ظلت علوم الدين، منذ أن ظهرت وتبلورت فى قرون الإسلام الأولى، حكرا على الرجال، ومن التفسير إلى الفقه مرورا بعلوم الحديث والعقيدة كانت الكلمة الأولى والأخيرة للمشايخ
ظلت علوم الدين، منذ أن ظهرت وتبلورت فى قرون الإسلام الأولى، حكرا على الرجال، ومن التفسير إلى الفقه مرورا بعلوم الحديث والعقيدة كانت الكلمة الأولى والأخيرة للمشايخ وحدهم، فى علم التفسير من زمن ابن كثير إلى زمن الشعراوى لن تجد أثرا ولا سهما لامرأة.
إلى أن جاءت هذه المرأة لتكسر احتكار الرجال وتقدم إسهامات جليلة جعلتها رأسا برأس مع كبار علماء الدين، وسيذكر التاريخ أنها كانت أول امرأة تفسر القرآن وتقدم فيه دراسات واجتهادات بليغة، وأول امرأة تحصل على عضوية مجمع البحوث الإسلامية، وأول امرأة تحاضر فى الأزهر الشريف، وأول امرأة تصل لمرتبة أستاذ كرسى فى اللغة العربية وآدابها، وأول امرأة تحصل على جائزة الملك فيصل، أسمى جائزة فى الدراسات الإسلامية.
فى سجلات شرف المرأة المصرية تحتل الدكتورة عائشة عبد الرحمن مكانة خاصة ووضعا متميزا بتلك التجربة المبهرة، ولك أن تتخيل هذا المشهد الفريد فى تاريخ العلوم الإسلامية، حيث تجلس امرأة فى جامعة القرويين، أعرق الجامعات الإسلامية بالمغرب، تجلس باقتدار وثقة على كرسى مرتفع وحولها يجلس طلابها ينصتون إلى درسها بتقدير ويدونون كل حرف تقوله بلهفة.. ففى جامعات العالم الإسلامى العريقة ومساجده المعروفة لم يسبق أن جلس الرجال يتلقون علومهم الشرعية على.. امرأة!
ووصول د. عائشة عبد الرحمن لتلك المكانة المرموقة جاء بعد جهاد عظيم وكفاح مستميت ومعركة متصلة خاضتها بجسارة ضد تقاليد بالية ومجتمع شديد الرجعية، وشديد اليقين بأن المرأة لم تخلق للعلم ودروسه.. بل للزواج والإنجاب وتربية الأولاد ورعاية الزوج ليس إلا!
ولك أن تتصور شراسة المعركة التى كان على عائشة عبد الرحمن أن تخوضها لتصل إلى الجامعة وتحصل على الدكتوراه وتتحدى مجتمعا بأكمله وتتحرر من عصر الحريم.
(1)
كانت عائشة عبد الرحمن التى اشتهرت بلقب بنت الشاطئ تركيبة إنسانية متفردة كتجربتها الحياتية، فوالدها من قرية بريف المنوفية وأبوه من الصعيد وجده الأكبر جاء من بلاد الحجاز، أما أمها فكانت من أسرة "الدمهوجي" الدمياطية العريقة، التى تمتد بجذورها إلى قرية "دمهوج" القريبة من شبين الكوم، ومنها الشيخ الدمهوجى أحد شيوخ الأزهر.. على بعد خطوات من نيل دمياط حيث يقع بيت جدها لأمها ولدت عائشة فى 6 نوفمبر 1913، وكانت هى الابنة الثانية لوالدها الشيخ محمد عبد الرحمن المدرس بمعهد دمياط الأزهري، والشيخ الولى الذى يتحلق حوله مريدوه فى المسجد والحضرة، وسماها عائشة تيمنا بالصديقة عائشة زوج النبى التى قال عنها "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء"، ومن ثم فإنه نذرها للعلم، لكنه العلم الشرعى الذى يتفق مع عقلية رجل دين وتقاليد مجتمع محافظ فى بدايات القرن العشرين، بحفظ ما تيسر من القرآن فى "الكُتاب" ثم تلقى ما تيسر من علوم اللغة والدين فى البيت وعلى يد أساتذة يختارهم بدقة، حتى إذا ما أدركها سن الزواج فإن عليها أن تكتفى بما حصلته من علم وتتفرغ لمهمتها الكبرى.. رعاية الزوج وتربية الأولاد!
هذه هى الخطة التى رسمها الوالد لابنته منذ ميلادها.. وراح ينفذها بكل دقة.. لكن المقادير كانت ترسم خطة أخرى لم تخطر على باله ولا مرت بخياله..!
