هذه أثينا، مدينة أوروبية وفقاً للخرائط، وعضوية الاتحاد الأوروبى، وكذلك وفقاً للتاريخ، لكنها تختلف عن كل مدن أوروبا التى زرتها من قبل وكتبت عنها في كتاب «كل المدن أحلام» مدينة تقبض عليك بمجرد أن تطأ أقدامك الأرض، تسيطر عليك روح المدينة، ليس فقط بسبب التراث المعرفى الذى عشت معه سنوات طويلة من خلال الفلسفة اليونانية، والشعر في كلاسيكيات المسرح العالمى، قارئاً ودراساً، وعاشقاً يرتاد المسارح، بل لأن المدينة ما زالت تحتفظ وتحافظ بشراسة على روحها الإغريقية، ولا أقصود قطع الآثار، بل ثقافة عميقة تمثلتها المدينة وتجسدت في سلوك شعبها. هذا الشعب الذى عاش مع الآلهة وحولهم في أساطيرهم إلى أنصاف بشر وأنصاف آلهة. وكانت النتيجة أعظم دراما مسرحية عرفها العالم.
بدعوة من صديقى الشاعر ديمترى أنجليوس سافرت إلى أثينا للمشاركة فى مهرجان الشعر الدولى فى دورته الـ12، وكنا قد التقينا عام 2020 فى سلوفينيا، شاركنا سوياً فى مهرجان أيام الشعر والنبيذ (days of poetry and wine)، تحدثنا طيلة أيام المهرجان عن الحضارتين المصرية القديمة والإغريقية، كان طبيعياً أن نلتقى ونتحاور، كلانا قادم من حضارة عريقة، يغمرنا الزهو بحضارتين ما زال أثرهما حاضراً ومزدهراً. للوهلة الأولى وأقدامى تطأ المدينة، لم أكن وحيداً مع مرافقى الذى استقبلنى فى المطار، وكنت محظوظاً لأننى وصلت فى ساعة الذروة، وبالتالى القطار كان أفضل من السيارة، ألقيت بنفسى فى القطار أتأمل الوجوه، ومعى ما أحب من شخصيات عشت بعدها وعاشت معى، سقراط، أفلاطون، أرسطو، أسخيلوس، سوفو كليس، يوربيديس، من قبل الميلاد، ونيكوس كازنتزاكس، وكفافيس من العصر الحديث.
وآخرون، أبحث عنهم وأخبرهم أننى هنا، أبحث بين الوجوه وكأننى سألتقى بهم.
أثينا واحدة من أقدم مدن العالم والتي حملت اسم أثينا ربة الحكمة والتي كانت إلى جانب عملها بالحكمة والفكر، كانت ترعى شؤون المنزل، تخيط الملابس، بل وتتقن صناعة الأحذية، وفلاحة البساتين رغم عدم حاجتها للمال! كما كانت تحيك المؤامرات، أثينا التي ساهمت فى انتصار الإغريق على الطرواديين، ثم عادت وندمت بعد أن أهانوا معبدها، وطلبت من بوسيدون إله البحار وهو عمها أن ينتقم من الإغريق أثناء عودتهم.. أثينا التي أمشى على أرضها الآن، وأسأل نفسى كيف ألتهم هذا التاريخ فى خمسة أيام.؟
على هذه الأرض نشأ فن المسرح وعرفه الإنسان بالتزامن مع معرفة وممارسة النموذج الديمقراطي، فى أثينا الدولة القوية - وقتذاك - فكرياً وفلسفياً واقتصادياً، أيام الحاكم المستنير براكليس، ورغم معرفة المصريين القدماء للمسرح وبذور الدراما التى حملتها الأساطير المصرية القديمة فى زمن سابق على الإغريق، إلا أن الإغريق الذين أسسوا الدولة المدنية وخرجوا بالمسرح خارج المعابد، ونزعوا هالة القداسة عن هذه الأساطير، وانحازوا للحياة نجحوا فى تأسيس فن المسرح. ويذكر جورج تومسن فى كتابه إسخيلوس وأثينا.. دراسة فى الأصول الاجتماعية للدراما «حين يذكر المؤرخون أسخيلوس يذكرون صفته الديمقراطى - كان أسخيلوس ديمقراطياً قاتل كما كتب - وكان انتصار الديمقراطية على الأعداء الداخليين والخارجيين المتحالفين ضدها مصدرالإلهام لفنه، وكان مواطناً بارزاً من أكثر المجتمعات تقدماً فى يونان. كما كان بوصفه فرداً من طبقة النبلا القديمة، ورث التقاليد المحلية التى كانت تمتد جذورها من مجتمع القبيلة البدائية منذ زمن سحيق كان السؤال
الأساسى الذى شغل أسخيلوس طوال حياته هو: كيف تطور المجتمع القبلي المتجسد فى هذه التقاليد إلى دولة المدنية الديمقراطية التى كان قد ساعد هو على إقامتها».
