كيف هزم هيكل الإخوان حيّاً وميتا؟ً

يمتلك الإعلامى والكاتب الصحفى الكبير محمد الباز ميزتين كبيرتين فهو من ناحية يمتلك موهبة الصحفى النابه القادر على التقاط الفكرة اللامعة الجذابة التى تلبى شغف القارئ

يمتلك الإعلامى والكاتب الصحفى الكبير محمد الباز ميزتين كبيرتين فهو من ناحية يمتلك موهبة الصحفى النابه القادر على التقاط الفكرة اللامعة الجذابة التى تلبى شغف القارئ وبحثه عن المنتج الصحفى المثير والجذاب، ومن ناحية أخرى يمتلك دأب الباحث المجتهد المدقق الذى يفتش عن الحقيقة ويبحث عنها فى الأوراق والوقائع والمستدات، ويعود إلى الأحداث، ويبحث فى التفاصيل والدهاليز وراء تدقيق فكرته وتأصيلها.

يتجلى هذا الأمر أكثر ما يتجلى فى واحد من أهم كتبه التى أصدرها للمكتبة العربية فى الآونة الأخيرة وهو كتاب "هيكل والإخوان.. كتاب الاعترافات والمواجهات".. فالفكرة لامعة جذابة براقة وطرفاها كانا حاضرين فى أغلب الأحداث الساخنة على الساحة المصرية.. وهما الكاتب الذى ملأ الدنيا وشغل الناس محمد حسنين هيكل، والجماعة التى كانت طرفا موجودا فى المعادلة السياسية المصرية منذ عصر الملكية وحتى ثورة يناير إلى درجة أنها وصلت إلى سدة الحكم بعد 25 يناير حتى لفظها الشعب المصرى وثار عليها وطردها من الحياة السياسية المصرية بغير رجعة.

المساحة الزمنية التى ولد وعاش فيها هيكل هى تقريبا نفس المساحة التى ولدت وعاشت فيها جماعة الإخوان.. فهيكل ولد عام 1923 والجماعة تأسست عام 1928 أى أنه يكبرها بخمس سنوات وهيكل رحل عن دنيانا فى 16 فبراير عام 2016 والجماعة ماتت اكلينيكيا وفعليا فى الثلاثين من يونيو 2013 أى إنها رحلت قبل رحيل هيكل بأقل من ثلاث سنوات وأعتقد أن الفكرة الزمنية وفكرة التعادل الزمنى كانت تلح على الباز وهو يفكر فى إنجاز كتابه الهام وهو قالها صراحة فى مقدمة الكتاب "تأسست جماعة الإخوان فى العام 1928 وولد هيكل فى العام 1923 أى أنه يكبرها فعليا بخمس سنوات لكن الشاهد إنها نمت أسرع منه فعندما حدث اللقاء الأول بين هيكل وحسن البنا مؤسس الجماعة فى العام 1945 كان الكاتب يبلغ من العمر 22 عاما وفى بداية طريقه فى العمل الصحفى بينما كانت الجماعة قد تضخمت وأصبح مؤسسها ملء السمع والبصر".

التقى هيكل بمؤسس الجماعة ومرشد الإخوان حسن البنا وبمرشدها الثانى حسن الهضيبى وبمرشدها الثالث عمر التلمسانى.

يقول الباز: كانت معرفة هيكل بجماعة الإخوان ولقاءاته المباشرة بقياداتها المتعاقبة عبر عقودها عاملا مهما فى قدرته على رفع الستر عن الجماعة ووضعها امام نفسها وجها لوجه وهو  ما جعله فى مرمى سهام الجماعة وحملاتها لتشويهه والطعن فيه.

 لقاء مع البنا

قصة اللقاء الأول بين هيكل وحسن البنا مؤسس الإخوان يرويها الباز بالتفصيل فهيكل كان يعمل سكرتيرا لتحرير مجلة آخر ساعة التى أسسها وكان يديرها محمد التابعى.

