شاكر عبد الحميد.. راهب الثقافة المصرية

له من اسمه نصيب وافر وكبير، هو شاكر وحامد وراض وقانع، لا يتكالب ولا يتهافت ولا يجرى وراء مال أو سلطان.. حين جاءته أرفع المناصب وأعلاها فلم يزده الأمر إلا تواضعا

له من اسمه نصيب وافر وكبير، هو شاكر وحامد وراض وقانع، لا يتكالب ولا يتهافت ولا يجرى وراء مال أو سلطان..  حين جاءته أرفع المناصب وأعلاها فلم يزده الأمر إلا تواضعا  واعتقادا راسخا بأن المناصب لا تصنع صاحبها ولا تعلو به فى ميزان الإنسانية الحقة.. وهكذا كان الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة الأسبق الذى غيبه الموت بفعل فيروس كورونا يوم الخميس قبل الماضى، فحين اختير الدكتور شاكر وزيرا للثقافة فى حكومة الدكتور كمال الجنزورى عقب ثورة يناير لم يتغير ولم يتبدل واستمر كما هو يمارس طقوسه الاعتيادية، فيجلس على المقهى ويذهب إلى المؤتمرات والندوات ملبيا كل الدعوات، ليبذل من علمه الكبير النادر ولم يقل لنفسه يوما: لقد  أصبحت وزيرا.. إنه نموذج للمثقف الحقيقى الذى يستمد  قدره ومكانته من ذاته وإبداعه وليس من منصبه وعلاقاته.

قصة مع كورونا

للدكتور شاكر عبد الحميد قصة غريبة مع كورونا تستحق أن تروى، يبدو منها وكأن الرجل كان يتوقع أن هذا الفيروس اللعين سيهاجمه يوما ما، فسبق الجميع إلى التحذير منه على مستوى تأثيراته النفسية والاجتماعية الخطيرة وكتب كتابة مختلفة عن كورونا من وجهة نظر علم النفس الاجتماعى، ونشر دراسة مطولة عبر موقع أصوات أون لاين صك من خلالها ونحت تعبيرا خاصا به عن كورونا أسماه "post coronilism" أو ما بعد الكورونيالية..

كتب شاكر عبد الحميد دراسته بعنوان: ما بعد الكورونيالية.. عن ذلك العدم الذى يدق الأبواب،  ونشر هذه الدراسة فى أبريل من العام الماضى..

 كان  الناس وقتها لا يزالون حديثى عهد بهذا الفيرس اللعين، ومع ذلك كان لدى شاكر عبد الحميد ذلك الحدس العجيب  الذى تناول من خلاله كل تلك التأثيرات الاجتماعية والنفسية والصحية التى أحدثها كورونا فى العالم كله، كأنه كان يرى رأى العين ما سيستجد على خريطة الدنيا من تأثيرات عميقة لهذا الفيروس.

كتب الرجل عن ذلك الفيروس الغامض المخيف غير المرئى الذين لن يضرب الناس فى أحوالهم وأوضاعهم الصحية فقط ولكنه سيضربهم أيضا فى علاقاتهم الاجتماعية وسيغير سلوكياتهم تماما وسيكونون من بعده أكثر خوفا وجزعا وانعزالا واستعدادا لاستقبال الموت..

كتب شاكر عبد الحميد عن غرابة التناقضات التى خلّفها كورونا..

تحدث عبد الحميد عن هذا الفيروس الذى قلب حياة بنى البشر رأسا على عقب والذى لم نصل إلى حقيقة واحدة بشأنه.. من أين جاء وما سبب ظهوره وما خصائصه وأعراضه وما سبل الوقاية منه ومتى سيصل العالم إلى علاج مناسب له؟!

وأضاف عبد الحميد: تزايد بحث الناس عن نوع من اليقين وقد صار اليقين الوحيد هو أن يبقوا فى أماكنهم وأن ينعزلوا عن الآخرين وأن يغلقوا عليهم أبوابهم.

رعب أكبر من هذا سوف يجىء

لن ينجيكم أن تعتصموا  منه بأعالى جبال الصمت أو ببطون الغابات.

الأمر لا يقف عند مجرد تطهير أيدينا بالماء والصابون والكحول بينما ضمائرنا ميتة وقلوبنا متحجرة.

كتب شاكر عبد الحميد هذه الدراسة وهذا الكلام المهم عن كورونا منذ حوالى عام تقريبا ولا يزال كلامه عن كورونا هو الأصدق والأوقع بالنسبة لهذا الوباء.. أطلق الرجل صيحته، وقبل أن ينقضى العام  تركنا ورحل مصابا بهذا الوباء الخطير..  قال كلمته المستفيضة المحذرة من كورونا ليرحل بعدها ضحية لكورونا.

