك ما صرح به المؤرخ "ديفيد ويش" لشبكة "بى بى سي" بعد الحرب، مؤكدا على أن إنجلترا أثناء الحرب العالمية الثانية قد رفعت شعار الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة كخطة دعائية لها، لكن ذلك لم يمنع إنجلترا فعليا من استخدام سبل التلاعب والدعايات المضادة فى مواجهة آلة الدعاية للنازى أثناء الحرب، وكان من شأن تلك الدعايات التلاعب بالرأى العام وشحن ما يعرف بطاقة الغضب للشعب وهى أحد سبل الحرب النفسية.

وتعتبر حملة v أو ما يعرف بحملة fOR ViCTORy التى أطلقت عام ١٩٤١ واختارت حرف v للحشد من أكثر الحروب النفسية المعتمدة على الدعاية الإعلامية، وهى الأقوى تأثيرا، وذلك لما يحمله حرف v  من دلالة معرفية لدى أكثر من لغة، مثل الإنجليزية والفرنسية واللغة الهولندية والفلمنكية، مما يجعله رمزا متعدد الجنسيات، وقد أوضح الرسم الدعائى أن مجرد إظهار هذا الحرف يمكن أن يقضى على هتلر النازى بسهولة أكبر، ويؤكد خبراء النفس على أن الحروب النفسية التى تعتمد على حملات دعائية يمكن تمريرها بسهولة عبر الشبكة العنكبوتية التكنولوجية، وقد أصبحت من أكثر أنواع الحروب النفسية قوة وخطورة وتأثيرا؛ ذلك لأن التكنولوجيا أصبحت جزء لا يتجزأ من أنامل العالم اليوم، الأمر الذى جعل الموضوع يسيرا وسهلا للوصول إلى ما تريده أية آلة إعلامية قررت شن حرب  خفية دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو ما تؤكده التقارير الإرشادية التى يتبارى علماء النفس على نشرها أثناء الحروب فى مقالاتهم العلمية حول كيفية تحاشى الحرب النفسية التى قد تواجه الإنسان القابع فى بيته لا يحارب بشكل حقيقى على خطوط النار.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...


مقالات

قلعة قايتباى بالإسكندرية
  • الثلاثاء، 10 مارس 2026 09:00 ص
المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م