رسم الإسلام صورة شديدة النقاء للخالق سبحانه وتعالى، لا يشوبها تعارض ولا اختلاف، فصفات الله وأسماؤه فى العقيدة الإسلامية هى أساس الخَلق والأمر؛ ومَن عرف أسماء الله
رسم الإسلام صورة شديدة النقاء للخالق سبحانه وتعالى، لا يشوبها تعارض ولا اختلاف، فصفات الله وأسماؤه فى العقيدة الإسلامية هى أساس الخَلق والأمر؛ ومَن عرف أسماء الله الحسنى، واستقرأ آثارها فى الخَلق والأمر، رأى الخَلق والأَمر مُنتظمَيْن أَكمل انتظام، ورأى سريان آثاره الأسماء والصفات فيهما، وعلم ما يَليق بكمال الخالق وجلاله أَن يفعله وما لا يليق. فالشر لا يليق بالله، والخير يليق به سبحانه.
قد قسم العلماء أسماء وصفات الله سبحانه إلى ثلاثة أقسام، هى:
- أسماء الجمال: وهى المحتملة على حسن فى الذات، أو حسن فى المعنى، وبر بالعباد والمخلوقين، ومن أسماء الجمال: البر، والرحيم، والودود، المحسن، ونحو ذلك.
- أسماء الجلال: وهى التى فيها ما يدل العباد على جلال الله وعظمته وعزته، مثل: القهار، والجبار، والقدير، والعزيز، ونحو ذلك.
- أسماء الكمال: والتى تعبر عن كمال الله عز وجل وتنزيهه عن كل نقص وعيب، فهو الحى الذى لا يموت أبدًا، القيوم الذى قام بنفسه واستغنى عن جميع المخلوقات، لا تأخذه سنة ولا نوم، وجميع ما فى السَّماوات والأرض عبيده، وتحت قهره وسلطانه، وهو الإله الذى خضع كل شيء لسلطانه، فانقادت له المخلوقات بأسرها: جماداتها، وحيواناتها، وإنسها، وجنّها، وملائكتها، وهو سبحانه الذى بيده النفع والضر، وهو القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء، وهو الذى أحاط علمه بكل شيء، فهو يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
تنزيه الله عن النقائص ومنها الشر
ترسم أسماء الله وصفاته فى القلوب تصورا عن الخالق سبحانه الذى ليس كمثله شيء، وتنزهه عن النقائص، بحيث لا يستطيع أحد أن يستغل أسماء الله وصفاته أو يؤلها لمصلحته، فيمارس شروره متكئا عليها، كما حدث عندما سيطر الفكر النفعى على الغرب.
ولا ينسب خلق الشر المحض إلى الله؛ لأن كل أسمائه وصفاته وأفعاله حسنى، والله تعالى منزه عن نسبة الشر إليه، والشر الذى نراه، ويستقبحه العقل، ويستنكره الشرع، ويأباه القلب، عندما خلقه الله جل وعلا، لم يخلقه شراً محضاً عارِ عن الحكمة، إنما هو شر نسبى إضافي؛ لأن الشر نوعان:
شر محض لا خير فيه من أى وجه من الوجوه.
وشر نسبى إضافى جزئى، فهو شر من وجه، ولكنه خير من وجه آخر. بل قد يكون شراً من وجه واحد، ولكنه خير من عدة وجوه، ومثال ذلك: خلق الله جل وعلا المصائب والبلايا، فهى فى حد ذاتها شر بالنسبة لمن نزلت عليه وحلت به، لكنها خير من وجوه أخرى، منها: أن هذه المصيبة التى نزلت على المرء مكفرة لذنوبه وسيئاته، ومنها: أن الله جل وعلا أصاب المرء بهذه المصبية؛ ليعتبر غيره ويحمد الله على العافية، وإن المصيبة تنزل على المؤمن؛ ليرتفع درجة عند الله جل وعلا، وتكون تلك المصيبة إشارة على أن الله يحب هذا العبد؛ لأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.
هذه الشرور من خلق الله جل وعلا، ولكن هل تنسب هذه الشرور إلى لله جل وعلا؟
يجيب العلماء بأن الشر ليس موجوداً فى فعل الله، وإنما هو أثر عن فعل الله؛ لأن أفعال الله كلها كمال، فلا ينسب إليه نقص فى حال من الأحوال، وأفعال الله كلها منزهة عن النقص، والشر نقص، فلا ينسب إلى فعل الله جل وعلا، وإن كان أثراً عن فعل الله، أى أن الشرور تنسب إلى مفعولات الله، ففعل الله تعالى كله خير وكمال، ومفعول الله جل وعلا قد يكون فيه شر، فإذا قلنا: إن الشر ينسب لمفعولات الله، ولا ينسب لفعل الله جل وعلا، نكون بذلك قد سلكنا طريق الأدب مع الله جل وعلا.
الشر فى المخلوقات
ومخلوقات الله – باعتبار الخير والشر – تنقسم إلى ثلاثة أقسام هى:
1 – شر محض: كجهنم وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التى خلقهما الله من أجلها، فهى خير، فجهنم شر، لكن بها يتحقق عدل الله وهو خير، وإبليس شر ولكن إذا نظرنا فى الحكمة من خلقه، سنوقن بأن الله جل وعلا ما خلق إبليس إلا لحكمة عالية بليغة، فقد جعل الله – إبليس يوسوس لهذا ويغوى ذاك، حتى يميز المؤمن المخلص الذى لا يستجيب لغواية الشيطان، عن الذى يتبع شهوات نفسه، ويتبع إبليس.