وقد أجرى التابعى حوارا مع حسن البنا وكان هيكل بصفته سكرتيرا للتحرير هو المسؤول عن متابعة إعداد الحوار الذى أجراه التابعى مع البنا وقد استقبل هيكل البنا وراجع معه بروفات الحوار قبل النشر، وكانت هذه فرصة ليجلس البنا مع هيكل ويتحدث معه وكان طبيعيا أن يعجب به، وقد تحدث هيكل عن هذا اللقاء الأول بينه وبين البنا عام 2006 لقناة الجزيرة وعام 2014 للميس الحديدى.

ما قاله هيكل عن هذا اللقاء - كما وضح الباز - يؤكد أنه  هو من أجرى الحوار وليس التابعى غير أن الباز يقول أنه بحث فى تلك الفترة  فلم يجد منشورا لهيكل سوى تقريران.. "وعندما بحثت عن الحوار مع حسن البنا وجدته منشورا فى عدد 15 مارس 1946 بالفعل لكن دون توقيع" لكن المؤكد كما يقول الباز: إن هيكل باشر مهمته فى إعداد الحوار للنشر من موقعه كسكرتير تحرير للمجلة وكان شاهدا على وقائعه، بعدها عرض البنا على هيكل أن يعمل سكرتيرا لتحرير جريدة "الإخوان المسلمون" اليومية التى فكر الإخوان فى إصدارها ورفض هيكل وأكد للبنا أن مشروع الجريدة اليومية سيفشل رغم ما قدمه البنا لهيكل من إغراءات وفى هذا العرض من البنا لهيكل تفاصيل كثيرة مهمة يرويها الباز الذى يقول تعقيبا على هذه الواقعة: كان يمكن لهيكل أن يقبل عرض حسن البنا فهو عرض عليه  أن يكون ضمن الفريق الأساسى لجريدة توزيعها مضمون بحسابات مؤسس الإخوان وعمره لا يتجاوز الثانية والعشرين وهو مجد صحفى هائل لكن هيكل رفض لأنه اكتشف أن طريقه لا يمكن أن يكون طريق الإخوان ولا مرشدهم.

يضيف الباز: انصراف هيكل عن البنا وعن صحافة جماعة الإخوان لم يصاحبه انصراف عنه أو عنها فقد ظل طوال حياته يرقبه ويراقبها من موقعه كمخبر صحفى وهى الصفة التى ظل يعتز بها ويمارسها طوال حياته فمثلا كان هيكل موجودا فى قلب المعركة يغطى حرب فلسطين عام 48، وكشف عن زيف ما روجه الإخوان من أنه كانت لهم أدوار بطولية فى حرب 48، وهو قال للميس الحديدى فى 22 مارس 2013 وكان الإخوان لا يزالون فى الحكم: أريد أن أقول أن كثيرا مما أسمع ومما يقال عن دور الإخوان فى حرب فلسطين غير حقيقى.

 بيان المرشد

وحين عاد هيكل من أرض فلسطين وجد حالة هائلة من التوتر صنعها الإخوان بل كانوا العامل الأساسى فيها.

يقول هيكل: أتذكر الاغتيالات التى لم تتوقف.. أحمد ماهر، النقراشى، الخازندار، سليم زكى حكمدار القاهرة  وغيرهم  لم يكن يمر شهر إلا وتقع حادثة مدوية، اغتال الإخوان محمود فهمى النقراشى رئيس الوزراء وأصدر حسن البنا بيانه المعروف "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين". لكى ينجو بما تبقى من جماعته، ولكى ينقذ نفسه ورقبته التى أصبحت مطلوبة للقصر وللنظام.

