رحل عن عالمنا، الأسبوع الماضى، العالم والناقد والمفكر الكبير الدكتور جابر عصفور، الأستاذ فى كلية الآداب جامعة القاهرة، ووزير الثقافة الأسبق، بعد رحلة عطاء كبيرة علميا
رحل عن عالمنا، الأسبوع الماضى، العالم والناقد والمفكر الكبير الدكتور جابر عصفور، الأستاذ فى كلية الآداب جامعة القاهرة، ووزير الثقافة الأسبق، بعد رحلة عطاء كبيرة علميا وفكريا وإداريا، فقد كان الراحل أحد أعلام النقد والفكر العربى، وظل طوال مسيرته الحافلة شعلة عطاء فكرى وثقافى، ورمزا بارزا من رموز التنوير، حتى أصبح التنوير مقترنا به وبكتاباته وأفكاره طوال نصف قرن مضى، فقد ظل منذ تخرجه من قسم اللغة العربية، وحتى مرضه الأخير الذى رحل على إثره، يكتب ويقدم أفكاره عن التنوير والحرية والاختلاف للمجتمع العربى كله، وليس المصرى فحسب، فصار رمزا للحداثة العربية والوعى النقدى، وبرحيله فقدت الثقافة العربية أحد أعلامها ورموزها المضيئة.
وجوه جابر عصفور التى أضـــــاءت الثقافة العربية
كثيرون هم الذين اشتغلوا بالحقل النقدى، وأكثر منهم الذين عملوا أساتذة بالجامعات، لكن قلة قليلة من هؤلاء الكثرة هم الذين تجاوزوا جدران الجامعة، وخرجوا للمجتمع، واشتبكوا مع قضاياه المجتمعية والفكرية والثقافية، بل وحتى السياسية، وعدد أقل منهم كان له أدوار إدارية وسياسية بالفعل، وعلى رأس هؤلاء المفكر والناقد الكبير جابر عصفور، الذى لم يكتف فقط بعمله أستاذا جامعيا، فقد كانت شواغله وأفكاره أكبر من الانحباس داخل أسوار الجامعة، رغم اعتزازه الكبير بالانتماء لها، هذا الاعتزاز الذى جعله يوصى بأن يخرج جثمانه من حرم جامعة القاهرة العريقة، مكانه الأول، وبيته الذى تعلم فيه، ثم انطلق منها ليجوب الآفاق، حتى أصبح واحدا من أشهر النقاد والمفكرين العرب، وأكثرهم إثارة للجدل، فلم يكن له وجه واحد، بل وجوه متعددة، كل منها ارتبط بدور من أدواره الكثيرة التى أداها كلها بكفاءة يشهد بها الجميع.
تلميذ طه وسهير
أحد الوجوه المهمة فى حياة جابر عصفور، الذى حصل على الليسانس من قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة القاهرة، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، يونيو 1965م، أنه كان تلميذا مباشرا للراحلة العظيمة الدكتورة سهير القلماوى، التى كانت تلميذة مباشرة ومقربة لعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، وكان تأثير القلماوى وكذا تأثير طه كبيرا فى عقل ووجدان جابر عصفور، كان يعتبر الأولى "الأم" الثانية له، فقد تعهدته بالرعاية منذ أن كان طالبا يافعا فى كلية الآداب، ولعله رأى فيها مبكرا نموذج المرأة المثقفة المفكرة القادرة على مجاورة الرجال فى التدريس بالجامعة، وربما التفوق عليهم، فظل طوال حياته نصيرا للمرأة مدافعا عن ضرورة حصولها على كل حقوقها. أما طه حسين، الذى عاصره جابر عصفور فى أواخر عمره، فقد كان الضوء المنير من بعيد، وظل طيفا يخايل التلميذ الصغير، كان العميد القدوة والمثال، يريد أن يكون مثله، وفى الوقت نفسه أن يكون ذاته، هذه العلاقة المبكرة من المحبة والرغبة فى الاختلاف، التى أنتجت لنا كتابا مهما هو "المرايا المتجاورة" عن أفكار طه حسين والاشتباك معها اتفاقا واختلافا.
الخوجة
كان المصريون قديما يطلقون على المدرس لقب "خوجة"، وكان جابر عصفور يعتز كثيرا بأنه "خوجة"، وقد سمعته بنفسى يقول فى المحاضرات –وقد شرفت بأن درست على يديه- إن التدريس أعظم المهن، سواء كان لطلاب الجامعة أو لكلاب ابتدائى، وإنه يعتز بعمله أستاذا فى الجامعة، وإنه كان وسيظل "خوجة" مهما تعددت المناصب والمسؤوليات.
كان الخوجة جابر عصفور متسقا مع ما ينادى به المفكر الشهير من ضرورة الاختلاف، فكان دائما يطالب تلاميذه بأن يختلفوا معه، ويفكروا بشكل حر، ويحثهم على ذلك، مؤكدا أن أكثر ما يسعد الأستاذ أن يجد تلاميذه وقد أصبح لكل منهم شخصيته وأفكاره ورؤاه المستقلة والناقدة، بعيدا عن ثقافة الاتباع والسمع والطاعة، فإذا كان الطلاب يسمعون كلام أستاذهم ويرددونه دون تفكير فإن الأستاذ يكون قد فشل فى مهمته.
قارئ التراث
البداية الأولى للباحث الشاب كانت مع التراث النقدى، فكانت رسالته الأكاديمية عن "الصورة الفنية فى التراث النقدى والبلاغى"، ثم "مفهوم الشعر" ثم "قراءة التراث النقدى" ثم بحثه الصغير والمهم "بلاغة المقموعين"، وصولا إلى كتابه "غواية التراث"، و"دفاعا عن التراث"، هذه الكتب والدراسات التى جعلته أهم قارئ للتراث النقدى العربى فى النصف قرن الفائت، ويبدو أن التراث كان غواية بالفعل، فقد ظل طوال حياته قارئا للتراث، منشغلا به وبنقده، يفكر فيه ومعه، دون أن يخضع لسطوة ذلك التراث، بل يحاول أن يبحث فيه عن الإيجابى والبناء، وليتعرف على كيف كان يفكر النقاد العرب القدامى.
لم يقع قارئ التراث الأهم عربيا فى فخ الاكتفاء بذلك التراث كما وقع كثيرون، فقد كان يدرك خطورة الاستلاب، أن تفقد ذاتك المعاصرة فى زهوة انبهارك بتراثك، لذا كان حريصا على أن يأخذ مسافة كافية من ما تركه الأسلاف، مع كل التقدير لمنجزهم، لكنه كان يؤمن بفكرة الدوائر المتقاطعة، للأباء والأجداد والماضى دوائرهم، وللذات والحاضر دوائره، قد تتقاطع الدوائر وتلتقى فى بعض المواضع، وتختلف فى أخرى، لكنها لا تتطابق تماما، ولا يجب أبدا أن تتطابق.