 إسهام ثقافى كبير

لقد تخصص شاكر عبد الحميد فى نوع نادر من الدراسات الأكاديمية، وهو علم نفس الإبداع،  فحين حصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة عام 1974 دعاه أستاذه الدكتور مصطفى سويف للتخصص فى مجال العلاقة بين علم النفس والإبداع، وبالفعل حصل شاكر عبد الحميد على الماجستير عام 1980 ثم الدكتوراه عام 1984 فى علم نفس الإبداع، وهو فى هذا الصدد يمتلك عددا من المؤلفات المعتبرة والمهمة التى تمثل كنزا نادرا للمكتبة العربية نذكر منها "المرض العقلى والإبداع العربى" ودراسات نفسية فى التذوق الفنى والفن والغرابة والغرابة.. المفهوم وتجلياته فى الأدب  والأسس النفسية للإبداع الفنى فى القصة القصيرة والخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضى، وكان آخر مؤلفاته هو "الدخان واللهب".. عن الإبداع والاضطراب النفسى، وفيه طرح مسألة العلاقة بين الإبداع والاضطرابات النفسية وعرض لنماذج كثيرة لمبدعين كانوا مصابين بالهوس والاكتئاب مثل تشايكوفسكى وفان جوخ الذى عرض لانتحاره من وجهة نظر نفسية.

 غير أن شاكر عبد الحميد كان مولعا أيضا بالدراسات البصرية وبدراسات الصورة والتصوير، وله فى هذا المجال كتب كثيرة  منها العملية الإبداعية فى فن التصوير  وعصر الصورة.. السلبيات والإيجابيات وغيرهما من الأعمال الاخرى..

وقد ألف شاكر عبد الحميد موسوعة "الطفولة والإبداع" فى خمسة أجزاء وكان شديد الاهتمام بإبداع الطفل ويرى أننا فى العالم العربى  لا نعطى هذا المجال حقه من الدراسات المتعمقة، ولذلك حين سافر شاكر عبد الحميد للعمل فى جامعة الخليج بالبحرين فى الفترة من 2005 إلى 2011  تولى مسئولية برنامج تربية الموهوبين وأبلى فيه بلاء حسنا.. نعم كان الرجل يؤمن إيمانا شديدا بضرورة تنمية الإبداع لدى الأطفال وأن هذا الأمر هو السبيل الوحيد لاكتشاف عباقرة ونوابغ ما أكثرهم لدينا لولا أننا  لا نهتم ولا نرغب فى اكتشاف ورعاية هذه المواهب.

 لقد كان شاكر عبد الحميد مثقفا موسوعيا حقيقيا بمعنى الكلمة، وكان مجال إسهامه فى الدراسات النفسية المرتبطة بالإبداع عظيما، وقام بترجمة العديد من الدراسات والكتب  المهمة فى هذا المجال، منها  بدايات علم النفس الحديث والعبقرية والإبداع والكتابة والدراسات النفسية للأدب  وغيرها من الدراسات والأبحاث المهمة، فقد كان الرجل أيضا مترجما بارعا فى مجاله..

وكان شاكر عبد الحميد يؤمن إيمانا تاما بأن الثقافة  ليست فقط شيئا معنويا أو عنصرا محفزا لكنها صناعة مهمة يمكن أن  تكون واحدا من عناصر الدخل القومى وكان ينادى دائما بتطوير ما يمكن تسميته بالصناعات الثقافية.

وحتى النهاية وقبل أن يصاب شاكر عبدالحميد بفيروس كورونا ظل يؤدى دوره كمثقف  فاعل فى الحركة الثقافية وظل يدرس تخصصه النادر "علم نفس الإبداع لطلاب أكاديمية الفنون التى كان يعمل أستاذا متفرغا بها وقد كان الرجل مرتبطا بالحركة الفنية الأكاديمية أيضا ارتباطا شديدا، فعمل عميدا   للمعهد العالى للنقد الفنى، ناهيك عن المناصب الثقافية الرفيعة التى تولاها، فقد عمل أمينا عاما للمجلس الأعلى للثقافة قبل أن  يحمل حقيبة وزارة الثقافة فى فترة عصيبة من تاريخ مصر، فلم تزد مدة توليه وزارة الثقافة المصرية عن ستة أشهر،  حيث تسلم الرجل حقيبة الثقافة فى السابع من ديسمبر عام 2011 ثم تركها فى مايو 2012  ولم تتح له هذه الفترة القصيرة أن ينفذ شيئا من أفكاره للثقافة المصرية.

الأهم من ذلك كله أن شاكر عبد الحميد كان محبوبا من الجميع واحتفظ بعلاقة ود مع المثقفين المصريين والعرب جميعهم،  فالرجل كان مخلصا لقضية الثقافة وكان محبا للمثقفين والمبدعين على اختلاف توجهاتهم  وكان فى قلبه محبة تسع العالم كله ولم يضبط أبدا غاضبا أو حانقا أو ساخطا، فقد كان ذلك الراهب المخلص فى محراب الثقافة، لذلك كان رحيله موجعا للجميع ومحزنا للجميع.. رحمه الله وغفر له.


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - مسابقة أجمل ضوافر

البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...

العديسى.. كيف حالك جداً (ملف خاص)

ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...

شخصيات لها تاريخ «100» عزيز المصرى.. أبو الثوّار العرب فى القرن العشرين

درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...

شهادات تذاع لأول مرة «13» شهادة من ناقد عاش التجربة وكتب عنها

إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...