الفرق المستقلة بين الماضى والحاضر (2)
حين سألت مؤسس فرقة الورشة حسن الجريتلى، وهو أحد مؤسسى تيار المسرح المستقل، بل وأصبح رمزا لهذا التيار، سواء من خلال إنتاج وتقديم عروض تطرح أفكارًا وجماليات فنية تعبر عن هذا النوع المسرحى والحفاظ على معاييره الخاصة، وأهمها الحرية، وكذلك قدرته وتصميمه على الاستمرار رغم تراجع العديد من أنصار المسرح المستقل.. سألته بعد أن تحدثنا الحلقة الماضية عن كيفية ظهور هذا التيار فى منتصف الثمانينيات، وكيف ولد قويًّا ثم تراجع وأصابه الذبول، فهل المسرح المستقل يشكل خطورة على المجتمع؟
وصف الجريتلى ما يحدث لهذا التيار بأنه أقرب إلى فكرة الضغط الجوى، وحكى لى عن تجربة منظمة الشباب عام 1963 التى شارك فيها فى ستينيات القرن الماضى حين كان طالبًا فى مدرسة المعادى الثانوية، وقال: «ما الذى جعل مكتب على صبرى نائب رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت، وأمين عام الاتحاد الاشتراكى، يخاطب مدرسة المعادى الثانوية، حتى نذهب نحن التلاميذ إلى معسكر فى حلوان لنجد أنفسنا بين نخبة من المفكرين، تحدثوا معنا فى شتى القضايا، حول الثورة والحرية والعدالة الاجتماعية والفن، وفى اليوم الأخير فى المعسكر زارنا عبد الناصر والتقى بالشباب، وقد حدث فى ذلك الوقت مد إسلامى إخوانى وتدريب على السلاح، فخرج المفكرون من السجون للحديث مع الشباب كرد فعل على هذه الأحداث!
وفى مرحلة لاحقة بعد اجتماع منظمة الشباب ولقاء الرئيس جمال عبد الناصر بنا، جاءت مكالمة من مكتب على صبرى للإعلان عن اجتماع فى مركز شباب الجزيرة، وذهبنا مرة أخرى، ووقفنا فى طوابير تحت الشمس، ووزعوا علينا أعلالامًا، ونظموا احتفالية كبرى، ونحن نحمل علم الجمهورية العربية المتحدة، وبعد كل هذه الترتيبات جاء مسئول ليقول لنا سوف تهتفون: عبدالناصر وشاوشيسكو.. وكان شاوشيسكو ألعن ديكتاتور فى العالم، ونهايته معروفة، الناس سحلوه هو وزوجته.. فهل كان التدريب على الحرية حتى نستقبل هذا الديكتاتور الملعون؟!».
وماذا فعلت.. هل هتفت لشاوشيسكو؟
لم أهتف، هربت من السور ومشيت لمحطة باب اللوق، وقلت لأبويا «أنا مش هاروح تانى». وهذا ما حدث بعد 25 يناير 2011، حيث خرج إلى السطح كل ما هو مخبوء فى هذا البلد.. كنت تشعر بأنك تتعرف على ما لا تعرفه فى البلد.. ففى الأزمات تحدث أشياء استثنائية، ثم تتراجع وتتلاشى.. وأذكر أننى شاركت فى مجموعة ندوات فى كينج مريوط غالبًا مع مؤسسة الجزويت، وفى إحدى حلقات النقاش حكيت موضوع منظمة الشباب، فكان الرجل الذى أسس منظمة الشباب لعبدالناصر، وكان يساريا من بين الحضور، وهو عبدالغفار شكر، فغضب غضبا شديدا، وأعتبر كلامى نوعًا من الكفر.