الحداثي
رغم بدايته التراثية التى كان يمكن أن يظل حبيسا فيها، كما يكتفى آخرون بقراءة التراث حتى الغرق فيه، ظل أحد الانشغالات المهمة لدى جابر عصفور طوال مسيرته الفكرية هو الحداثة، ليس فقط فى النقد والإبداع، ولكن فى كافة مناحى الحياة، فكان داعيا من دعاة الحداثة الفكرية، وما تتطلبه من حرية النقد وإثارة الأسئلة، وأنه بدون سؤال وحرية واختلاف لن تقوم حضارة ولا تطور. كان مولعا بالتجديد، وفى المذاهب النقدية كان أحد دعاة البنيوية أشهر مناهج الحداثة فى النقد الأدبى، ولم يقف عند حدودها أو يرفض ما جاء بعدها، كما يفعل الكثيرون، بل كان منفتحا على ما جاء فى فلسفة ما بعد الحداثة ومنجزاتها، وكان يحث تلاميذه على متابعة كل جديد فى الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس وكل العلوم الإنسانية، باعتبار ذلك واحد من محددات التقدم العلمى، فبدون متابعة الجديد والانشغال بقضايا فكرية لن يكون للباحث وجود.
الناقد والمترجم
لم يكن ممكنا أن يتم داعية الحداثة رحلته الفكرية مع الحداثة والتجديد دون الانفتاح على الآخر وأفكاره، دون التماهى معه أو تقديسه، بل أيضا يتخذ مسافة من هذا الآخر تكاد تكون مساوية للمسافة التى اتخذها من التراث، ولم يكن ممكنا هذا الانفتاح على الآخر دون قراءته، لذا كان من ضمن الوجوه المهمة له هو وجه المترجم، فلم يكن يكتفى بقراءة الكتب فى لغات مختلفة، وخاصة الإنجليزية، بل كان يترجم ما يراه فارقا ومهما من بين هذه الكتب، وخاصة فى كتب النقد الأدبى، وكأنه كان مشغولا أيضا بتلاميذه ودوره كـ"خوجة"، ليقرأ هؤلاء التلاميذ ويتعلموا من هذه الكتب، ولعل روح "الخوجة" هذه هى من جعلت ترجماته كلها تأتى فى لغة سهلة ولا تعقيد فيها كما يفعل كثير من المترجمين، ولا غرابة فى ذلك وهو أستاذ للغة العربية، ومتمكن من اللغة التى يترجم عنها، فقد سبق له أن مارس التدريس فى عدة جامعات عالمية، حيث كان أستاذا زائرا فى جامعة ستوكهولم فى السويد، وكذلك فى جامعة هارفارد الأمريكية العريقة، وكان على صلة وثيقة بكبار المفكرين والفلاسفة العالميين، وكان من نتاج ترجماته كتب مهمة مثل: "عصر البنيوية" و"الماركسية والنقد الأدبى" و"النظرية الأدبية المعاصرة" و"اتجاهات النقد المعاصر"، و"الخيال، الأسلوب، الحداثة".
هذه الاطلاع مع والاشتباك مع الآخر الأوروبى، لم يمنعه أبدا من التواصل النقدى مع الإبداع المصرى والعربى، فقد ترك الراحل كتبا كثيرة يقدم فيها قراءات مهمة للإبداع الشعرى والسردى، لعل أشهرها كتابه الذى أثار جدلا عاصفا "زمن الرواية"، وكتاباته عن أمل دنقل وصلاح عبدالصبور، كما أن له كتاب مهم هو "رؤى العالم" يقدم فيه قراءات لأعمال شعراء أحدث وأكثر تمردا على أسلافهم، وظل دائما يرحب بأعمال شباب المبدعين ويكتب عن أعمالهم.
الإدارى والسياسي
الوجه الأكثر إثارة للجدل والمتاعب أيضا بالنسبة له كان الوجه الإدارى والسياسى، فقد جلبت عليه مناصبه الكثير من الهجوم بالطبع، فقد كان يرى الكثيرون أن وهو المثقف الكبير يجب أن يظل حرا بعيدا عن المناصب أو العمل الحكومى الذى يأخذ منه ومن وقته وما يمكن أن يقدمه للثقافة العربية، لكنه كان يؤمن بأهمية التغيير من الداخل، وأن يعمل مع السلطة لكن مع اتخاذ مسافة أيضا، بما يمكن من إحداث تغيير حقيقى.
بالفعل ظل جابر عصفور الرجل الثانى والقوى فى الوزارة، واستطاع بفضل مكانته هذه أن يحافظ على مكانة مصر كمركز ثقافى فى ظل المنافسة القوية من البلدان العربية الشقيقة التى لا تنقصها الموارد المالية، لكنه كان يغزل ثوب النجاح بقروش قليلة مقارنة بالآخرين، وجعل المجلس الأعلى للثقافة مقصدا وبيتا لكل المثقفين العرب، من خلال إطلاق العديد من المؤتمرات الدولية، والجوائز، التى كان لها رأس مال رمزى يجعل تناطح الجوائز ذات القيمة المالية التى تساوى أضعاف قيمة جوائزنا.
وبفضل هذا الموقع الإدارى أيضا استطاع تأسيس المركز القومى للترجمة، ويترأسه لفترة حتى اشتد عود الصرح الجديد، وكان الراحل بارعا فى القفز فوق كل العوائق والعقبات الروتينية فى العمل الحكومى، فقد كان يعمل بروح المثقف المبدع، وليس بروح الموظف البيروقراطى، وهذا ما ساعده على النجاح فى كل المناصب التى تولى مسؤليتها.
تولى جابر عصفور وزارة الثقافة مرتين، كانت الأولى من التجارب الأكثر قسوة فى حياته، وتعرض لهجوم كاسح من العديد من المثقفين، بسبب طبيعة الظرف السياسى الذى تولاها فيه عقب ثورة 25 يناير، وفى آخر حكومات الرئيس الأسبق حسنى مبارك، لكنه سرعان ما استقال من الوزارة وقتها، ولم يستمر فيها سوى أيام قليلة.
داعية التنوير
كان الوجه الأبرز هو وجه التنوير، فقد كان جابر عصفور أحد رموز التنوير، مدافعا عن العقلانية، ومواجها صلبا لكل قوى التطرف فى عز سطوة جماعات الإسلام السياسى، حتى اتخذوه عدوا لهم ولوجودهم، ولعل هذه العداوة هى التى جعلت أنصار هذه التيارات المتطرفة تشمت شماتة رخيصة فى رحيل المفكر الكبير، كأنهم يريدون أن يكفروا الناس ويحملون عليهم السلاح، ولا يتصدى لهم أحد فكريا، فهذه أقصى غايات المفكر وأخطرها، أن تفضح الأفكار المتطرفة التى تريد قتل الحاضر لصالح أفكار وأوهام فى أدمغتهم فقط.
