سامى الغباشى يودع العالم بـ«صورة سيلفى مع الحياة»

منذ 20 يوما نشر قصيدة يتنبأ فيها بوفاته المفاجئة

فى 3 يوليو الحالى، نشر الشاعر سامى الغباشى في صفحته على الفيسبوك، قصيدة جديدة له بعنوان "خبر وفاة مفاجئ على الفيسبوك"، قائلا إن هذه القصيدة ستكون ضمن ديوان سيصدر قريبا عن دار الأدهم عنوانه "صورة سيلفى مع الحياة". بالطبع توالت التعليقات على القصيدة من الأصدقاء والقراء والمتابعين، لكن أحدا لم يلتفت إلى أن هذه القصيدة بعنوانها اللافت، وكذا عنوان الديوان أشبه بمانيفيستو ختامي يلقيه سامى، وكأنه يقول كلمته الأخيرة، أو الحكمة الختامية من تجربته فى الحياة التي ناهزت 55 عاما.

قبل أن ينتهى الشهر نفسه، وتحديدا فى صبيحة الأحد الماضى 23 يوليو، فوجئ أصدقاؤه ومحبوه، وخاصة الذين علقوا على القصيدة بخبر رحيله، حتى أن الذين يعرفون سامى عن قرب، ويعرفون طريقته الحادة فى تعرية الحقائق، ظنوا أن الأمر أشبه بلعبة منه لاختبار ردود الفعل حول خبر وفاته، وهل ستتحقق نبوءته فى القصيدة أم أن الأمر سيختلف. وبدا الكثيرون غير مصدقين للخبر، معتقدين أن خطأ ما قد حدث.

عشرون يوما بين نشر القصيدة والرحيل، وكأنها كانت نبوءته الخاصة، رغم أنه لم يكن يشتكى من أى مرض، فقط حدس الشاعر الذى يتوق الذى يستبصر ما لا يراه الآخرون، ولكنه لم يكن فقط يستبصر موته، لكنه كان أيضا يرسم مشهدا شعريا مفعما بالأسى عن ما سيحدثه خبر الوفاة من تداعيات:

«عندما

 ينتشر خبر وفاتك على الفيس بوك

ستجد حتى القتلة وحاملى الخناجر

يرفرفون حول اسمك وصفحتك كعصافير

وسيبحثون عن أى صورة معك

ليكتبوا فوقها:

كم كنت جميلا جدا

أيها الرجل الطيب كسنبلة.

حتى فتاتك التى تركتك فى ظلمة الفقد،

منذ ثلاثين عاما،

ستكتب على صفحتها (وداعا يا توأم الروح)

والمرابى الذى لجأت إليه يوما،

لإنقاذ حياة ابنتك الوحيدة من الموت،

واشترط ضعفين ليقرضك عاجلا

سيقيم مأتما فى جلسته الأسبوعية،

وسيرفع يديه عاليا إلى السماء ليدعو لك

وبالتأكيد لن يستجيب الله له.

عندما سينتشر خبر وفاتك على الفيس

ستبحث حبيباتك

عن أى أسود محتشم

ليظهرن به فى الندوات

لمدة أسبوع على الأقل

رغم أنهن ساهمن فى جلطاتك المتكررة،

لكن للفقد غواية

وللموت سحر على القلوب.

وحينها..

ستصبح جميلا جدا

وطيباً كسنبلة

 أساءوا لها

وأشعلوا القش.. بجوارها»

كلمات القصيدة لم تكن غريبة عن موقف سامى من العالم، إذ كان كثيرا ما يشتكى من مفارقات العالم، وما به من عبث، خاصة فى الوسط الثقافي، ويشعر بغبن ما، وتقريبا شبه مبتعد عن المشهد، يكتفى بكتابة قصائده، ونشر ديوان من وقت لآخر، دون حضور جسدى فى الندوات والمؤتمرات، فقد آثر العزلة والابتعاد والزهد، حتى أنه ابتعد لسنوات طوال عن المشهد برمته، قضاها فى جوار والده المريض، وهى السنوات التى دفعته لمراجعة ذاته وحضوره.

قبل سنوات الغياب الطويلة هذه، كان حضوره قويا وفاعلا فى المشهد فى حقبة التسعينات، ويساهم فى إطلاق المجلات الأدبية، والكتابة عن بعض شعراء جيله فى الصحافة المصرية والعربية، لكن غيابه لم يدفع الكثيرين للسؤال عنه أو مؤازرته فى محنته، فشعر أنه لم يحصد نتاج ما غرسه، ولو فى الحد الأدنى من التآزر الإنساني. لذا بعد رحيل والده، عاد للشعر، لكنه لم يعد للمشاركة فى المشهد، واكتفى بدور المراقب الزاهد حينا، والساخر الناقد حينا آخر.

لم يكن الراحل من أهم شعراء جيل التسعينات فقط، فإضافة إلى الشعر الذى يمثل انحيازه الأول، كان أيضا "نحات"، ولديه أتيليه خاص به، يمارس فيه النحت على الخشب، فكان النحت بالنسبة له فنا ومصدر رزقه، وكأنه رغم غضبه من عالم المثقفين والفنانين، لا يستطيع أن يعيش بعيدا عن عالم الفن والثقافة.

نشر فى بداياته الشعرية ديوان "فوق ذاكرة الرصيف"، وكان انحيازه فى البداية لقصيدة التفعيلة وله عدة قصائد عمودية نشر بعضها فى ديوانه الأول، ثم اتجه إلى التجريب الحذر فى فضاءات الكتابة منذ بداية التسعينات. وشارك فى الحركة الأدبية منذ بداية التسعينات، وأسهم مع آخرين فى إصدار عدة دوريات لمتابعة قصيدة النثر فى مصر وجيل التسعينات، مثل مجلة «تكوين 2000».

منذ التسعينات، توالت دواوينه، ومنها: «فضاء لها ومسافة لي» 1995 (طبعة خاصة)، و«هزيمة الشوارع» 1998 (طبعة خاصة)، و«تسميهم أصدقاء» (الهيئة العامة للكتاب 2002)، و«رصيف يصلح لقضاء الليل» (دار سنابل المصرية الإسبانية 2005)، و«قلب على طاولة»، وأخيرا «عند حافة الكراهية» عن دار الأدهم عام 2020.

 	عمر شهريار

عمر شهريار

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - يا بلالين العيد.. آنستينا

شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،

الطريق إلى الله«2» ذكر الله.. حياة القلوب

"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...

أبو بكر الصديق.. حامى دولة المسلميـن وقـاهـر المـرتدّين عن الدين

رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...

صــلاح عيسـى: الشيـــخ إمـام اختار أن يكون بطلا

تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...