لم يكن البنا يرغب فى إصدار البيان لكنه اقتنع أخيرا بوجهة نظر صديقه مصطفى أمين الذى كتب له البيان وبوجهة نظر وزير الدولة آنذاك مصطفى مرعى واستشار البنا صديقه فريد عبدالكريم.. اقتنع مؤسس الإخوان بإصدار البيان الذى يتبرأ فيه ممن قتلوا النقراشى بناء على اتفاق مبرم بين البنا وبين مصطفى أمين ومصطفى مرعى.. وكل ذلك تم بناء على مقترحات قدمها هيكل الذى كان يتابع تفاصيل اجتماعات التفاوض باهتمام بالغ وهذه الرواية كتبها الباحث عمرو فاروق فى مقال نشره بجريدة النهار اللبنانية فى 14 فبراير 2012.

لكن هيكل نفسه روى فى حلقاته الشهيرة لقناة الجزيرة عام 2006 أنه التقى بالبنا الذى دخل عليه بمكتبه بأخبار اليوم عقب اغتيال النقراشى ليخبره أنه جاء للقاء مصطفى أمين ومصطفى مرعى وعبدالرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية.. وكان البنا خائفا ومترددا ولديه ثقة أنه سيدفع ثمن العمليات الأخيرة التى قام بها شباب الإخوان.

بعدها التقى هيكل بالشاب الإخوانى عبد المجيد أحمد حسن الذى اغتال النقراشى  قبل تنفيذ  حكم الإعدام فيه وجلس معه عشرة دقائق وشهد عملية الإعدام.

يقول الباز: لقاءات هيكل مع البنا جعلته يكون صورة دقيقة عن مؤسس الجماعة ومرشدها الأول.. هذه الصورة التى تجلت تماما فيما صرح به هيكل لثروت الخرباوى حين قال له: أنا فى شدة الدهشة من هؤلاء الذين فتنوا بحسن البنا.. فقد جلست معه مرتين واستمعت إليه فى خطبه. وقد كان فى كل هذا شخصية محدودة جدا.

 عبد الناصر والإخوان

فى حديثه عن علاقة الإخوان بثورة يوليو وقادتها ينقل محمد الباز ما قاله هيكل للصحفى اللبنانى فؤاد مطر فى كتابه الذى كان عبارة عن حوار طويل مع هيكل عنونه بـ "بصراحة عن عبد الناصر" وصدر عام 1975.

قال هيكل أن معرفة عبد الناصر بالإخوان تعود إلى حرب فلسطين إذ شارك ناصر فى تدريب المتطوعين من الإخوان فى الحرب ولكن عبدالناصر لم يشارك فى إنشاء الميليشيا للإخوان والفارق  كبير بين أن يدرب متطوعين من الإخوان وأن يشارك فى إنشاء الميليشيا الخاصة بهم ويورد محمد الباز ما جاء فى كتاب هيكل ملفات السويس من أن الإخوان كانوا يعتبرون أنفسهم أقرب الكل لثورة يوليو بل اعتبروا أنفسهم أوصياء على الحكم الجديد إلى حد أن المرشد الثانى  حسن الهضيبى أصدر يوم 13 أغسطس عام 1952 بيانا نشرته الصحف دعا فيه جميع الأحزاب السياسية فى مصر إلى حل نفسها وترك أعضائها ينضمون إلى الإخوان المسلمين ثم يتحدث الباز عن علاقة هيكل بالهضيبى الذى خلف البنا كمرشد عام وكيف أن هيكل لم يكن معجبا بالهضيبى الذى التحق بالإخوان متأخرا، وقد كان قاضيا وظل يمارس عمله كمرشد عام  ما يقرب من ستة شهور دون أن يترك عمله فى القضاء إلى أن قدم استقالته من القضاء وتولى فى 17 أكتوبر 1951 بشكل رسمى منصب المرشد العام "بناء على الحاح كبير من عناصر الإخوان" كما روجت الجماعة .. لكن هيكل يكذب هذا الكلام الإخوانى ويرى أن الهضيبى لم تكن هناك قوة من الإخوان ترشحه لمنصب المرشد العام لكن الشاهد أن حسن البنا أراد اختراق القضاء عن طريقه، أما من رشح الهضيبى ليكون مرشدا عاما فقد كان نجيب باشا سالم ناظر  الخاصة الملكية الذى كان أحد أصهار الهضيبى وهو من رشحه للملك فاروق ليتولى شئون الجماعة.