والله تعالى خلق الكفر، والكفر شر، وهو سبحانه لا يحب الكفر ولا يريده، ولكنه شاءه لحكمة بليغة، وهى: أن يتحقق علم الله جل وعلا فى الخلق، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، وهذا الشر الذى خلقه الله جل وعلا لم يكن شراً محضاً، ولكنه شر نسبى إضافى، أى بالنسبة للشخص الذى نزل عليه هذا البلاء، أو نزل عليه هذا الشر، فهو شر بالنسبة له، أما لغيره فهو خير.
2 – مخلوقات كلها خيرُ محض لا شر فيها، كالجنة والرسل والملائكة.
3 – مخلوقات فيها شر وخير: كالإنس والجن وربما بعض الحيوانات، وهذه المخلوقات مخيرة بين فعل الخير وفعل الشر، فإذا التزمت الخير كانت عند الله أفضل من المخلوقات الخيرة تماما، التى لا شر فيها، وإن مالت إلى الشر كانت أكثر شرا من المخلوقات التى لا خير فيها.
بيده الخير
ولنا أن نتأمل قوله تعالى (قل اللهم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26)، فهذه الآية تناولت ملك الله وحده سبحانه، وتصرفه وعموم قدرته، وأن هذه التصرفات كلها بيده جل وعلا وأنها كلها خير، فسلبه الملك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير، وإن كان شرا بالنسبة إلى المسلوب الذليل، فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، وهذا كله خير يحمد عليه الله ويثنى به عليه، كما يحمد ويثنى عليه بتنزيهه عن الشر وأنه ليس إليه. كما ثبت فى صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثنى على ربه بذلك فى دعاء الاستفتاح بقوله (لبيك وسعديك والخير فى يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت).
فتبارك الله وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إلى الله، فلو أضيف إليه لم يكن شرا، وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر فى بعض مخلوقاته، لا فى خلقه وفعله، فخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذى هو وضع الشيء فى غير موضعه، فهو جل وعلا لا يضع الأشياء إلا فى مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كله، أما الشر فهو وضع الشيء فى غير محله، فإذا وضع فى محله لم يكن شرا.
ولله الأسماء الحسنى
العلم بالله وأسمائه وصفاته أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم فى هذا العلم هو الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى، مما يزيد الإيمان، والله سبحانه خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم، وفى هذا يقول ابن القيم رحمه الله (مفتاح دعوة الرسل، وزبدة رسالتهم، معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها).
ومعرفة أسماء الله وصفاته تزيدنا يقينا بأنه سبحانه وتعالى لا يرضى الشر، وأنه جل وعلا خلق ما نعتبره شرا وابتلى به بعض عباده لحكمة هو أعلم بها. ولو بحثنا سريعا فى بعض أسماء الله الحسنى لتأكد لنا هذا.
فاسم الله "القدوس" يعنى الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به، وأصل كلمة "القدوس" من الطهارة والنزاهة، وسمى "بيت المقدس" بهذا الاسم لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب، وسميت الجنة "حظيرة القدس" لطهارتها من آفات الدنيا، وسمى جبريل "روح القدس" لأنه طاهر من كل عيب، وقول الملائكة (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) أى نقدسك وننزهك عما لا يليق بك، ونعظمك ونمجدك، وننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس ومما أضاف إليك أهل الكفر بك.
وكذلك اسمه السلام، فهو عز وجل الذى سلم من العيوب والنقائص، ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم، فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته إليه.
واسم الله السلام يعنى أيضا: الذى تكبر عن "السوء"، والذى تكبر عن السيئات، والمتعظم عن كل "سوء"، والذى يكبر عن ظلم عباده.
وكذلك اسمه "العزيز" الذى له العزة التامة ومن تمام عزته براءته عن كل سوء وشر وعيب فذلك ينافى العزة التامة.
وهو سبحانه له الخلق والأمر، فكما أنه فى أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما، وليس فى الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهى عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده.
وكذلك اسمه القيوم، فهو يعنى القائمُ الحافظُ لكل شىء. المربى، ومن تربيته جل وعلا أنه لا يوجد عمل تفعله إلا يكافئك عليه أو يؤدبك من أجله، وبعض المكافئات وبعض الجزاءات تعجل فيرى الإنسان ثمرتها فى الحياة الدنيا. وبعضها يؤخر إلى الآخرة، فالقيوم سبحانه يتابع كل حركة وسكنة، وهذه المتابعة تربية ورحمة وحكمة. وهى من نعم الله الكبرى على الإنسان، أن تكون محاسبته فى الدنيا قبل الآخرة، جاء فى الحديث القدسى (وعزتى وجلالى لا أقبض عبدى المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً فى جسده، أو إقتاراً فى رزقه، أو مصيبة فى ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقى عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقانى كيوم ولدته أمه).
هذه التربية الربانية بالشدائد يراها البعض شرا، ولو أمعنا النظر لوجدناها خيرا محضا. فخير للإنسان أن ينقى بالشدائد فى الدنيا، من أن يرتع فى الحياة ثم يلقى الله يوم القيامة وهو محمل بالذنوب.
وهو جل وعلا الجبار، الذى يَجبُرُ الضعيف وكل قلب منكسر لأجله، فيَجبُر الكسير، ويُغنى الفقير، ويُيسر على المعسر كل عسير، ويجبر المصاب بتوفيقه للثبات والصبر ويعوضه على مصابه أعظم الأجر إذا قام بواجبها، ويجبر قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله جبراً خاصاً، ويجبر قلوب المحبين بما يفيض عليها من أنواع كراماته.
والجبار معناه أيضا القهار لكل شيء، الذى دان له كل شيء، وخضع له كل شىء. العلى على كل شيء. المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مُمَاثَلَةِ أحد، وعن أن يكون له كفؤ أو ضد أو سَمِىّ أو شريك فى خصائصه وحقوقه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد