وقوف خالها بجانبها وهى طفلة وقرار وزير المعارف باعفائها من شرط السن لالتحاقها بمعهد التمثيل ومكالمة سعد أردش لها لترشيحها لدور «إلكترا» ثلاثة مواقف فارقة فى حياتها الفنية
هى الفنانة التى رسمت لها الأقدار مسار حياتها، لم تكن وهى تلميذة فى مدرسة "سان جوزيف" تعرف أنها ستصافح "سارتر" الفيلسوف، وتمثل شخوص مسرحيات عالمية، وتنال التكريم من الرؤساء والوزراء، وتتزوج من ثلاثة أزواج، وتنجب ولدين، وتتولى رئاسة "المسرح القومى"، ولم تكتف بالمسرح فى ستينات القرن الماضى ـ زمن ازدهاره ـ بل قدمت عشرات الأدوار التليفزيونية والسينمائية، ومازالت تعلم الأجيال الجديدة من الفنانين وتمنح خبراتها رغم أنها فى التسعين من عمرها، متعها الله بالصحة والعافية، وقصة كفاحها وريادتها الفنية تستحق أن نقرأها، ومن حسن الحظ أن "سميحة أيوب" كتبت مذكراتها ونشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب منذ سنوات.
لما قرأت مذكرات "سميحة أيوب" أعجبتنى سطور من المقدمة التى كتبتها الكاتبة "سناء البيسى" واخترت منها هذا المقطع:
"صاحبة الصوت المميز الذى يستدعينى من أى هناك، من أفكارى، من مشوارى، من شرودى، من انشغالى، من غيبوبتى، من السقوط إلى بدروم النفس، يستدعينى على الفور فأهرول إلى حضرته لأضرب تعظيم سلام وأنا واقفة فى وضع التمام على عتبته، صوتها ـ ياسادةـ هذا الجلى المتكامل المتناسق الواضح، الآمر الحاكم المسيطر، العلوى الشامخ المهيمن الأنثوى.."
هذا هو سر عبقرية "سميحة أيوب" ـ المكتوب عنهاـ و"سناء البيسى" الكاتبة الصحفية التى عاشت زمن المسرح المزدهر فى ستينات القرن الماضى ورأت "سميحة" متألقة مزدهرة فيه وبه ومنه، وكان الزمن زمن "كلمة"، كلمة الإذاعة، وكلمة المسرح، وكلمة الصحافة، وكلمة السيد رئيس الجمهورية، كان العصر، عصر الكلام، لم تكن هناك أحزاب سياسية، لكن كانت المسارح هى منابر الكلام فى السياسة، وكان "الشعب" يعرف المسرح، ويذهب ليسمع ويشاهد الفنانين، وكان الفنان يرى فى المسرح "مدرسة الشعب"، وكان يرى نفسه معلما صاحب رسالة، هذا هو زمن "سميحة أيوب".. وكانت سنوات الستينات هى سنوات جمع الثمار، ففى ثلاثينات وأربعينات القرن ذاته لم يكن فى خطة الحكومات الملكية اهتمام بالمسرح، كان الفنانون يقومون بتجارب فنية خاصة ينفقون عليها من جيوبهم ويتعرضون لأزمات فادحة، منهم من كان ينام "على الرصيف" جائعا، حسب ما روى ـ نجيب الريحانى ـ فى مذكراته، وكانت محاولات انتزاع دعم حكومى للفرق المسرحية الخاصة، تفشل أكثر مما تنجح، وكان الدعم القليل يجعل أصحاب الفرق المسرحية، يطوفون فى الموالد والقرى فى مواسم الحصاد، ويعرضون المسرحيات على الطبقات الشعبية ويقدمون الرؤى والأفكار الساذجة التى تناسب وعى هذه الطبقات، وكان الفنان "زكى طليمات" صاحب قصة كفاح لتأسيس معهد التمثيل، وألغاه وزير من وزراء العهد الملكى، ولم ييأس فأعاد المحاولة، واستطاع انتزاع معهد مسائى، مقره مدرسة "الدواوين الثانوية" فى حى "السيدة زينب"، وجمع فيه المثقفين المحبين للمسرح وجعل منهم أساتذة، وجمع الطلبة والطالبات الذين يحبون الوقوف على خشبة المسرح، وكانت "سميحة أيوب" ضمن تلك الدفعة الذهبية الرائدة، التى ضمت فاتن حمامة وسناء جميل وشكرى سرحان وفريد شوقى وعبدالمنعم إبراهيم ومحمد الطوخى وعدلى كاسب، وغيرهم من الفنانين الذين قامت على أكتافهم نهضة الفنون المصرية فى المرحلة التالية لسقوط "الملكية" وبداية "الجمهورية"، وهنا نقرأ سطورا من مذكرات "سميحة أيوب"
"..كان مقر المعهد هو نفسه مقر المدرسة الثانوية، ودخلنا المعهد، ورأيت فتيات جميلات، كان المكان عبارة عن صالة كبيرة وفيها "ترابيزة" يجلس حولها أعضاء اللجنة، ثم نظر واحد من أعضاء اللجنة وقال لى:
إنتى بتعملى إيه هنا يا شاطرة؟
ـ أنا هنا مع صاحبتى اللى كانت بتقول "تمثيل" دلوقتى.