أجيال من النقاد تتلمذوا علــــى أفكاره
حسين حمودة: صعدت معه «سقالات» بناء المجلس الأعلى للثقافة
لا تعرف الأستاذ الكبير من كتبه وأفكاره فقط، بل من تلاميذه وعقولهم أيضا، بل ربما يأتون فى المقام الأول للتدليل على عظمة الأستاذ، ولعل هذا ما أدركه جابر عصفور الذى كان يعتز جدا بأنه "خوجة"، يعلم الطلاب فى قاعة آداب القاهرة، وكان بارعا فى تحويل الأستاذية إلى صداقة، فكل تلاميذه تقريبا صاروا أصدقاء له، وكان يفرح باختلافهم عنه أو معه، مؤمنا أن الاختلاف جزء من طبيعة الحياة والعلم، كما كان له دور كبير فى مسيرة كل من كان لهم أستاذا، سواء بشكل مباشر فى قاعات الدرس، أو غير مباشر عبر قراءة كتبه ومؤلفاته.. هنا شهادات لبعض تلاميذه من أجيال مختلفة، بدءا الناقد الكبير حسين حمودة، ثم جيل الوسط الذين تأثروا أو تقاطعوا مع أفكاره، رغم إنهم لم يدرسوا على يديه بشكل مباشر، مثل الدكتورين محمود الضبع ومحمد عبدالباسط عيد، وصولا إلى أصغر تلاميذه سنا الناقد والشاعر خالد حسان، الذى كان الراحل يشرف على رسالته للدكتوراه.. يتحدثون فيها عن علاقتهم به، وتأثيره فى حياتهم وأفكارهم، وما تركته أفكاره فيهم من آثار، سواء اتفقوا معها فيها أو اختلفوا، لكن فى كل الأحوال يقدرون قيمته ومكانته، ودوره فى تحريك المياه الراكدة، وإثارة الأسئلة والقضايا الشائكة، فهذا هو الدور الأول للأستاذ، إثارة الأسئلة فى عقول طلابه، وحثهم على التفكير النقدى الخلاق، واحترام ثقافة الاختلاف، وقد ظل حريصا على أداء دوره فى إثارة الأسئلة سواء داخل الجامعة أو خارجها.
لقاؤنا الأول، أواخر سبعينيات القرن الماضى، كان فى مدرج مجاور لقسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة القاهرة.. كان عائدا من الولايات المتحدة، وكان يدرّس لى مادة النقد الحديث.. وكنت تلميذا مشاغبا، أكتب الشعر، وأعتدّ بما أتصوره مفاهيم صحيحة عن الأدب والنقد. عندما فتح باب النقاش تحدثت مختلفا معه، مؤيدا حديثى بالأسانيد، وظل هو مبتسما. بعد المحاضرة نادانى، وتعرّف عليّ، وشجعنى على الاختلاف. من يومها توطّدت الصلة بيننا. (وبعد المحاضرات الأولى، وكان قد قرأ بعض قصائدى، اصطحبنى لتسجيل حلقتين بالإذاعة عن شعرى مع الأستاذة هدى العجيمي). مرة واحدة، فى محاضراته، ضاق باختلافى، وسخر من ردّى عليه.. فقاطعته وأنا داخل المدرج على الفور: أخرجت ورقة وبدأت أرسم، وقد لاحظ هذا بوضوح، وكنت جالسا فى الصف الأمامى (كنت أجلس هكذا فى محاضراته، أنا الذى أختار الصفوف الخلفية فى أى مكان فيه صفوف للمقاعد).. بعد المحاضرة نادانى، وطيّب خاطرى، وقال لى ما معناه: لا تتضايق.. وتحدث عن أهمية مشاركتى بالنقاش، وأن "الطالب اللمض بيخللى الأستاذ يحسّ بروح المحاضرة".
من ذلك التاريخ البعيد، وحتى شهر قد انقضى، خلال الصلة التى لم تنقطع، كنت أغيب أحيانا، ويسافر هو أحيانا، لكن التواصل ظل قائما. "إنت ياعم حسين ما بتسألش ليه عن أستاذك.. هوه موش برضه أنا أستاذك واللا إيه؟".. كانت هذه عبارته فى بعض المكالمات عندما تطول فترة الغياب. وتعبيرات "يا عم حسين"، و"يا حسين"، و"يا حبيبنا" و"يا راجل يا طيب" .. كانت تتردد فى بدايات مكالماتنا، وتتنوع حسب الرسائل التى يريد توصيلها لى.
بعد اللقاء الأول بفترة قصيرة دعانى إلى منزله القديم. جلسنا فى البلكونة الطويلة التى سوف نجلس بها مرات عديدة شهدت أحاديث مطولة، ومن هذه الأحاديث نصائح قدمها لى وهو متيقن من أننى لن أعمل بها.. "طول عمرك ها تفضل خايب".. عبارة قالها لى غير مرة. وغير مرة أخذنى من يدى لنزور الدكتور فيصل يونس (هوه مريض ولازم نزوره.. ها تتبسط لما تتعرف عليه)، أو لنذهب إلى ندوة، أو للقاء الشاعر الراحل محمد صالح.. وفى البلكونة نفسها جلسنا قبل سفره إلى السويد، وباح لى بما لم يبح به من قبل، وحدثنى عن أستاذه النبيل الدكتور عبدالعزيز الأهوانى الذى كان له بمثابة "أب" حقيقى ممتلئ بالحنوّ، وعن "أمّه العلمية"، الدكتورة سهير القلماوى، وعن آخرين وأخريات.
فى المسيرة الحافلة التى قطعها، وفى المساحة الرحبة التى استكشفها لحضوره الثقافى والنقدى الكبير خارج أسوار الجامعة، ظللت قريبا منه فى أماكن شتى: فى المجلس الأعلى للثقافة (القديم والجديد)، وفى مقر مجلة "فصول"، وفى دار الكتب، وبدرجة أقل فى المركز القومى للترجمة... كان يأتنس بصراحتى فى إبداء آرائى، ويقدّرها، ويراها أكثر جدوى من عبارات المجاملة السريعة والسهلة التى يسمعها غالبا. وخلال هذه الأماكن شهدت معه الكثير من المشاهد، واستكشفت الكثير من كفاءاته الإدارية، ولمست الكثير من القيم التى انطلق منها وآمن بها.. وبمناسبة المجلس الأعلى "الجديد"، صعدت معه على "السقالات"، وهو يتفقد أعمال البناء، ويقدم اقتراحاته للمقاول، وكأنه يبنى بيته الخاص.. وقد أصبح المجلس، بالفعل، بيتا له، ولكنه جمع فيه من يصعب الجمع بينهم، من أهل الإبداع والثقافة، من مصر ومن البلدان العربية ومن غير البلدان العربية.
ظل طوال معرفتى به محمّلا بطاقة هائلة على العمل، وبقدرة هائلة على التفاؤل، وبروح بسيطة محبة للحياة.. وقد تصورته دائما (شأنه شأن برج الحمل) غير بعيد عن روح "الطفولة".. فى زمن متأخر، عندما كنت أقول له إنه يشبه ابنتى وأختى (من البرج نفسه) فى هذه الوجهة، كان يتضايق قليلا: "ماشى يا فالح .. خلّيك فى خزعبلاتك".. وظل تفاؤله الدائم سمة ثابتة من سماته. مرات قليلة شهدت انكساره بعد فقد مقرّبين ومقرّبات إليه: صلاح عبدالصبور، وأمل دنقل، ومحمد صالح، ونصر أبو زيد، وعلى أبو شادى.. ولكن الانكسار الأكبر كان مع رحيل ابنته سها.. لكنه كان يتجاوز الانكسارات بسهولة وبسرعة وبالاستعانة بالعمل الدائب.. وقد ساعده على تجاوز رحيل ابنته أن ابنه أحمد قد تزوج وأتى له بالحفيدة الأولى، التى ساعدته كثيرا على التماسك والعودة إلى تفاؤله الثابت المقيم.. وكثيرا ما حدثنى عنها وعن سعادته الغامرة بها.
