اعترافات جاسوس مصري كان صديقا لموشى ديان

سر البرقية التى كادت تؤجل حرب 6 أكتوبر 1973

 فى العاشرة وثلاث عشرة دقيقة صباح 6 أكتوبر 1973 ، حدث أمر لم يكن فى الحسبان ، إذ وصلت إلى المخابرات المصرية معلومات عاجلة ، كان مضمونها كفيلا بتعطيل إجراءات الحرب ، وكان المصدر أحد الجواسيس المحترفين المحاط بهالة ضخمة من السرية والأهمية .

فقد أرسل الرجل برقية تقول إنه وصل إلى قاعدة " رامات دافيد " السربان رقما 109 و 116 بالإضافة إلى سرب الهليوكوبتر رقم 124 – وبمجرد ترجمة البرقية سيطرت الكآبة على ضباط المخابرات ، واكتست الوجوه بظلال القلق والتخوف ، وأصبح السؤال الذى يتردد فى عيون الجميع : ما الذى دفع إسرائيل إلى تحريك هذه الأسراب الثلاثة إلى الشمال ؟ ..

وروجعت المعلومات المتوفرة عن طائرات الأسراب التى أشار إليها الجاسوس ، وكانت هذه المعلومات هي الأخرى مصدر مزيد من القلق ، إذ اتضح أن السربان 109 و 116 مكونان من طائرات " مستير 4 أ " المقاتلة ، وهي طائرات شديدة البأس حقا ، كذلك اتضح أن السرب 124 هو واحد من ثلاثة أسراب تملكها إسرائيل من طراز " سيكورسكي " التى تستخدم فى القصف الجوي وإنزال القوات .

وكان معنى هذه المعلومات أن الحرب كلها قد أصبحت فى كف القدر ، ولم يكن من الصواب أن يبدأ القتال بينما العدو يتربص بالمهاجمين .

كان الأمر مريرا بقدر ما كان تعسا أيضا ، وكان معنى حشد هذه الطائرات فى القاعدة الواقعة فى المنطقة الشمالية ، أن الاستعدادات التى اتخذت بنفس التكتم فى الجبهة السورية قد تسربت أنباؤها إلى الإسرائيليين ، وسواء كانت الاستعدادات المصرية قد كشفت هي الأخرى أم لا ، فإن العدو قد تنبه وانتهى الأمر .

واستدعى المسئول عن حل الشفرة إلى الغرفة على عجل ، وكان هذا الإجراء منافيا لأبسط قواعد الجاسوسية ، لكن الظرف كان دقيقا وحرجا ،وضوهيت الرسالة الأصلية بالترجمة التى كتبها بخط يده ، فثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل كان دقيقا فى عمله ، لأن الترجمة كانت مطابقة .

ولكن الرقية اللعينة ظلت تحملق فى وجوههم دونما خطأ ، وكانت هذه هي البرقية الوحيدة ، ربما فى كل عالم المخابرات التى تمنى مستقبلوها أن تكون مجافية للصواب .

ولكن ضابط المخبرات ظل هادئا ، وكرر القول أنه يعتقد أن خطأ ما قد حدث فى عملية الترجمة .

وفى العاشرة وتسع وخمسين دقيقة صباح 6 أكتوبر حملت أمواج الأثير برقية عاجلة إلى جاسوسنا فى إسرائيل للإفادة فورا عن صحة البرقية المزعجة ، وظل عامل الإرسال يدق هذه البرقية لمدة سبع دقائق بصفة مستمرة ، وفى الساعة الحادية عشرة وثمان وعشرين دقيقة أبلغ قسم الاستماع عن تلقي برقية مشفرة ، وبعد أن تولى الموظف المختص ترجمتها ، بينما العيون مركزة على أصابعه من كل صوب ، اكتشف الخطأ الذى كاد يتسبب فى تأجيل الحرب ، فبدلا من كلمة " وصل " فى البرقية الأولى ، ظهرت كلمة جديدة هي " وجد " فى البرقية الجديدة – وكان الجاسوس النشط قد بذل جهدا إضافيا لم يطلبه منه رؤساؤه ، بأن زار قاعدة " رامات دافيد"  يوم الخميس 4 أكتوبر ضمن عدد من فنيي السلاح الجوي الإسرائيلي ، ولاحظ وجود الأسراب الثلاثة فأبلغ عنها ، ولكنه نسي أن واجبه كان اعتبارا من الثلاثاء 2 أكتوبر ، الإفادة فقط عن التحركات المفاجئة للتشكيلات الجوية ، وبدلا أن يكتب عن وجودها الفعلي الطبيعي ، كتب عن وصولها ، باعتبارها تشكيلات جديدة ، وهو ما أزعج رجال المخابرات ، حتى تأكدوا منه أن الأمور عادية ، ولا شئ ينبئ عن أي استعداد للعدو لتحركات مفاجأة ، مما أعاد الاطمئنان لرجال المخابرات ، ليجري تنفيذ خطة الهجوم المصري المباغت فى الموعد المحدد .