قضيت ساعات كنت أتمنى أن تتدوم أياماً فى متحف الأك ropolis أحد أهم معالم المدينة، والذى يضم أكبر تجمع معماري لآثار الإغريق القدماء حيث تم بناؤه بعد انتصارهم على الفرس وإقامة الديمقراطية فى اليونان القديم. يعنى الأكروبول المدينة العالية، وكان قدماء اليونان يقيمون فى كل مدينة أكropolis ، وقد بنى المتحف الجديد عام 2003 فوق المنحدر الجنوبى الشرقي من الأكروبول من أربعة طوابق وأسفل المتحف مبان أثرية، ويضم المتحف إلى جانب التماثيل والمنحوتات والأوانى الفخارية، مجسمات تجسد مسرح ديونيسوس، ومسرح أديون، وأقنعة المسرح التى كانت يستخدمها الممثلون. ورغم أنني أكره المتاحف والآثار وأفضل التجول فى الشوارع فى كل المدن التى أزورها، رحَت أتجول فى الأكروبول منتشياً بمشاهدة ومعايشة آثار الإغريق وخاصة ما يتعلق بالمسرح اليوناني القديم. خرجت من المتحف إلى الشوارع فى الأيام التالية أشبع رغبتى فى مشاهدة الحياة خارج المتحف وبعيداً عن التاريخ، ففى أحيان كثيرة يختلط على الأمر؛ هل أنا فى الإسكندرية أم فى أثينا، وربما فهمت لماذا أقام اليونان فى الإسكندرية.
صحبة مجموعة من الشعراء فى تجمع وإقامة عدة أيام حدث مدهش بل وملهم، أن تعيش أياماً مع الشعر ومن أجل الشعر، شعراء من اليونان، وإيطاليا، وإسبانيا وألمانيا، وكرواتيا، وصربيا وأمريكا، لغات مختلفة وثقافات متباينة يجمعها الشعر رغم اختلاف اللغة، كل منا قرأ بلغته، وشاهدنا الترجمة الإنجليزية واليونانية على الشاشة، قرأنا جميعاً فى افتتاح، وكانها حفلة تعارف من خلال الشعر، وفى الأيام التالية تم توزيع الشعراء، كل أربعة فى أمسية فى أحياء مختلفة فى أثينا، تجولنا فى المدينة وقرأنا لجمهور مختلف كل يوم، وفى كل مرة أسافر فيها أتأمل هذه النصوص
التى كتبتها فى مصر باللغة العربية، أُشاهدها فى ملابس أخرى جديدة من خلال الترجمة، وهذه المرة كانت اللغة اليونانية. أتأمل الشعراء ودهشتهم. أن تعيش فى عالم الشعر لمدة أيام، الجميع يتحدث عن الشعر، أى الحياة كلها الشعر، كأنه حلم سنفيق منه بعد قليل ونعودة إلى الواقع، نعود إلى نشرة أخبار واحدة تكفى لانتزاعنا من هذا العالم.
قبل التاريخ والآثار ونوستالجيا الثقافة اليونانية، وصحبة الشعراء، شغلنى هؤلاء الإغريق وسلوكهم اليومى وتفاصيل الحياة التى جعلتنى أنظر إلى أثينا على أنها مدينة مختلفة عن المدن الأوروبية، شعب بسيط ومتواضع، ومفرط فى كرمه، لا ينام مبكراً كما يفعل الأوروبيون، شعب أسس أجداده الدراما، وأحبوا الحياة حتى إنهم صارعوا الآلهة وتحدوا أفعالهم.