تميزت الطفلة الصغيرة بذكاء حاد ونباهة لافتة، بل وبحالة من التمرد على القيود الكثيرة المفروضة على البنات بالذات، وهو ما تجلى مثلا فى تكسيرها للأوامر الصارمة بأن لا تقترب من شاطئ النهر، خشية أن يغدر بها كما غدر بجدتها لأمها، وكان غرقها مأساة حية تعيش ذكراها المؤلمة فى نفوس الجميع وتتردد أصداؤها كل يوم..وقعت الصغيرة فى غرام النهر وشاطئه الذى سحرها بروعته، فكانت تتسلل إليه وتقضى أسعد أوقاتها تتأمل أمواجه وطيوره، حتى إذا ما اضطرتها الظروف ذات يوم للتخفى وراء اسم مستعار توقع به مقالاتها، هربا من تقاليد الأسرة ورفضها لاستباحة اسمها على الملأ فى صفحات الصحف، فإنها اختارت أن تنتسب لأحب الأماكن إلى قلبها.. فكانت بنت الشاطئ!
ولذلك كانت شهور الإجازة الصيفية التى تقضيها فى قرية والدها بالمنوفية (شبرا باخوم) بعيدا عن نيل دمياط قاسية وطويلة ومملة، ويضاعف من قسوتها أنه كان عليها أن تتردد كل يوم على كُتاب الشيخ مرسى، "الفقى" الضرير لتحفظ على يديه القرآن..كان الشيخ قاسيا، ولا يتردد فى استخدام "الفرقلة" أو ذلك السوط الغليظ الذى يعاقب به المخطئين من الصغار، لكنه رغم ذلك علمها درسا بليغا ظلت ممتنة له – به – طوال عمرها.. فقد ذهبت عائشة الصغيرة تشتكى لأمها من قسوة الشيخ ومن قسوة الحصير الذى تجلس عليه لساعات طوال، فأعطتها الأم بعض الفطائر والحلوى لتقدمها للشيخ كما زودتها بمخدة قطنية لتجلس عليها، فلما عرف الشيخ غضب وثار وكاد يضربها بالفرقلة التى ترتعب من منظرها أصلا، ثم ألقى إليها بالنصيحة التى وعاها عقلها الصغير: لازم تتعلمى كما يتعلم الصبيان.. لازم تأخذى نفسك بالشدة إن أردتِ العلم.. الرفاهية لا تصنع عالِما!
(2)
النباهة التى أظهرتها الطفلة عائشة فى الكُتاب، والهمة التى أبدتها فى حفظ القرآن حتى إنها أجادته وهى فى السادسة من عمرها، وكذلك فى استعدادها الفطرى المذهل لتلقى العلوم واستيعابها حتى إنها حفظت ألفية ابن مالك ومئات من أشعار ابن الفارض وغيره من كبار شعراء الصوفية، كلها أسباب دفعت أمها وشجعتها على إلحاق ابنتها بالمدرسة، لكن الأمر لم يكن يسيرا أمام رفض الأب القاطع للفكرة، وهو ما اقتضى الدخول فى معركة عائلية تنافس فى إثارتها أغرب الأعمال الدرامية!
كان والد عائشة متصوفا كبيرا قطع فى طريق التصوف شوطا طويلا وكان من أصحاب الكرامات، وحدث أنه لما دخل فى خلاف مع جد عائشة لأمها بسبب إصرار الوالد على منعها من التعليم الحكومى وتفضيله لأن تتلقى ابنته تعليما دينيا منزليا وسط إصرار مضاد من الجد على إرساله حفيدته إلى المدرسة الابتدائية الراقية، وعقب الخناقة خرج الجد غاضبا فلم يلتفت إلى حمار كان يعبر الطريق مسرعا فوقع الجد تحت أقدامه، واصطدمت رأسه بحجر صخرى فأصيب من فوره بشلل ظل يعانى منه إلى آخر حياته، وهو ما اعتبره الأهل كرامة من كرامات الأب، و"علامة" على سلامة موقفه وتأييد السماء لوجهة نظره!
لكن الجد لم يستسلم ودعمته ابنته والدة عائشة، واستغرق الأمر شهورا من المفاوضات مع الأب حتى وافق مرغما، والتحقت عائشة بمدرسة "اللوزي" للبنات بدمياط والسنة الدراسية توشك على الانتهاء..
تحكى بنت الشاطئ فى مذكراتها: "وتعلقت بالعلم لكن أبى أباه علىّ لأننى موشكة على سن الحجاب – وكانت العاشرة أو دونها – ولكن جد أمى الشيخ محمد الدمهوجى تولى أمرى من وراء أبى، ولما ذهب بى إلى المدرسة قبلت فى السنة الأولى يوم الخميس وهو نصف يوم دراسى، وفى يوم السبت نُقلت إلى السنة الثانية لأننى أكثر علما من مستوى السنة الأولى..".
وفى تلك المرحلة المبكرة وقعت ثلاثة أحداث للتلميذة الصغيرة أكدت لها أنها بالفعل منذورة لمهمة جليلة تجهزها لها الأقدار.