طاقته الكامنة كانت تظهر فى مواقف كثيرة، وكانت تتدفق مع مشاهد الكتب.. رأيت هذا فى تعامله معها فى مكتبة بيته القديم والجديد، وفى دار الكتب، وأيضا فى "سور الأزبكية" الذى ذهبنا إليه مرة معا، كان يقلّب الكتب بشغف عظيم.. وتقريبا يرى الورق كائنات تنعم بالحياة.
الندوات التى شاركت فيها عن أعمال له، فى هيئة الكتاب، وفى مكتبة القاهرة بالزمالك، وفى معرض الكتاب بمكانيه القديم والجديد، كان متسامحا فيها مع كل ما أقول.. سعيدا بأنه "ربّى تلميذا قادرا على الاختلاف مع أستاذه".. لكنه، بعد الندوات، كان يفتح أبوابا لنقاشات فيما بيننا.. لم تنته أبدا، وأتصور أننى سوف أفتقد هذه النقاشات مع افتقادى له، برحيله الذى ما زلت أرفض تصديقه على الرغم من أن الصديقة المبدعة فاطمه المعدول، خلال الأسبوعين الماضيين، فى عدد من المكالمات بيننا، كانت تقوم، بذكاء ولطف، بنوع من "تهيئتى" لتقبل رحيله غير البعيد الذى توقّعته بحدسها.
غير مرة عرض عليّ بعض المناصب، ورفضتها.. وتقبل ذلك على مضض.. لكن فى إحدى مكالماتنا، قبل حوالى شهر، قال لى: "تصدق إنك مع خيابتك كنت صحّ؟.. إنت ريّحت نفسك من وجع الدماغ".. وفى المكالمات نفسها كانت نبرة صوته تحمل قدرا طفيفا من الألم.."يا عم حسين أنا بقيت فوق الخمسة وسبعين".. وأنا أنفعل: "إيه يعنى خمسة وسبعين.. الأستاذ نجيب عدّا التسعين وكانت صحته زى الفل.. المهم حضرتك تاخد بالك من صحتك وتلتزم بتعليمات الأطباء".. وهو ضحك.. وقال إنه ملتزم.
كنا على اتفاق، قبل أسابيع، لتحديد موعد لمناقشة رسالة دكتوراه قام بها تلميذه هشام زغلول (وهو زميل لنا بقسم اللغة العربية).. وتأجّل اللقاء بسبب دخوله المستشفى.. وفى مكالمة متأخرة أخبرنى بأنه سيخرج غدا منها.. وعرفت فيما بعد أنه قد دخل مستشفى أخرى.. وكانت رحلة معاناته الأخيرة.
الدور الذى قام به فى حياتى، كأستاذ لى، يكفى لكى يجعله باقيا معى فيما تبقى لى من فترة للعيش فى هذه الحياة.. ولكن الأدوار الثقافية والنقدية الكبرى التى قام بها، فى مصر والوطن العربى، تجعله باقيا لدى كل من عرفوه، أو اقتربوا منه.. وطبعا مع كل من قرأوا أعماله المشهودة التى صاغت نتاجه الغزير.. الذى نجح فيه نجاحا باهرا فى أن يتخطى أسوارا كثيرة، وأن يصل الكتابة بأسباب الحياة التى لا تكف عن التدفق والتجدد، وأن يدافع عن قضايا أبدية تستحق الدفاع عنها فى كل عصر وكل أوان...
محمد عبدالباسط: قدم فى «فصول» نقدا جديدا لا يعرف قيود الجامعة
لـ"جابر عصفور" وجوه كثيرة، سأكتفى هنا بدوره فى "مجلة فصول"، تلك المجلة التى أخذت على عاتقها تحديث النقد العربى فى ثمانينيات القرن الماضى، لم يكن "جابر" وحده بالتأكيد، وإنما كان معه أساتذة كبار، أحب أن أطلق عليهم دائمًا، الجيل الذهبى من النقاد المصريين والعرب.. واللافت أن "فصول" لم تخرج من الجامعة، وإنما من مؤسسة نشر حكومية، هى الهيئة المصرية العامة للكتاب، ربما وجد فيها هؤلاء النقاد براحًا لم يجدوه فى الجامعة، ومع أول أربعة أعداد للمجلة، أى بعد عام كامل من حضورها المشرق بدا واضحًا للجميع، فى مصر وخارجها، أن نقدًا جديدًا لا يعرفه الدارسون يطلّ علينا من أحد مكاتب هيئة الكتاب على كورنيش النيل. نقد جديد لا يعرف قيود الجامعة ولا تقاليدها، يصل ما بين التراث ومناهج التأويل، ويصل ما بين النصوص العربية والمناهج الغربية، كل ذلك عبر كتابة علمية شديدة الانضباط.
ظلّ "عصفور" وفيًّا لهذه المجلة، حتى فى فترات تراجعها التى طالت أكثر مما ينبغى، يتابعها ويُقدّم النصح لمحرريها، وحين زرته أواخر نوفمبر الماضى فى مستشفى "دار الفؤاد"، كان العدد الأول بالتشكيل الجديد للمجلة قد صدر بعد طول انتظار وترقب، لم يكن المرض قد نال من "جابر عصفور" إلى الحد الذى يمنعه من متابعة "فصول"، كما أنه لم يكتف بالمتابعة والقراءة فحسب، بل كتب مقالًا -نشره فى الأهرام- ينتقد فيه سياسة التحرير الجديدة، وحين سألته: لماذا؟ ردّ غاضبًا: ليست هذه "مجلة فصول"! هناك مقالات ما كان لها أن تنشر فى "فصول" لو كان هو رئيس تحريرها.. قلت له موضحًا: ولكن السياسة الجديدة تتعمد الخروج من أسر المقالة الأكاديمية، وتريد أن تُقدّم مجلة للنقد الأدبى ذات صلة بالمثقف العام، وما أخذته أنت عليهم، هو عين مقصدهم..!
ربما تكون هذه المقالة حول العدد الأخير من "مجلة فصول"، هى آخر ما كتبه "جابر عصفور"، قبل أن ينقل إلى غرفة العناية المركزة، وقبل أن يغادرنا إلى رضوان الله ورحمته.
ذكرت ذلك فحسب، لأقول لك: إن اسم "جابر عصفور" لم يكتسب دلالته الباذخة إلا بهذا الحُبّ، وذلك الإخلاص غير المحدود للنقد الأدبى وللثقافة بشكل عام.