هذه مدينة متوسطية بامتياز، حيث كنت أبحث عن شخصيات كازنتزاكس التى أعرفها من رواياته، وشخصيات كفافيس الذى كتب عن اليونان فى الإسكندرية. تنتهى الرحلة، وأصحو من الحلم وفى مطار أثينا أحمل معى شخصيات ستظل فى مخيلتي؛ شخصيات أقرب إلى قصائد تنتظر الكتابة. بانايوتي الشاعر المقبل من قبرص، هذا يونانى حقاً لا غش فيه، كتبه من قبل كازنتزاكس، شعرت أنه خارج لتوّه من رواية المسيح يصلب من جديد، أو الإخوة الأعداء، الكابتن ميخائيل، شعرت أننى أعرفه منذ زمن بعيد وربما التقينا من قبل. وشخصيات عديدة، فى الشارع والفندق وفى السهرات التى تعقب الأمسيات. حيث يخرج الشعراء من قصائدهم.
في اليوم الأول وبعد حفل الافتتاح فاجأنى صوت مدوّ ووحه ضاحك يصافحنى يا أستاذ جرجس،
بتعطيش الجيم الأولى والثانية قائلا: أنا عبدالتستار بركات، عرفت أن هذا الصعيدى القادم من أسيوط يعيش فى اليونان منذ 30 عاماً، شخصية ثرية ومصرى من رأسه حتى أخمص قدميه، ليس فقط لأنه ما زال يعمل مراسلاً للأهرام، وقناة القاهرة الإخبارية، بل مازال يحتفظ بملامحه المصرية وكأنه يعيش بيننا، اصطحبنى عبدالستار فى اليوم التالى إلى المركز الثقافى المصرى فى أثينا والذى يقع بالقرب من ساحة ميدان سانتجما وهو من أشهر الميادين، حيث البرلمان اليونانى العريق وأيضاً على بعد خطوات من السفارة المصرية، سعدت بزيارة المركز الثقافى المصرى والحديث مع د.منال رئيس المركز، والأنشطة التى حدثتنى عنها، ومنها تعليم اللغة العربية والهِروغليفية لليونانيين.
ويبقى عبدالتستار حالة خاصة تحتاج إلى الكتابة. كذلك سعدت بلقاء الشاعر الفلسطينى نجوان درويش وكنت قد التقيته مع العظيم سعدى يوسف منذ أكثر من عشرة أعوام فى القاهرة، سعدت بنصوصه التى لا تخلو من رؤية سياسية وتدافع عن القضية الفلسطينية، ولأننى لم أشاعر بالغربة فى أثينا، وفى هذا السياق فاجأنى نجوان بمحبته الكبيرة لأحمد شوقى، وأنه يعمل الآن على كتابة سيرة ذاتية لأمير الشعراء. وفى الليلة الأخيرة كانت مناقشة طويلة حول أحمد شوقى وطه حسين، وبطرس البستانى مترجم الإلياذة والأوديسة بعد أن انضم إلينى رونى بوسابا، وهو مترجم وباحث لبناني، يعد رسالته حول بطرس البستانى، كان الحديث بالعربية، ونتجم بعض العبارات لديمترى الذى كان يستمع إلينا وكأنه يشاهد عرضاً مسرحياً. غادرت أثينا وكأني أستيقظ من حلم سوف أعود إلى تفسيره فيما بعد.. نظرة عابرة لتاريخ طويل يحتاج إلى قراءات متعددة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هذه أثينا، مدينة أوروبية وفقاً للخرائط، وعضوية الاتحاد الأوروبى، وكذلك وفقاً للتاريخ، لكنها تختلف عن كل مدن أوروبا التى زرتها...
فيلم «حتى آخر العمر» فيه قضية مهمة تتعلق بتكوين الشخصية المصرية، قضية الارتباط بالأرض، فالثقافة الفلاحية المصرية ترفع شعار «الأرض...
عود براد بيت إلى شاشة السينما بفلم مختلف عن كثير من أفلامه الأخيرة، من خلال Heart of the Beast، الذي...
يشهد سوق الحفلات الغنائية المصرية والعربية طفرة كبيرة فى أجور نجوم الغناء لتسجل أرقاماً فلكية وخيالية فى الحفلات الجماهيرية والمناسبات...