فضحك وقال :
تحبى تمثلى؟
ـ أيوه.
بتمثلى زى مين؟
ـ زى يوسف وهبى وليلى مراد.
..ولم تكن التلميذة "سميحة" تعرف أن "يوسف وهبى" ضمن اللجنة، ومعه "زكى طليمات" ودكتور "زكى مبارك"، ومضت بها الأيام، والأقدار تدفعها نحو المسرح، وكما يقول المتصوفون "علامة الإذن التيسير"، فالسهولة واليسر علامة سماوية قدرية دالة على النجاح، حسب القول الصوفى، و"سميحة" انتزعتها الأقدار انتزاعا من بيت والدها "الموظف الكبير" بوزارة المالية، المحافظ، الحريص على شرف العائلة، الرافض تماما خروج ابنته على تقاليد المجتمع، لكن "خال سميحة" ـ شقيق والدتها ـ كان هو يد القدر التى انتزعت "سميحة" من "حى شبرا" إلى "حدائق الزيتون"، لما تعاطف مع رغبتها فى "التمثيل" واعترض الوالد والوالدة، وقرر ـ الخال المثقف ـ أن يتكفل بابنة أخته الفنانة الصغيرة، ومرة ثانية تتدخل الأقدار، ويقرر ـ وزير المعارف ـ إعفاء "سميحة" من شرط السن، وقد كانت "مستمعة" فى معهد التمثيل، ولما صدر القرار الوزارى بإعفائها من شرط السن "كان سنها أربعة عشر عاما، وسن القيد بالمعهد ستة عشر عاما" أصبح من حقها مكافأة شهرية قدرها ستة جنيهات، وكانت "سميحة" فى حاجة لهذا المبلغ بعد أن قرر والدها، تسليمها إلى خالها ومنع "المصروف" عنها، لأنها تمردت على صرامته وكسرت قانونه الأخلاقى، وحرمها من "الميراث"، ولم تهتم، لأنها كانت فى حماية الأقدار، فأثناء دراستها فى معهد التمثيل، وقفت أمام ميكروفون الإذاعة وقدمت شخصية "عذراء الربيع" مع الفنانة "زوزو نبيل" والمخرج الكبير"بابا شارو" فى البرنامج الغنائى "عذراء الربيع"، وشاركت فى أفلام سينمائية، وانطبق عليها المثل القائل "ربك بيقطع من هنا، ويوصل من هنا"، انقطع عنها "مصروف" الوالد، فأرسل الله لها "مصروف" من عملها الفنى .
نجمة المسرح الكبرى
لو استعرضنا تاريخ المسرح المصرى وتاريخ نجماته، ستكون "روزاليوسف" و"أمينة رزق" و"منيرة المهدية" و"فاطمة رشدى" هن الأوليات، اللاتى وقفن فى وجه المجتمع، ودفعن ضريبة احتراف التمثيل فى ظل نظرة احتقار كان ينالها الفنانون وكان الناس يسمونهم "المشخصاتية"، وكانت المحاكم لا تقبل شهاداتهم باعتبارهم أهل فجور، وانحلال، لكن الجيل الذى تتقدمه وتتزعمه "سميحة أيوب"، هو ذات الجيل الذى من رموزه "فاتن حمامة" و"زهرة العلا" و"سناء جميل" و"ناهد سمير"، لكن "سميحة" هى النجمة الكبرى، ذات الحضور الرائع الجميل، الذى منحها الزعامة دون أن تطلبها ودون أن تتنازل أو تطلب عطف القائمين على المسارح، وهذه موهبة وضعتها فى مقدمة الجيل، ومنحتها محبة واعترافا بقدراتها من جانب العاملين فى هذا الميدان من مؤلفين ومترجمين ومخرجين وممثلين ومسئولين فى وزارة الثقافة وهيئة المسرح، وتصف ـ سميحة ـ مشهدا من مشاهد المسرح فى تلك الحقبة:
"خاطبنى الأستاذ "سعد أردش" تليفونيا وقال: سوف أزف إليك خبرا، لقد قرر المسرح القومى إنتاج مسرحية "الندم" أو "الذباب" ـ من تأليف "جان بول سارتر" وأنا أعلم تمام العلم أنك معجبة بالمسرحية ودور"البطلة" إلكترا..، وجاء يوم أول اجتماع فريق الممثلين "حسين رياض وحسن البارودى وطارق عبداللطيف، وتم توزيع الأدوار، وبدأنا البروفات، وبذل ـ سعد أردش ـ جهدا كبيرا، لأنها من المسرحيات الكبيرة التى تعتمد على الكورس والحركة، وهى مسرحية كلاسيكية، وموهبة ـ أردش ـ المدهشة طوعت الحركة الكلاسيكية إلى حركة متطورة مع الاختفاظ بالشكل والإيهام الكلاسيكى".