 لقاء مع الهضيبى

وقع الصدام الكبير بين الثورة والإخوان حين حاول عضو من جماعة الإخوان يدعى محمود عبد اللطيف اغتيال جمال عبدالناصر وهو يخطب فى ميدان المنشية فى الثامنة  إلا خمس دقائق من مساء الثلاثاء 26 أكتوبر عام 1954 ونفى هيكل تماما بل وتعجب من ترويج الإخوان لمسألة أن الواقعة كانت عبارة عن تمثيلية من عبدالناصر لإحداث الصراع مع الإخوان  والقضاء عليهم وقد قال هيكل فى حديثه للجزيرة:

"أنا أجزم إنها لم تكن تمثيلية أبداً" و بعد حادث المنشية ألقى القبض على الهضيبى وأودع السجن الحربى وذهب إليه هيكل ليجرى معه حوارا نفى فيه الهضيبى مسئوليته عن محاولة الاغتيال وتحريضه عليها وألقى المسئولية على النظام السرى الذى كان يقوده خميس وفرغلى.

يورد الباز فى كتابه ذلك الحوار الطويل الذى جرى بين هيكل والهضيبى فى السجن الحربى والغريب أنه أثناء الحوار سأل الهضيبى هيكل سؤالا غريبا قال له: هل أوجه اليك سؤالا وأجاب هيكل تفضل فقال الهضيبى لماذا قتلوا أولادى جميعا ولما نفى هيكل كان الهضيبى مصرا على رأيه، وما يلفت النظر هنا أن الهضيبى كان مقتنعا تماما بأن رجال عبدالناصر قتلوا أولاده ولم يقتنع بوهم ما يعتنقه  إلا حين طلب أحمد أنور مدير البوليس الحربى الذى حضر الحوار منزل الهضيبى تليفونيا واعطاه سماعة التليفون لتخبره زوجته إنها وأولادها بخير.

يقول الباز:  أهال هيكل بما كتبه عن الهضيبى التراب بشكل كامل عليه.. أظهر ضعفه وهشاشته وسذاجته.. ويضيف الباز: ما لم يشر له هيكل أن الهضيبى كان طامعا ومتطلعا لأن يكون رئيس وزارة، وهذه هى بقية الصفقة التى عقدها له صهره نجيب باشا سالم ناظر الخاصة الملكية مع الملك فاروق.. فقد كان الاتفاق على أن يتولى الهضيبى منصب مرشد الإخوان وبعد أن يسيطر على الشارع لصالح الملك ليضرب به فاروق الوفد ويعينه رئيسا للحكومة لكن ثورة يوليو جاءت لتطيح به وبأحلامه ويواصل الباز: اعتقد أن هذا هو سبب وسر الكراهية الشديدة التى كان الهضيبى يكنها لجمال عبدالناصر فلم يكن بالنسبة له الرجل الذى قاد ثورة، بقدر ما كان الرجل الذى قضى على أحلامه كلها مرة واحدة.

ثم يتناول الباز ذلك الحوار الذى أجراه هيكل مع محمود عبداللطيف المتهم بمحاولة اغتيال عبدالناصر إذ ذهب إليه فى السجن الحربى وحاوره وأعد تقريرا عن حواره معه نشره فى أخبار اليوم فى 30 أكتوبر 1954 كان عنوانه "الجانى يتكلم".

تحدث هيكل كثيرا عن علاقة عبدالناصر بالإخوان المسلمين قبل الثورة.. هكذا يؤكد محمد الباز فى كتابه وهو يعرض صراحة لما كتبه هيكل نفسه أو لما صرح به لمن حاوروه مثلما تحدث ليوسف القعيد فى كتابه محمد حسنين هيكل يتذكر.. عبدالناصر والمثقفون.. فقد قال هيكل للقعيد ما ملخصه أن  عبدالناصر اقترب من الإخوان وكان له أصدقاء منهم مثل عبدالمنعم عبدالرؤوف لكنه أبدا لم يكن عضوا منظما بها وذات مرة جرى الحديث بين هيكل وعبدالناصر عن الإخوان وخلاله قال ناصر لهيكل عن الجماعة: انت لا تعرفهم إنهم قتلة.

 حول سيد قطب

الشاهد هنا أن هيكل تقاطع مع الإخوان فى كل القضايا الساخنة التى كانوا طرفا فيها.. فحتى قضية سيد قطب وتنظيمه الذى كان يهدف لاغتيال عبد الناصر وقلب نظام حكمه وحيث كان هيكل وقتها يتربع على عرش الأهرام بدا أنه – هيكل- تعامل مع القضية من منظور صحفى مهنى فقط لكن حتى هذه القضية تناولها هيكل فى كتابة لمصر لا لعبد الناصر، فقد انتقد هيكل صراحة زوار الفجر وزعيمهم  شمس بدران وزير داخلية ناصر الذى اعتقل 700  إخوانياً على حد قول هيكل من لسان ناصر شخصيا حرفها يوسف القرضاوى إلى خمسة آلاف إدعاء وكذبا على هيكل ومن الغريب أن يدعى الإخوان أن هيكل سرق مكان سيد قطب لدى عبد الناصر وأن سيد قطب كان صديقا لعبدالناصر ومستشاره السياسى والثقافى والدينى والاجتماعي، يقول الباز: الوقائع التاريخية التى بين أيدينا تشير إلى أن هيكل لم يلتق بسيد قطب على الإطلاق حتى لو مصادفة.. هذه الحقيقة نفسها يمكن أن تنسف كذلك ما روجه الإخوان عن العلاقة الوثيقة بين سيد قطب وعبدالناصر، فلو كانت بين ناصر وقطب علاقة قوية لكان هيكل قابل قطب ولو مرة واحدة.. لكن هذا لم يحدث.

ويبدى الباز تعجبه مما جاء فى الجزء الثانى من مسلسل الجماعة لوحيد حامد.. فمن يشاهده يعتقد أن قطب هو من صنع عبدالناصر.. وحين واجه الباز وحيد حامد بما كتبه فى المسلسل غضب حامد غضبا شديدا  وأكد الباز أن حامد لم يعتمد على ما أورده فى مسلسله  إلاعلى كتاب لسليمان الحكيم نشره عام 2010 بعنوان عبد الناصر والإخوان. من الوفاق إلى الإنشقاق، كما ذكر الباحث عمرو صابح فى مقال  له ويقول صابح فى مقاله: لا توجد صورة واحدة تجمع بين جمال عبدالناصر وسيد قطب،  رغم وجود العديد من الصور لناصر مع حسن الهضيبى ومحمد فرغلى وعبدالحكيم عابدين وعبدالقادر عودة وصالح عشماوى وغيرهم من قادة الجماعة وأن سيد قطب فى كتابه لماذا أعدمونى لم يذكر مطلقا أى علاقة له بجمال عبدالناصر قبل أو بعد الثورة.

 مع التلمسانى

التقى هيكل مع مرشد الإخوان الثالث عمر التلمسانى فى السجن حيث وضعهما السادات ضمن المئات الذين اعتقلهم  فيماعرف إعلاميا باعتقالات سبتمبر عام 81، ثم ذهب الاثنان إلى مستشفى القصر العينى.