وفى الواحدة وثلاث عشرة دقيقة وصلت إلى باب جانبي من أبواب قصر الطاهرة ، عربة سوداء ، هبط منها الفريق أحمد إسماعيل واتجه بسرعة إلى الجناح الرئيسي حيث كان الرئيس السادات مرتديا ملابسه العسكرية ، وفى غرفة العمليات التى كانت أشبه بخلية نحل هائلة ، نشرت خريطة مجسمة لصحراء سيناء فوق مائدة كبيرة ، وكان اللواء الجمسي يضع إصبعه السبابة على غرفة العمليات الإسرائيلية فى أم مرجم .

وفى الواحدة والنصف تماما أخرج د. أشرف غربال " مستشار الرئيس ، وسفير مصر فى أمريكا بعد ذلك " ، البلاغ العسكري رقم واحد من حقيبته وقرأه للمرة الأخيرة ، ثم وضعه على المكتب ، حيث كان قد وصل إلى مبنى وزارة الإعلام متجها إلى مكتب الوزير .

وفى الثانية وأربع دقائق حلقت أول موجة من الطائرات على ارتفاع خمسة عشر مترا فوق سطح الأرض ، وانطلقت فى اتجاه الشمال والشرق مخلفة ضجة رهيبة .

وتتابعت موجات الطائرات بفاصل سبع ثوان ، وفى الثانية وخمس دقائق ترددت فى جميع أجهزة اللاسلكي على جميع الموجات كلمة " بدر " ، وسمع كل من كان بالقرب من جهاز الاستقبال هذه الكلمة تتكرر ثلاث مرات بوضوح تام فى المدفعية والمدرعات والدفاع الجوي والقاذفات والوحدات البحرية العاملة بالقرب من شواطئنا وفى أعالي البحار ، وكل الأسلحة التى تطلق النيران .

هكذا كانت " المفاجأة " التى رواها لنا فى كتابه المسمى بهذا الاسم الجاسوس المصري الذى عمل مع الإسرائيليين ، وقدم خدماته بإخلاص للمصريين ، فقد كان عميلا مزدوجا خدع الإسرائيليين حتى صار صديقا لموشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي ، وأسهم فى الحرب السرية حتى صباح السادس من أكتوبر .

 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

تطبيق بلاي ستيشن للهواتف المحمولة في عام 2026: الميزات الرياضية، والاستخدام

في عام 2026، ستظل الهواتف الذكية من أهم الأدوات لمتابعة الأحداث الرياضية واستخدام منصات. تعمل على تطوير تطبيق جوال لأنظمة...

فصة مصورة- اضحك.. «الكورة» تطلع حلوة

الجو جهنم الحمرا.. حتى إن الأطفال الذين قطعوا مسافات شاسعة من أجل المباراة المنتظرة، خلعوا الفانلات التى أتوا بها مكوية...

جهاد جمال: «الطمأنينة تليق بكِ» رحلة لفهم الذات

في زمن تتعدد فيه النصائح السريعة حول السعادة، تقدم الروائية جهاد جمال كتابها «الطمأنينة تليق بك» من زاوية مختلفة؛ فلا...

أيمن عثمان: «عنبر رقم 10» أشبع فضولى ككاتب

التاريخ تصنعه الحكايات الفردية.. والكاتب صوت من لا صوت له «مذكرات نشال» فتحت أمامى أبوابًا واسعة للبحث واكتشاف عوالم جديدة


مقالات