ونحجت "سميحة" واحتفى بها النقاد، وجاء رئيس تحرير الجريدة الفرنسية "الأوبزيرفايتير" ورآها وهى تؤدى شخصية "الكترا"، وهنأها بعد انتهاء العرض وقال لها "لم أكن أتصور أن "مسرحية سارتر" سوف تقدم بهذا الرقى، سوف أقول له: اذهب إلى القاهرة لتستمتع بمسرحيتك"، و"سارتر" ياسيدتى لا يعرف المجاملة، بل أحيانا يكون فجا، وقحا، وربما لا يعجبه أداءك للشخصية".
وتقول "سميحة" فى مذكراتها:
"..وفعلا جاء سارتر إلى مصر بدعوة من جريدة "الأهرام" وكان المسئول عن الدعوة "محمد حسنين هيكل" ومرافق "سارتر" هو الكاتب "لطفى الخولى"، وأخبرنى المسئولون بأن ـ سارترـ سوف يكون ضمن جمهور المسرحية، وشاهد الفيلسوف الفرنسى العرض وصعد إلى خشبة المسرح ومعه "سيمون دى بوفوار" وصافحنى وهو يقول "..أخيرا وجدت إلكترا فى القاهرة"، وكان "توفيق الحكيم" حاضرا الحوار، ودمعت عيناه فرحا بما قاله سارتر".
ومضت الأيام بالفنانة المسرحية القديرة وطافت بها فى باريس وإيطاليا والمغرب وألمانيا الشرقية، ومنحتها الحكومات العربية النياشين والأوسمة، وفى زمن "السادات" كانت "سميحة" فى موقع مدير "المسرح القومى"، وتلقت دعوة من رئيس الجمهورية وحرمه يقول نصها "رئيس الجمهورية وحرمه، يسرهما دعوة السيدة سميحة أيوب، لحضور مأدبة العشاء التى ستقام بقصر الجمهورية بعابدين، احتفاء بفخامة الرئيس "فاليرى جيسكار ديستان" رئيس جمهورية فرنسا والسيدة قرينته "يوم الأربعاء 10 ديسمبر 1975، الساعة الثامنة والنصف مساء"، ورغم التحولات السياسية التى شهدها المجتمع المصرى والاختلافات بين "ناصر" و"السادات" ظل المسرح المصرى شاهدا على عبقرية "سميحة" وشهد عطاءها الفنى الراقى ملايين البشر فى مصر وخارجها، رغم ما أصابها من مصائب عاطفية تمثلت فى زواجها وانفصالها عن الفنان "محسن سرحان" وإنجابها منه ولدا "محمود"، ثم حبها الكبير للفنان المخرج الكبير الممثل محمود مرسى وسعادتها معه وإنجابها ولدا منه "علاء" ثم وقوع الطلاق بينهما بسرعة البرق، ثم زواجها المفاجئ من الكاتب "سعد الدين وهبه"، وموته الذى كسر قلبها، وطوال السنوات القاسية عليها، لم تهجر عملها الفنى ولم تنقطع عنه، فقدمت للسينما أكثر من عشرة أفلام، وقدمت لجمهور التليفزيون عشرات المسلسلات إلى جانب عملها فى المسرح وما يستلزمه من قوة وطاقة بدنية ونفسية، ومازالت "سميحة" متعها الله بالصحة والعافية تواصل دورها فى الحياة، وهى نفسها التى كانت فى شبابها "سمارة" التى كانت توقف الحركة فى "القاهرة" عند إذاعتها عبر موجات "إذاعة جمهورية مصر العربية"، كانت موسيقى مقدمة الحلقات تجعل "الترامواى" و"الأتوبيس" يتوقف، لينزل الركاب منه باحثين عن "مقهى" به "راديو" كى يستمعوا صوت "سمارة" التى تقدمها "سميحة أيوب" ضمن مسلسل درامى حقق شهرة واسعة، وشغل الشعب المصرى كله فى خمسينات القرن الماضى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...
ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...
درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...
إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...