محمود الضبع: ترك أثرا فى أجيال كثيرة من الباحثين
قليلون هم أولئك الذين يمثلون ظاهرة فى الحياة، ويثيرون الكثير من الجدل حول قضايا المجتمع والثقافة والتنوير والوعى، وقد كان جابر عصفور أحدهم، لأنه عبر مسيرة حياته أنتج العديد من الكتب والمقالات والبحوث حول قضايا جدلية، مثل العلاقة بالتراث، وهيمنته على وعى الكثيرين ممن يرتدون زى الحداثة، لكنهم قد لا يدركون بأنهم يعيشون حالة التراث كما هى، وليست كما ينبغى لها أن تكون معتمدة على التطور والتحديث المتناسب مع اللحظة الراهنة ومتطلب المستقبل.
وهى القضية التى أنتج فى سياقها عددا من الكتب حول التنوير وقضاياه، منذ مطلع التسعينات من القرن العشرين، وعلى رأسها: محنة التنوير، ودفاعا عن التنوير، والتنوير يواجه الظلام.
كما اشتبك جابر عصفور مع المؤسسات الدينية، وسعى إلى محاولة تجديد خطابها والتقريب بين ممارساتها وأنشطة الثقافة والفنون، وبخاصة فى مرحلة توليه ملف إدارة الثقافة فى الحكومة المصرية، لكن واجهته المصاعب بشأن هذه القضية، وإن لم يكن قد استطاع تحقيق النتائج المرجوة، لكن ستبقى جهوده فيها علامة دالة.
وأثار جابر عصفور جدلا حول ما أطلق عليه حينها "زمن الرواية" فى نهاية تسعينات القرن الماضى، وهى المقولة التى أثرت كثيرا فى المشهد العربى إجمالا، وجعلت الرواية تحتل مساحة الغلبة من الاهتمام النقدى والكتابة، وإن كان ذلك جاء على حساب الأنواع الأدبية الأخرى، لكنه فى النهاية كان استشرافا لهيمنة الاتجاه إلى الرواية، وانفجار الكتابة فيها على النحو المشهود من حولنا.
كما أثر جابر عصفور فى أجيال كثيرة من الباحثين والدارسين، سواء من تتلمذوا مباشرة على يديه، أو من تتلمذوا على كتبه التى اقتربت من العشرين كتابا، بالإضافة للعديد من الأبحاث والدراسات، وعشرات المقالات الصحفية التى ظل يكتبها حتى أيامه الأخيرة، ليقدم من خلالها أفكار الاستنارة ويثير الجدل حول قضاياها.
ويضاف إلى ذلك جميعه كتاباته عن طه حسين، ونجيب محفوظ، وأمل دنقل، وأعلام الثقافة العربية المؤسسين الذين أسهموا فى بناء الثقافة العربية عبر القرن العشرين.
رحل جابر عصفور عن عالمنا، لكن ستبقى دائما هناك علامة تدل على أنه كان هناك رجل مر من هنا.
خالد حسان: ترك ميراثا من المحبة والأمل فى قلوب تلامذته
كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لى، أنا القادم من جامعة بنى سويف، أن أجد اسم جابر عصفور ضمن جدول محاضرات الدكتوراه كأستاذ لإحدى المواد، لدرجة جعلتنى أتساءل بدهشة قروى ساذج، إن كان هذا هو جابر عصفور صاحب المؤلفات ووزير الثقافة أم أنه شخص آخر يحمل نفس الاسم، للأسف -نعم أقول للأسف لما أحمله الآن من حزن لفقده- كان هو بتواضعه وسطوته، وتلقائيته، وحدته أحيانا، وصبره وحلمه أحيانا كثيرة.
لم يترك جابر عصفور كتبا ومؤلفات فقط، وإنما ترك ميراثا من المحبة والأمل فى قلوب تلامذته، محبة القراءة والكتابة والمعرفة، والأمل الحقيقى فى مستقبل مشرق لهذا الوطن، ترك وعيا تنويريا سيظل صامدا فى وجه الظلم والجهل والرجعية، وسؤالا ثوريا سيظل غصة فى حلق الاستسلام والجمود.
لا أنسى أبدا شغفه وسعادته حين علم أننى أكتب الشعر، وحين أصر أن أقرأ أمامه قصيدة من ديوانى فى إحدى المحاضرات، كم كان محفزا لى وداعما بروحه المفعمة بمحبة العلم ومحبة الطلاب، كم كان صبورا أمام جهلى أحيانا، وتسرعى وقلة خبرتى أحيانا كثيرة، لقد كان أستاذا بحق، يعطى فقط كل شيء دون أن ينتظر شيئا. أستاذى وأستاذ الأجيال، الذى تعلمت منه الكثير، الذى علمنا معنى السؤال ورحابة الاختلاف، الذى سأظل فخورا بكونى بدأت معه رحلة الدكتوراه، وأعده أن أكملها بما زرعه داخلى من صبر ودأب ومحبة حقيقية للمعرفة والسؤال.
المثقفون العرب
يوديعون صديقهم
لم يكن عطاء المفكر الكبير جابر عصفور مقتصرا على الثقافة المصرية فحسب، بل كان منفتحا بقوة على البعد العربى، فكان له أصدقاء ومحبون وتلاميذ من المحيط إلى الخليج، فأينما حل كان بمثابة نجما مضيئا يتحلق حوله الكثيرون، وكانت أفكاره وأبحاثه وكتبه أكثر نجومية، كما أن دوره فى المجلس الأعلى للثقافة والمؤتمرات العربية والدولية التى كان أطلقها جعلت من الراحل منارة لكل المثقفين العرب، يحجون إليه ويزورون مكتبه أثناء وجودهم فى القاهرة، وأحيانا فى بيته الشهير فى شارع مصدق، الذى كان مقصدا لكل محبيه وتلاميذه وأصدقائه.. فقد نشأ الراحل فى حقبة الستينيات، ومن ثم لا غرابة فى إيمانه بالثقافة العربية وضرورة التواصل بين أبنائها، جنبا مع جنب ضرورة تحديثها وتجديدها لتواكب روح العصر، وظل طوال حياته يعمل على تحقيق هذه العصرنة، وأن تكون مصر بيتا لكل المثقفين من شتى البلاد العربية.. هنا شهادات عن الراحل من مثقفين ومبدعين وأكاديميين من عدة دول عربية، من المغرب والأردن وسوريا فلسطين والسعودية، يكتبونها عن جابر عصفور والأثر الذى تركه فى نفوسهم وعقولهم، ولول أفردنا الصفحات لكل محبيه فى البلاد العربية لن تكفيها صفحاتنا، فقد كان الراحل نموذجا للمثقف المنفتح على الجميع والمتواصل معهم بروح سمحة وعقل مستنير.
