القانون ومواجهة الشائعات: بين حرية التعبير وواجب التثبت

تبدأ الشائعة اليوم من شاشة صغيرة، ثم تتحول في دقائق إلى حالة قلق عامة. رسالة مجهولة المصدر، عنوان مثير، مقطع مجتزأ، صورة خارج سياقها، أو منشور مكتوب بثقة زائفة؛ ثم يبدأ التداول، ويكبر الأثر، وتضيع الحقيقة بين السرعة والانفعال. ولهذا لم تعد الشائعة حديث مجالس أو كلامًا عابرًا، بل صارت فعلًا يلامس الأمن النفسي للمجتمع، ويؤثر في الثقة العامة، ويضغط على وعي الناس في لحظات تحتاج أصلًا إلى المعلومة الدقيقة والهدوء المسؤول.

المستشار/ حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام

 

وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة قانونية واعية. فالدولة المصرية لا تتعامل مع مواجهة الشائعات باعتبارها خصومة مع حرية الرأي، بل بوصفها دفاعًا عن حق المجتمع في المعرفة الصحيحة، وحمايةً للمصلحة العامة من الأخبار الكاذبة المتعمدة. وقد ناقش مجلس الوزراء في ديسمبر 2025 سبل تفعيل آليات التصدي للشائعات والأخبار الكاذبة، مع تأكيد واضح على أن حرية الإعلام والصحافة يكفلها الدستور والقوانين المنظمة، وأن الإجراءات القانونية تستهدف من ينشر الأخبار الكاذبة بقصد الإضرار أو الإساءة، لا من يمارس النقد المسؤول أو التعبير المشروع عن الرأي.

حين تتحول الشائعة إلى خطر عام

الشائعة ليست مجرد معلومة غير دقيقة. الشائعة، في معناها العملي، خبر غير مؤكد أو رواية مضللة تُنشر على نحو يُحدث بلبلة أو خوفًا أو ارتباكًا أو إساءة. والخطر فيها لا يقف عند حدود الكذب، بل يمتد إلى الأثر: هل تُربك الناس؟ هل تُفزعهم؟ هل تُضعف ثقتهم في المؤسسات من غير سند صحيح؟ هل تؤثر في قراراتهم الصحية أو الاقتصادية أو الاجتماعية؟ هذه هي النقطة التي تجعل الشائعة مسألة قانونية ومجتمعية، لا مجرد مخالفة أخلاقية في الكلام.

وتزداد خطورة الشائعة حين تتخفى في صورة "معلومة عاجلة" أو "تحذير إنساني" أو "خبر متداول". فالناس لا يتفاعلون غالبًا مع الشائعة لأنها مكتوبة بصورة ضعيفة، بل لأنها مكتوبة بصورة مقنعة، أو لأنها تلامس خوفًا حقيقيًا في الصحة أو الأسعار أو الخدمات أو الأمن. ولهذا جاءت تقارير الهيئة العامة للاستعلامات لتبين أن قطاعات مثل الاقتصاد والصحة كانت من أكثر القطاعات استهدافًا بالشائعات خلال عام 2024، وأن نسبة الشائعات المتعلقة بالجهود التنموية بلغت 32.5% من إجمالي الشائعات في ذلك العام. هذا الرقم وحده يكشف أن المعركة ليست مع كلمات طائشة، بل مع سرديات مضللة تستهدف وعي الناس في ملفات تمس معيشتهم اليومية مباشرة.

الدستور والقانون يضعان الحد الفاصل

الدستور المصري وضع الإطار الصحيح لهذه المسألة. فالمادة (65) تنص على أن: "حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر." وهذه قاعدة تأسيسية تؤكد أن الأصل هو حرية الرأي والتعبير.

ثم تأتي المادة (68) لتقرر أن: "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية..." وهذه المادة بالذات شديدة الأهمية؛ لأنها تكشف أن أفضل مواجهة للشائعة تبدأ من إتاحة الحقيقة. فكلما كانت المعلومة الرسمية متاحة بوضوح وسرعة، تقلصت المساحة التي تنمو فيها الأخبار المضللة.

كما تنص المادة (71) على حظر الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام إلا في الحدود الدستورية الضيقة، مع تقرير أن الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز أو الطعن في أعراض الأفراد يحدد القانون عقوباتها. وبهذا يرسم الدستور المصري معادلة متوازنة: حرية مصونة، وحق في المعلومة، وحدود قانونية واضحة عندما يتحول النشر إلى ضرر عام أو تحريض أو تضليل متعمد.