فى كتابه خريف الغضب أشار هيكل إلى التلمسانى باعتباره رجلا يحظى باحترام الجميع وروى ما جرى بين السادات والتلمسانى من مواجهة فى لقاء بالإسماعيلية اتهم فيه السادات مجلة الدعوة التى كان يصدرها الإخوان ويشرف عليها التلمسانى واتهم الإخوان اتهامات خطيرة ورد عليه التلمسانى بأنه يشكوه إلى الله وخاف السادات وقال للتلمسانى: أنا رجل أخاف الله فاسحب شكواك.. هذه الحكاية رواها التلمسانى من وجهة نظره التى تتفق فى كثير منها مع ما رواه هيكل.. ورواها السادات من وجهة نظر مغايرة تماما.. وقد عقب الباز على ما قاله هيكل بشأن احترامه للتلمسانى بأنه لو كانت حدثت تلك المواجهة بين التلمسانى وعبد الناصر لكان كلام هيكل مختلفا تماما.

الغريب ما رواه الباز وما نقله من فقرات من كتاب التلمسانى عن عبدالناصر الذى صدر عام 1979 بعنوان قال الناس ولم أقل فى حكم عبدالناصر، يقول التلمساني: وإذا أردت أن تعرف كيف كانت السياسة الاقتصادية فى عهد عبدالناصر مخربة للوطن مسعدة لحاشيته وأنصاره  فاقرأ فى جريدة أخبار اليوم السبت 10 ديسمبر 1977.

إن محمد حسنين هيكل أغنى اشتراكى فى مصر، له عزبة يمتلكها فى الهرم وله شقة مطلة على النيل بها ست عشرة غرفة وله شقة فى الإسكندرية. وله يخت ملكى يملكه على شاطئ  المعمورة.

ويعلق التلمسانى على ما نقله فى جريدة أخبار اليوم فيقول: ولم يكذب هيكل حرفا واحدا من هذه الاتهامات التى تمس الأمانة والذمة الطاهرة فى صميمها، هيكل الذى كان قبل اتصاله بعبدالناصر لا يملك إلا مرتبه التافه.. وثمن الإعلانات التى يكتبها للمرحوم أحمد عبود باشا.. هذا هو المستشار الصحفى للزعيم المفدى بالدم والروح والمال من كل ممحرق مأجور.

 هيكل والجماعة  وما بعد يناير

يتناول الباز فى الفصول الأخيرة من كتابه المهم علاقة هيكل بالإخوان منذ سنوات مبارك الأخيرة وحتى ثورة 30 يونيو وعزل الرئيس الإخوانى  ورحيل هيكل بعدها.. يقول الباز إنه فى سنوات مبارك الأخيرة حاول النظام وقتها شيطنة هيكل، ولم يُفلت الإخوان الفرصة وتعاملوا مع هيكل بقاعدة إن عدو عدوى صديقى فقرروا أن يقتربوا منه وجلسوا معه فى مكتبه وزاروه فى بيته الريفى ببرقاش وامتدت بينه وبينهم المناقشات الطويلة التى طويت على هامشها خلافات الماضى، وتلك واحدة من دراما الحياة.

ويضيف الباز: كان هناك من أصدقاء هيكل الذين يميلون إلى الإخوان ميلا كبيرا تحدث هو عنهم بأنهم أصدقاء مقربون منه ومنهم: طارق البشرى وفهمى هويدى وعبدالوهاب المسيرى.. وتحدث الباز عن لقاء جرى بين هيكل وعبدالمنهم أبو الفتوح وعصام العريان ومحمد حبيب ناقش معهم فيها علاقة الإخوان والإسلام السياسى بشكل عام مع أمريكا.