فخرى صالح: لا يجود الزمان بمثله كثيرًا
آلمنى كثيرًا رحيل الصديق العزيز، المثقف، والناقد، والمفكر الكبير، د. جابر عصفور، وقد كنت وطَّنت نفسى على زيارته فى أقرب رحلة لى إلى القاهرة. هذه خسارة لا تُعوَّض، ومثله لا يجود به الزمان كثيرًا، خصوصًا فى هذه المرحلة من عمر العرب المعاصرين التى تتسم بالانحدار وافتقاد الطريق. فجابر عصفور من قماشة المثقفين المصريين والعرب الكبار الذين حلموا بمشروع ثقافى كبير، وأنجزوا بمفردهم ما لا تنجزه مؤسسات كبيرة طموحة. إنه من نسل المثقفين النهضويين الحالمين بعالم عربى متحضر، متقدم، مستنير، فاعل فى الحياة السياسية والثقافية للبشرية. وهو حفيد طه حسين، ثقافيًا وفكريًا، وهذا واضح من تكريسه واحدًا من كتبه الأساسية لذلك المفكر والناقد والعالم، وبالمناسبة فإن كتاب جابر "المرايا المتجاورة" من أهم كتبه، وفيه نعثر على بذور مشروعه الثقافى والنقدى والتنويرى. وما أنجزه بعد ذلك الكتاب هو بناء على ذلك الكتاب، وتوسيع لآفاقه الفكرية والثقافية والنقدية. يصدق ذلك على ما كتبه حول الحرية والتنوير، والنظرية الأدبية والنقد، والرواية، والشعر، والقصة القصيرة، إلخ. فثمة خيط ناظم يصل كل هذه الموضوعات وهذه الحقول المتباعدة، المتقاربة، وهو التأسيس لثقافة التنوير والحرية، بوصفهما ضرورتين لا يمكن أن ننهض دونهما، بغض النظر عما يقف دون تحقق هذه الثقافة وجعلها أساسًا لحياتنا المعاصرة.
استطاع جابر عصفور، فى معية عدد قليل من النقاد والمثقفين العرب، من جيله والجيل الذى تلاه، أن يوجه النقد العربى، والدرس الأكاديمى الأدبى، فى الجامعات العربية، وجهة جديدة مختلفة، واصلًا اللحظة النقدية العربية الراهنة بكشوفات النظرية، والتحليل والتأويل الأدبيين والفلسفيين، فى العالم، وخصوصًا الجزء الغربى منه.. ولكى يحقق هذا الغرض ترجم عددًا من الكتب الأساسية فى النظرية الأدبية، وشرح النظرية، وطبق عليها، وكتب عشرات الكتب حول الشعر والقصة والرواية، ليستدخل هذه التصورات الحديثة المفتوحة، والمتبصرة، والسابرة، فى نقدنا الذى كان ينوء تحت ثقل النظرة التاريخية الضيقة، والرؤية الانطباعية، أو التحليل الميكانيكى، وكلها إجراءات مفقرة للنص الأدبى وللنقد المكتوب عنه، وحوله. إن بصمته واضحة وباقية فى تطوير نقدنا العربى، وتصوراتنا المنهجية، والإجرائية، فى النصف الثانى من القرن العشرين، وفى العقدين التاليين من القرن الواحد والعشرين.
لكنه لم يكتف بأن يكون ناقدًا متخصصًا، وأكاديميًّا منقطعًا للبحث الأكاديمى، بل عمل على أن يكون محركًّا ثقافيًا، يسهم فى نقد الحياة والأفكار، والممارسات، والأيديولوجيات، مؤمنًا بأن على المثقف الحقيقى أن يكون مقاتلًا فى سبيل الحرية والتنوير والتقدم.
إنه مثقف عربى كبير آخر يرحل، ويترك فراغًا واسعًا، بعد رحيله.
محمد مشبال: قاد تجديد البلاغة العربية
كان اسم جابر عصفور -عندما التحقت للدراسة بكلية الآداب بالمغرب فى بداية الثمانينات- من أبرز الأسماء التى فتحت عينى على قراءة التراث النقدى العربى القديم، وكشفت لى عن ثرائه وجاذبيته، وكانت مقالاته فى مجلة "فصول" التى أدمنت قراءة أعدادها الأولى ترسم فى ذهنى صورة لأستاذ عظيم بدأت تهفو نفسى لأن أكون أحد تلامذته عندما يتحقق حلمى القديم فى متابعة دراستى العليا بمصر. لم يخطر ببالى أنه كان من بين ثلة من الأساتذة المصريين الذين غادروا جامعة القاهرة للتدريس خارج البلد، وكانت هذه خسارة كبرى لقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، كما صرّح لنا الأستاذ المرحوم عبد المحسن طه بدر فى إحدى محاضراته. لم يكن جابر عصفور بالنسبة إلى أستاذا للنقد وباحثا فى التراث النقدى يمكن تعويضه بسهولة؛ فقد ترك غيابه عن قسم اللغة العربية ثغرة فى تخصص النقد والبلاغة لا أظن أن هذا القسم استطاع تجاوزها بعد ذلك، لأنه بعد عودته إلى مصر انشغل بقضايا أخرى غير التدريس. صحيح أنها كانت قضايا هامة تخص إعادة هيكلة الثقافة المصرية فى مؤسسات كان لها دور كبير محليا أو على صعيد الوطن العربى، ولكن على المستوى الجامعى ظل مكانه شاغرا، لم يكن هناك أستاذ قادر على استلام مشعل النقد والبلاغة والذهاب به بعيدا. كانت هذه أبرز خسارة ترتبت على انشغال جابر عصفور بكتابات فى تنوير الوعى الثقافى ومقاومة تيارات الفكر السلفى المتطرف، وانشغاله بإدارة سياسات العمل الثقافى فى مصر.
الآن، وبعد رحيل الرجل، ما هو الدرس المستخلص من تجربته فى قراءة الموروث النقدى والبلاغى العربى القديم بالنسبة إلينا وإلى الأجيال القادمة؟
هذا هو السؤال المهم الذى يشغلنى وأنا أتأمل تجربته منذ فترة، وكنت قد كلمته هاتفيا، عندما زار مراكش فى 2019، وأفضيت له بما كنت أتطلع إلى الإفضاء به عن أعماله ولم تتح لى الفرصة للأسف الشديد. باختصار لقد قاد جابر عصفور العمل العظيم الذى نادى به بعض رواد النهضة، فى تجديد البلاغة العربية وإعادة الحياة إليها بعد فترة طويلة من الجفاف. فكانت كتاباته تتدفق جمالا وعمقا، وقدمت لنا صورة للخطاب البلاغى الذى تسحرك لغته ببيانها الفاتن وخيالها الجديد، ويأخذك نحو بلاغة شعرية جديدة مبنية على سعة الاطلاع وعمقه سواء فى المتن التراثى أو فى المتن النقدى الغربى.
حسين دعسة: مسك الختام.. الغياب بسلام العشاق
فى أبريل 2019، التقينا فى القاهرة، جمعتنا رحاب المجلس الأعلى للثقافة، فى زهوة ألق الراحل، المفكر الكبير الدكتور جابر عصفور، وحدثنى عن تلك المتاعب التى يعشقها بعد نجاح كل دورة من دورات ملتقى القاهرة للإبداع الروائى العربى.