وعندما ننتقل إلى قانون العقوبات، نجد أن المادة (188) تعاقب على نشر الأخبار أو البيانات أو الإشاعات الكاذبة بسوء قصد إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، كما نقلت ذلك بوابة الأهرام في عرضها للنص القانوني. وتبرز أيضًا المادة (102 مكرر) في معاقبة من يذيع عمدًا أخبارًا أو بيانات أو إشاعات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.

الدلالة القانونية هنا واضحة: القانون لا يجرّم الرأي لمجرد أنه رأي، ولا يطارد النقاش العام لمجرد أنه نقد، لكنه يتدخل عندما يكون هناك تعمد وكذب وأثر ضار على المجتمع أو السلم العام.

من الهاتف إلى الفزع: كيف تعمل الشائعة الحديثة

الشائعة الحديثة لا تحتاج إلى منبر كبير. يكفي هاتف واحد، ومجموعة واحدة، وعنوان مصاغ بذكاء، حتى تبدأ دورة الانتشار. وهذا ما يجعلها أخطر من الشائعة التقليدية؛ لأنها أسرع، وأوسع، وأشد قدرة على التسلل إلى الحياة اليومية.

وفي هذا السياق، أكدت لقاءات ومناقشات مصرية حديثة مرتبطة بحقوق الإنسان والإعلام في ظل التحول الرقمي ضرورة مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة وتعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين، وهو تأكيد مهم؛ لأنه يربط بين الحماية القانونية وبين التربية الإعلامية والرقمية. فالقانون وحده يعاقب بعد وقوع الضرر، أما الوعي فيمنع الضرر قبل اتساعه.

والشائعة الحديثة تنجح غالبًا لأنها تعتمد على ثلاث نقاط ضعف بشرية واضحة: الخوف، والعجلة، والثقة الزائدة. الخوف يجعل الإنسان أكثر ميلًا إلى تصديق ما يتعلق بالصحة أو الأمن أو المال. والعجلة تدفعه إلى إعادة النشر قبل التحقق. والثقة الزائدة تجعله يصدق ما وصله من شخص يعرفه، حتى لو كان المصدر الأصلي مجهولًا.

ولهذا فإن أخطر ما في الشائعة ليس فقط من يصنعها، بل أيضًا من يفتح لها الطريق بالتداول غير الواعي. وفي لحظة واحدة، قد ينتقل الشخص من متلقٍ بريء إلى مساهم فعلي في نشر محتوى مضلل. من هنا تصير المسؤولية الرقمية جزءًا من المسؤولية المدنية اليومية.

المواطن الواعي هو خط الدفاع الأول

المواجهة الأنجح للشائعة تبدأ من سلوك بسيط وحاسم: لا تنشر قبل أن تتحقق. هذه القاعدة تبدو سهلة، لكنها في الواقع هي الجدار الأول الذي يمنع تضخم الأخبار الكاذبة. ابحث عن المصدر الرسمي، وراجع تاريخ الخبر، وانتبه إلى العنوان، ولا تخلط بين الرأي والمعلومة، ولا تجعل الخوف يقود إصبعك إلى زر الإرسال. وإذا كان الخبر متعلقًا بالصحة، أو الأسعار، أو الخدمات، أو الأمن، أو شؤون الناس الأساسية، فواجب التثبت يصبح أكبر لا أصغر.

كما أن الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام تتحمل مسؤولية مباشرة. الأسرة تحتاج إلى أن تشرح للأبناء أن كل ما يَرِدُ في الهاتف ليس حقيقة، وأن التحقق مهارة لا تقل أهمية عن القراءة نفسها. والمدرسة والجامعة تحتاجان إلى تنمية حس نقدي يحترم المعلومة ويعرف الفرق بين الخبر والشائعة. والإعلام يحتاج إلى أن يزداد سرعةً في تقديم الحقيقة، ودقةً في التحقق، ومهنيّةً في التصحيح.

وقد أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في أبريل 2026 أنها تعمل على تقديم رسالة إعلامية متزنة وموضوعية تعكس حقيقة الأوضاع في مصر، كما تحدثت عن خطة لتطوير مراكز الإعلام بالمحافظات لتصبح منصات تفاعلية تساهم في مواجهة الشائعات من خلال تقديم معلومات صحيحة وقريبة من الناس. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن المواطن حين يجد المعلومة الصحيحة في وقتها، يقل اعتماده على المصدر المشبوه بطبيعته.