المحطة الأخيرة فى كتاب الباز حول علاقة هيكل بالإخوان  تناولت ما حدث منذ 25 يناير وحتى  قيام ثورة 30 يونيو وما تلاها ففى أثناء ثورة يناير قال هيكل إن الإخوان موجودون فى الثورة لكنهم غير مؤثرين وبعد نجاح الثورة هاجم هيكل فى برنامج مصر النهاردة مع محمود  سعد ظهور يوسف القرضاوى يخطب الجمعة فيما عرف بجمعة النصر وألمح إلى أن القرضاوى يبدو وكأنه يريد أن يتقمص دور  الخومينى  بعد نجاح الثورة الإسلامية فى إيران، وبسبب هذا الرأى تعرض هيكل للهجوم  من عناصر الإخوان مثل قطب العربى الذى هاجم هيكل هجوما شديدا على صفحات اليوم السابع ، وقبل الانتخابات الرئاسية التقى هيكل بعبدالمنعم أبو الفتوح ثم بمحمد مرسى ليستمع منهما إلى برنامجيهما للرئاسة ثم قال هيكل بعدها إنه يجب منح الفرصة للتيار الدينى ليتولى المسئولية، وبعد نجاح مرسى بدا هيكل قلقا من الإخوان ومن تعاطيهم مع السلطة التى ظلوا طوال تاريخهم فى عداء معها.

وحينما بدأت الأحداث تتفاقم خرج هيكل بانطباع أن مرسى رجل لا يصلح لمنصب الرئيس والتقى هيكل  بمرسى بناء على طلب الاخير بقصر الاتحادية  وأبدى للميس الحديدى ملاحظات كثيرة أغلبها سلبية عن الرئيس الإخوانى ، وحين بدأ تدشين حركة تمرد على يد محمود بدر ومحمد عبدالعزيز وحسن شاهين ظهر موقف هيكل جليا واضحا.. إنه مع تمرد وإنه مع الثورة ضد حكم الإخوان.

بدأت الأمور تتضح وبدا إن هيكل صار واضحا وصريحا فى وقوفه ضد الإخوان ونظامهم وقد توقع هيكل فى لقاءاته بقادة تمرد أن وزير الدفاع  آنذاك الفريق أول عبدالفتاح السيسى سيمنح الجميع فرصة أسبوع للتوافق فى الخطاب الذى سيلقيه بعد تفاقم الأحداث، وبدا وأضحا أن هيكل كان مطلعا على كل شىء داخل مطبخ الأحداث الساخنة فى تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر.

 وبعدها تم  كشف مخطط إخوانى لاغتيال هيكل، ولم يسكت الإخوان بعد نجاح ثورة 30 يونيو وبدلا من اغتيال هيكل اغتالوا ما يحتفظ به من تراث ووثائق ومستندات وآلاف الأوراق فى  فيللته  ببرقاش عندما قاموا بحرق  الفيلا،  فقد نقموا عليه بعد أن  خرج  فى الحلقات التليفزيونية  مع لميس الحديدى يشرح ويحلل سوءاتهم ومثالبهم وجرائمهم ويؤكد على أنه كان لابد أن يسقط الإخوان لأن البديل كان هو سقوط مصر.

يختم الباز كتابه الوثيقة بقوله: بعد وفاته فى 16 فبراير 2016 تطاولت الجماعة على هيكل.. دشنت لجانها الالكترونية هاشتاج "هلك هيكل". وهو ما يعنى فى رأينا شعورهم بالهزيمة منه حتى بعد موته وأعادوا مرة أخرى الاتهامات التى سبق وألصقوها به لكنه كان قد مضى بعد أن أدى رسالته واًصبح واضحا أمامنا وعندما نعيد قراءة ما قاله الأستاذ عن الجماعة  إن هيكل يهزم الإخوان حتى وهو فى قبره وهكذا يؤكد الباز على أن الإخوان كانوا ومازالوا يشعرون بالهزيمة من هيكل.. فقد إنتصر عليهم حياً وميتاً.


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - مسابقة أجمل ضوافر

البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...

العديسى.. كيف حالك جداً (ملف خاص)

ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...

شخصيات لها تاريخ «100» عزيز المصرى.. أبو الثوّار العرب فى القرن العشرين

درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...

شهادات تذاع لأول مرة «13» شهادة من ناقد عاش التجربة وكتب عنها

إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...