لمست تلك الصور والنور الصوفى الممتد، يبتهج كأنه يتدرج على مدارج القصيدة الأولى، يقول بمحبة أدهشتنى إن يومنا القاهرة، من أسعد أيام حياته "رحمه الله"، وسوف يتذكره طالما طال به العمر، ذلك أنه جعلنا نشهد معه عدة مناسبات واحتفالات ثقافية مثيرة للتأمل، 60 عاما على وزارة الثقافة، ومرور 100 عام على ثورة 19 أم الثورات العربية، و60 عاما على معرض الكتاب، و20 عاما على ملتقى الرواية. عصفور، وإلى جانبنا الدكتور سعيد المصرى، أمين المجلس الأعلى للثقافة، قال بفرح إنه شهد انطلاقة اليوم الأول من أول ملتقى، وها نحن نمضى فى المسيرة فى وجود أجيال متعددة، وأوضح أن مستقبل الثقافة والأدب العربى بخير، وعلينا أن نفخر بالرواية العربية لأنها لم تحصل على نوبل فقط، بل وأصبحت تترجم لكل اللغات، حيث إن الوضع تغير بعد عام 1988، بعد ما حصل نجيب محفوظ على نوبل فى الآداب".
فى ذلك اللقاء كان الكتاب من كل البلاد، يودعون جابر عصفور، فقد حالت جائحة كورونا عن نزولنا فى دارنا أم الدنيا، فكان الحظر اللعين قاسيا.
وأنت تتبع حركة عيون جابر عصفور، تأسرك نظرته الهادئة، يشعرك بالمهابة بين يدى المفكر والناقد والرافض للتطرف، والداعى بعمق الفكر والتنوير لمواجهة الإرهاب.
يومئذ سألته عن دور المبدع العربى أو العالمى فى هذه المواجهة، تأمل قاعة الاستقبال، وأشبعنى بهيبته ثم قال لى عن معنى المواجهة: «فى أى نص، تتراكم الأسرار، فلا ترى إلا ما بان منه فقط». وعرفت أنه ينير الجلسة، بأثر حضارى إنسانى، رافض للعنف وأشكال الإرهاب والتطرف كافة.
منذ تفتح وعيى على سبل النقد ونظريات الكتابة والجمال، وقعنا فى مصيدة كتابه "الصورة الفنية فى التراث النقدى والبلاغى"، الذى نشرته دار الثقافة، القاهرة عام 1974، ثم غيبتنا لذة كتابه المهم "مفهوم الشعر، دراسة فى التراث النقدى"، القاهرة 1978، لنعيد مع جابر عصفور، دورة التعرف على طه حسين، فى كتاب من أخطر الكتب الناقدة وأقصد "المرايا المتجاورة، دراسة فى نقد طه حسين"، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1983، ويسحرنا وعيه المتقدم فى كتابه "التنوير يواجه الإظلام" 1992، الذى سبق "غواية التراث"، الذى صدر عن الدار المصرية اللبنانية للنشر، 2011.
لمن يعشق الوداع، ندعو إلى توديع جابر عصفور، بالمد الصوفى، الذى ينهل من مكتبته الأصيلة المتكاملة، التى تتشابك مع الفكر الحر، وتدافع عن الجمال والحضارة والسرديات العربية، مثلما مات، تاركا كل شىء، إلا أنه ارتقى إلى السماء، مؤمنا بحب مصر وثقافة أهلها.
أى غياب أقسى يا جابر.. ترابك ندى، وروحك مسك. قطعا، سيكون لون النهر، أشد قتامة، فى غيابك، لن يكون لقمر النيل، ذلك اللجين الباهر.
شهلا العجيلى: كان جسراً بين جيلى وجيل التنوير
لا شكّ فى أنّ رحيل الدكتور جابر عصفور سيترك فراغا واضحا فى الثقافة العربيّة لأسباب كثيرة منها، تكوينه الشخصيّ الذى يبدأ بالمرحلة الزمنيّة التى عاش فيها بداياته، بما فيها من أعلام عرفهم، وعاشرهم، وتتلمذ لهم، وبما فيها من تحوّلات تاريخيّة واجهتها الثقافة العربيّة بالانتقال من حقبة الأسئلة التنويريّة والمناظرات السياسيّة، إلى حقبة تكميم الأفواه والتكفير والأصوليّات، فالانفتاح الاقتصاديّ الثقافيّ، ثمّ الحروب المتتاليّة الخارجيّة، فالإرهاب ثمّ الثورات الأخيرة، وقد كان له من كلّ ذلك موقف واضح واحد، يصرّح به فى كلّ مناسبة، مشيراً إلى أنّه سليل الأسئلة والتنوير، معتدّاً بتتلمذه المباشر لباحثة فريدة ورائدة، وهى الدكتورة سهير القلماوى، تلميذة طه حسين.
بذلك يكون الدكتور جابر عصفور جسراً بين جيلى الذى تشكّل معرفيّاً وأكاديميّاً نهاية القرن العشرين، وجيل التنوير الذى ورث حركة النهضة العربيّة منذ مطالع القرن ذاته، ذلك الجيل الذى استفاد من طروحات النهضة، واستصلح ما يمكن له أن يستمرّ من عواملها، ولم يكن عدوّاً لها، من وجهة نظرى، كما هو سائد، وقد وعى الدكتور جابر ذلك التشابك بين النهضويين والتنويريّين على أنّه لم يقم على الصدفة التاريخيّة، بل هو مقصود لذاته، ويشير إلى ذلك فى كتابه (هوامش على دفتر التنوير) 1994، عند تحليله حادثة تاريخيّة جمعت فى العام 1904 بين ثلّة من أكابر علماء العصر وباحثيه من نهضويين وتنويريّين فى فندق شبرد فى القاهرة، احتفاء بصدور ترجمة العالم سليم أفندى البستانى للإلياذة، برعاية مفتى الديار المصريّة ورئيس جمعيّة إحياء اللغة العربيّة الشيخ محمّد عبده، وضمّت أقطاباً مثل الشيخ رشيد رضا، والشيخ إبراهيم اليازجى، وسعد بك زغلول، وإبراهيم رمزى صاحب جريدة (التمدّن)، ويعلّق الدكتور جابر: "ويلفت الانتباه فى قائمة الحضور دلالاتها القوميّة والإنسانيّة، ففى الوقت الذى جمعت القائمة العربيّ بالأوربيّ من المؤمنين بوحدة الثقافة الإنسانيّة، جمعت بين الشاميّ والمصريّ والعراقيّ وغيرهم، للاحتفاء بمترجم سوريّ فى القاهرة.. ويلفت الانتباه أيضاً تنوّع المشاركين الذين يتوزّعون بين المطربشين والمعمّمين فى الاحتفاء بالعلم والعلماء، والاحتفاء بنقل كنوز الإبداع الإنسانيّ إلى اللسان العربيّ، بالمعنى الذى يؤكّد سريان روح التنوير فى نفوس الجميع".
يحيلنى ذلك إلى الإشارة إلى التكوين المعرفيّ الأوّلى المتين للدكتور جابر عصفور، بوصفه باحثاً، وهذا التكوين هو الأهمّ فى مسيرة أيّ باحث، بحيث إن فاته لن تفلح محاولات الترميم اللاحقة فى استدراك نقاط الضعف، لقد كان الدكتور جابر من الباحثين الذين امتلكوا المنهج واشتغلوا فى ضوئه، وطوّروا أدواتهم بالاتساق مع تطوّر المنهج، فقد اشتغل على المنهج (الثقافيّ- الاجتماعيّ) مطبّقاً إيّاه على اللغة عبر الصورة الفنيّة، وطوّر حراكه النقديّ ليصل إلى النقد الثقافيّ ودراسات ما بعد الاستعمار، مستفيداً من إمكانات مناهج علم اجتماع الأدب الكبيرة، التى تخدم رؤيته التنويريّة، وبذلك استطاع ملاحقة حركة كلّ من الشعر والسردّ العربيّين، فضلاً عن دراسته النقديّة ومتابعاته لحركة المناهج فى الغرب منذ خروجها من رحابة العلاقة مع ما هو خارج النصّ إلى دخولها أزقّة البنيويّة.