الأول: وقع فى اليوم التالى لالتحاقها بالمدرسة، فقد جاء مقعدها بجوار شباك الفصل، ويبدو أن الهواء داعبها فأسلمها إلى سِنة من النوم، رأت فيها كأن طائرا بديع المنظر هبط عليها وفى منقاره لفافة من الحرير الأخضر، فلما فتحتها وجدت مصحفا فخما.. وكابنة لرجل متصوف أدركت الرسالة واستبشرت بالبشارة وعرفت أنها منذورة بالفعل لهذا الكتاب..وهو الأمر الذى أكدته الواقعة الثانية التى حدثت فى اليوم التالى، فقد جاء مفتش اللغة العربية يزور المدرسة، وفى فصلها طلب المفتش من تلميذات انتقاهن عشوائيا أن يقرأن آيات من القرآن فكانت النتيجة مخيبة، ودخلت ناظرة المدرسة السيدة زينب الحناوى لإنقاذ الموقف وسمعة مدرستها فأشارت إلى عائشة وطلبت من المفتش أن يختبرها مؤكدة أنها تحفظ القرآن كله، وببراءة طفلة صححت عائشة المعلومة وأخبرت المفتش أنها وصلت فى الحفظ إلى سورة الكهف فقط، واختبرها المفتش بدقة، فقرأت ما طلب منها بثقة واتقان، ووقف المفتش الخبير مبهورا بتلك التلميذة البليغة، ولم يملك سوى أن يدعو لها بأن يوفقها لخدمة هذا القرآن الذى تحفظه عن ظهر قلب..الواقعة الثالثة كانت فى امتحان الشهادة الابتدائية، وكان والدها قد أصر على أن تكون دراستها من "منازلهم"، تتلقى دروسها فى البيت ولا تذهب إلى المدرسة إلا لأداء الامتحانات.. وحدث فى امتحان اللغة الإنجليزية أن كان السؤال يطلب منها كتابة عشر جمل عن قصة كانت مقررة عليهم تحكى عن السندباد وكيف تغلب على الأفعى.. وفجأة نسيت كلمة "النسر" بالإنجليزية، وكانت ضرورية جدا فى الإجابة، وأحست لوهلة بأن هذا النسيان عقاب إلهى لها لأن والدها غير راضٍ عن التحاقها بالمدرسة.. فلم يغِب عن بالها أبدا أنها من صلب رجل دين متصوف تعود شجرة نسبه إلى الحسين رضى الله عنه زينة شباب آل بيت النبى.. وهو الأب الذى كان يكرر على مسامعها دائما الآية الكريمة "وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولي".. وأن عليها أن تلزم البيت وتكتفى بهذا القسط من العلم.
وفى اللحظة التى قررت فيها أن تستسلم لهذا الشعور وتترك القلم من يدها وتنصرف من الامتحان بل من الدراسة كلها، وقع نظرها على ماركة القلم، فإذا هى نفسها كلمة النسر التى تبحث عنها.. وكانت فرحتها عارمة بتلك الإشارة والبشارة.. والتى أكدت لها أنها تسير فى طريق محفوف بالرعاية الإلهية.
(3)
الأزمة الأخطر والأكبر فى مسيرة بنت الشاطئ كانت بعد حصولها على الشهادة الابتدائية بتفوق، إذ كانت بين العشر الأوائل على القطر المصرى، وكان التقليد أن تنشر الصحف قائمة المتفوقين فى صدر صفحاتها، ولما قرأ الشيخ محمد عبد الرحمن اسم ابنته فى الصحف غضب وثار واعتبرها "فضيحة" لا يجوز السكوت عليها، ولذلك رفض أن تواصل عائشة مشوار دراستها، ورفضت الأم هذا الفرمان الجائر وتحدته وقررت من جانبها أن تتقدم بأوراق ابنتها إلى مدرسة المعلمين وألا تحرمها من رغبتها وطموحها ونبوغها.. وكانت أزمة عائلية محتدمة حكت عنها بنت الشاطئ:
"كان أبى من جيل يعتبر خروج بنت العلماء بدعا ونشوزا، وذهب أبى إلى الحجاز يؤدى فريضة الحج، فأخذتنى أمى إلى المنصورة لألتحق بالمدرسة الراقية للمعلمات، وكنت الأولى على المنطقة فى امتحان الدخول، إلا أننى لم أتلق خطابا بالقبول من المعهد لأن أبى كان قد عاد وتسرب إليه الخبر فسحب أوراقي، غير أن أمى لم تلق السلاح.. وحاولت أن تدخلنى معهد حلوان، ثم استقر بى الأمر فى طنطا، غير أن الحرب التى شنها أبى والتى انتهت بطلاق أمى أصابتنى بأزمه نفسية جعلتنى ألزم البيت وأستذكر فيه، إذ إننى كنت مؤمنة بأن عناد أبى إغضاب، وإغضاب الأب حرام.."
كانت الأم هى الحافز والمحرك ومصدر الحماس والظهر الذى استندت إليه بنت الشاطئ فى جهادها من أجل العِلم، ولذلك ظلت تذكرها بالخير والامتنان حتى آخر العمر.
وبفضل هذه الأم الدمياطية الجسورة وصلت بنت الشاطئ إلى مكانة لم تبلغها امرأة قبلها.. وساندتها بقوة لتلتحق بالجامعة.. بل وتحصل على الدكتوراه.. وأن تكون أول مفسرة للقرآن الكريم.
وللحديث بقية...
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية
بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية
تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...