توصيات عملية لتعزيز المواجهة القانونية والمجتمعية

المواجهة الحقيقية للشائعة تبدأ من المواطن نفسه. فالشائعة لا تتحول إلى خطر عام من تلقاء ذاتها، بل لأنها تجد من يستقبلها بلا تحقق، ومن يصدقها بلا تمحيص، ومن يعيد نشرها بلا تردد.

ولهذا فإن المسؤولية الأولى في هذا الملف ليست مسؤولية تقنية ولا إعلامية فقط، بل مسؤولية شخصية وأخلاقية وقانونية أيضًا. فكل فرد يستخدم هاتفه أو حسابه على منصة رقمية يملك قدرة على الإسهام في التهدئة أو الإرباك، في حماية الوعي أو في تضليل غيره.

ومن هنا، فإن أبسط واجب على المواطن هو ألا يتعامل مع إعادة النشر بوصفها فعلًا بريئًا دائمًا، لأن الكلمة حين تخرج إلى المجال العام قد تُحدث أثرًا أكبر بكثير مما يظنه صاحبها.

والمواطن الواعي لا يكتفي بالسؤال: هل هذا الخبر مثير؟ بل يسأل أولًا: هل هو صحيح؟ ما مصدره؟ هل صدر عن جهة موثوقة؟ هل نُقل كاملًا أم جرى اجتزاؤه؟ هل يعرض معلومة أم يثير خوفًا؟ هذه الأسئلة البسيطة هي في حقيقتها خط الدفاع الأول عن المجتمع. فالتثبت ليس سلوكًا مثاليًا زائدًا، بل واجب عملي يحمي الإنسان نفسه قبل أن يحمي غيره. والذي يتوقف لحظة ليتحقق، قد يمنع قلقًا واسعًا، أو يحول دون تشويه شخص، أو يقطع الطريق على بلبلة كان يمكن أن تمتد إلى مئات أو آلاف الناس.

كما أن من واجب الأفراد أن يميزوا بوضوح بين النقد المشروع والخبر الكاذب المتعمد. فمن حق كل مواطن أن يناقش، وأن يعترض، وأن يقيّم، وأن يعبّر عن رأيه في الشأن العام، لكن ليس من حق أحد أن يصنع واقعة غير صحيحة، أو أن يعيد تدوير ادعاء كاذب، أو أن يشارك في نشر محتوى يثير الفزع من غير سند. هذا التمييز ضروري جدًا، لأنه يحفظ للناس حقهم في النقاش الحر، وفي الوقت نفسه يحمّلهم مسؤولية احترام الحقيقة. والحرية لا تضعف حين تُضبط بالوعي، بل تزداد قيمة حين تُمارس بمسؤولية.

وفي العصر الرقمي، أصبحت الكلمة جزءًا من الأمن المجتمعي ذاته. الرسالة الواحدة قد تطمئن، وقد تربك، وقد تصحح، وقد تضلل. ولذلك فإن حماية المجتمع من الشائعات ليست مهمة بعيدة عن المواطن، بل تبدأ من إصبعه قبل أن يضغط زر الإرسال، ومن ضميره قبل أن يصدق، ومن عقله قبل أن يعلق أو يعيد النشر. وعندما يدرك الأفراد أن التثبت واجب، وأن الدقة احترام للناس، وأن الامتناع عن نشر المعلومة غير المتحقَّق منها موقف مسؤول لا ضعف فيه، يصبح المجتمع أكثر مناعة، وتصبح الشائعة أضعف من أن تعبث بوعيه أو تهز ثقته.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حسام الدين علام
حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام

المزيد من مقالات

القانون ومواجهة الشائعات: بين حرية التعبير وواجب التثبت

تبدأ الشائعة اليوم من شاشة صغيرة، ثم تتحول في دقائق إلى حالة قلق عامة. رسالة مجهولة المصدر، عنوان مثير، مقطع...

المرأة القوة الهادئة.. من إعادة بناء الإنسان إلى صناعة السلام

في عالمٍ تتشابك فيه الحروب مع الأزمات السياسية والاقتصادية، لم تعد ما تتعرض له الأوطان يُقاس فقط بحجم الخسائر المادية،...

المصباح لا يرى الضوء الذي يعطيه: لماذا لا نشعر بما نقدّمه؟

في غرفة مظلمة، يكفي أن نُشعل مصباحا صغيرا ليتغير كل شيء. يصبح المكان أوضح، أكثر أمانا، وأكثر قابلية للحياة. نرى...

حكاية الملكة تي التي اغتالت زوجها رمسيس الثالث منذ 3200 عام

اليوم نذكر ما حدث في أوائل شهر أبريل عام 1155 قبل الميلاد أي منذ (3200 عام تقريبا) حين كان الملك...