أعرّج على نقطة قوّة أخرى، وهى علاقته المميّزة بالتراث العربيّ، فقد استطاع الدكتور جابر الإلمام بهذا التراث، وبقى يلاحقه ويبحث فيه إلى عناوينه الأخيرة، متّخذاً موقف الباحث الناقد حيناً والمعجب حيناً آخر، بلا تجنّ أو (تنفّج)، كما يحبّ أن يستعمل هذه المفردة، على خلاف معظم التنويريّين الذين قالوا بالقطيعة المعرفيّة مع التراث، ولا شكّ فى أنّ بلاغته اللغويّة ولدت من دراساته الجادّة الأولى، فقد كان أوّل ما نشر من أبحاث أكاديميّة (الصورة الفنيّة فى التراث النقديّ والبلاغيّ)،197٣ ثمّ (مفهوم الشعر: دراسة فى التراث النقديّ)، ولنا أن نفهم من ذلك تأسيسه، فالشعر مرجعيّة ثقافيّة وليس جنساً أدبيّاً فحسب، لذلك استطاع أن يقدّم فيما بعد كتابه الأشهر (زمن الرواية)، إذ لا يمكن الكلام عن الرواية والتنظير الرؤيويّ لها من غير معرفة عميقة بعلاقة الأجناس الأدبيّة ببناها الاجتماعيّة الثقافيّة، وبتحوّلات تلك البنى، ممّا جعله محنّكاً فى إدارة العلاقة بين السياسيّ والثقافيّ، ليس على مستوى الكتابة فحسب، بل على مستوى الممارسة اليوميّة، التى شهدت شخصيّاً الكثير من وجوهها فى حواراتنا المشتركة، أو فى المحاضرات التى حضرتها له، أو أثناء مراقبته فى المحافل الأكاديميّة أو فى الجلسات الثقافيّة، تلك المعرفة التى يعزّزها العقل العمليّ حسب تعبير كانط، مع عبقريّة الفطرة المصريّة، التى تقوده إلى إنزال الناس منازلهم، مع عدم استصغارهم، والبحث عن عناصر يمكن تقويتها فيهم بالنصح والإرشاد، والمساعدة الشخصيّة، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنّاته.
أحمد قِـرّان الزهرانى: سيظل حيا بين المثقفين العرب
الحديث عن جابر عصفور وعر وشائك ومتشعب.. لأنه الكبير فى ثقافته وعلمه ومكانته الاجتماعية، ولأنه المختلف فى كتاباته ودراساته وطروحاته العلمية، وبالتالى فإن هذا يتطلب أن أغوص فى كل جانب من شخصيته المتفردة.
فإن تحدثت عن جابر عصفور الأكاديمى فسأجد أن الحديث يأخذ أبعادا متنوعة من حيث التأثير فى طلبته الذين تلقوا العلم على يديه مباشرة أو أولئك الذين استفادوا من طروحاته العلمية وكتبه المنهجية، وبالتالى سأجد نفسى وأنا أستعرض منجزه الأكاديمى أمام عطاء علمى أصيل وعميق ومتنوع ومؤثر.
وإن تحدثت عنه كناقد له إسهامات كبيرة فى حركة الحداثة العربية، فسأجدنى أمام منجز نقدى كبير، أفاد منه الباحثون العرب من الخليج إلى المحيط.
وإن تحدثت عن مؤلفاته التى كانت ذات تأثير كبير فى المشهد الثقافى العربى فلن أستطيع الإلمام بما أنجز فى هذا الجانب، وإن تحدثت عن دوره القيادى الكبير فى المجلس القومى للترجمة أو المجلس الأعلى للثقافة أو فى وزارة الثقافة فسأجدنى أمام شخصية استثنائية منحت الترجمة من وإلى العربية مساحة كبيرة من الاهتمام والرعاية.. إضافة إلى ما قدم من إنجازات فى المجلس الأعلى للثقافة فى مصر والذى كان قبلة للمثقفين العرب سواء من خلال المناشط الثقافية العديدة أو من خلال الإصدارات المتنوعة والثرية والمهمة.
جابر عصفور من أولئك الذين لم يمضوا خفافا بلا تأثير، بل إنه كان عميقا فى فكره مؤثرا فى جيل ثقافى مصرى وعربى.
وإننا إذا نفقد الدكتور جابر عصفور فإنما نفقد شخصية ثقافية كبيرة ليس على مستوى المشهد الثقافى المصرى، بل على مستوى المشهد الثقافى العربى.
سيظل جابر عصفور حيا بين المثقفين العرب عبر الأجيال المتعاقبة من خلال منجزه الثقافى والفكرى.
نبيل حداد: جابر عثرات الثقافة
كنت وما زلت مأخوذا ومفتونا، بعطاء جيل الستينيات (رحم الله الأكثرية منهم، ومد فى أعمار القلة الباقية)... نتاجا أدبيا، ورؤى نقدية، والأهم من هذا مجالس بل حلقات هادئة وعاصفة فى ريش والحرية ولاظوغلى ونحوها.. مجالس ارتقت إلى مستوى الأكاديميات.
تعود علاقتى بالراحل الكبير الدكتور جابر عصفور، القطب الأصغر سنا فى هذه المجالس، ولكن لعله الأرفع إبداعا نقديا، إلى السبعينيات من القرن الماضى، حيث كنت أتردد عليه فى مكتبه فى قسم اللغة العربية وآدابها، قبل سفره إلى السويد، وأحيان قليلة حضرت بعض مجالسه ولا سيما فى مقهى ريش، حيث ربطتنى علاقة صداقة مع قطبين آخرين فى هذه المجالس: العبقرى الراحل يحيى الطاهر عبدالله، والقاص عبده جبير أمد الله فى عمره.
وحين انتهيت من إعداد أطروحتى للدكتوراه مع مشرفى العظيم الدكتور عز الدين إسماعيل، أبلغني- دون أن يأخذ رأيي- بأن الدكتور جابر سيكون عضوا فى لجنة المناقشة، وبهذا تحولت المعرفة إلى شكل من أشكال العلاقة، ثم تطورت هذه العلاقة إلى ما يقرب من الصداقة، بعد أن زرته فى بيته فى شارع مصدق بالدقى، وسلمته الأطروحة حتى يناقشنى مناقشة استغرقت ثلاث ساعات، كانت كلها دروسا أتعلم منها إلى اليوم؛ فما زلت أحتفظ بالتسجيلات، وأعود إليها بين وقت وآخر.
ومع تكرار زيارات الدكتور جابر إلى
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...
ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...
درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...
إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...