أوافقك، وهذا لم يحدث فقط فى الستينيات من خلال تجربة منظمة الشباب، بل حدث بعد نكسة 1967، أن خفت حدة الرقابة والسمحت المؤسسة الثقافية الرسمية والسلطة السياسية بهامش من الحرية، أنتج على سبيل المثال مجموعة من روائع الأفلام من خلال مؤسسة السينما، كما حدث فى التسعينيات أن طرحت وتبنت المؤسسة الرسمية خطاب التنوير، وكان الناتج حراكا ثقافيًّا فى النشر، والمسرح والسينما، ثم تراجع وخفت مرة أخرى، وكذلك بعد 2011.. هو نفس سؤال المسرح المستقل، هو مؤقت، ولماذا لا يستمر، وتجد اهتماما ورغبة، وفجأة ينتهى.. هذا هو السؤال: لماذا؟.. فهل يشكل خطرا على المؤسسة الرسمية؟.. ففى العقدين الأخيرين تقريبًا تلاشت فكرة المسرح المستقل كتيار أو ظاهرة كما كان فى البداية، إذ توقفت فرق كان حاضرة بقوة فى المشهد المسرحى، مثل المسرح البديل التى أسسها المخرج المسرحى محمود أبو دومة، وفرق أخرى، وآخرون بدأوا العمل مع مؤسسات رسمية.. لماذا؟
حسن الجريتلى يفكر، ولا يجيب بشكل مباشر، لكنه يبحث عن حكاية يجيب من خلالها، والتجارب التى مر بها فى حكايته من خلال فرقة الورشة، وأجابنى أيضًا فى حكاية قائلا: حين التقيت رئيس العلاقات الثقافية الخارجية ونحن نقدم عرض «غزير الليل» فى تسعينيات القرن العشرين، وسألنى: «أنت جاى ليه.. فيه إيه؟».. قلت: جئت بدعوة من مهرجان زيوريخ، وأنا فرقة الورشة المسرحية المستقلة.. فقال لى «وإحنا مالنا؟».. وهنا عرفت منصبه، وبعد ذلك حين تلقينا دعوة من مهرجان أيام عمان المسرحية، كان رد العلاقات الخارجية على المهرجان ما يلى: «انتو تبعتوا الدعوة ونحن نرسل الفرقة»، أي لا يجب تحديد الفرقة، فكان رد نادر عمران رئيس المهرجان من خلال خطاب اعتبره تاريخيا إذ قال لهم: «موظفوكو على الرحب والسعة ضيوف على المهرجان.. لكن الفرق المسرحية التى نختارها جزء من السياسة الفردية للمهرجان ولا علاقة لها بالموظفين».
وماذا كان رد العلاقات الثقافية على خطاب نادر عمران؟
بالصدفة كان وزير الثقافة فاروق حسنى وافق على سفر فرقة الورشة إلى بيروت للعرض فى مسرح المدينة، فخطر فى بالى أن نأخذ سيارة من بيروت إلى عمان، وكل موظف فى الفرقة يجد العذر المناسب للمؤسسة التى يعمل بها، وذلك بعد أن رفضت لجنة المهرجانات سفرنا إلى عمان.. وفجأة وأنا فى بيروت تلقيت مكالمة بنبرة مختلفة من مسئول فى العلاقات الخارجية واحتفاء مبالغ فيه قائلا: «ازيك يا أبو على أخبارك إيه»، وأنا فى حالة من الدهشة وكان ذلك بعد النجاح الذى حققته الفرقة من خلال عرض «غزير الليل» والاحتفاء النقدى من خلال الصحافة اللبنانية الذى وصل القاهرة بالطبع فتغيرت نظرة وزارة الثقافة للفرقة.
فجأة اجتمعت لجنة المهرجانات لتصدر قرارا بسفر الفرقة لأنه لا يصح أن نتحدى المؤسسة الثقافية ونسافر دون موافقتها، بعد أن رفضت السفر والدعوة من قبل، وبالفعل صدر قرار بسفر الفرقة.
فى حكاية حسن الجريتلى إشارة واضحة إلى أن الاستقلال الفنى مشروط ويجب أن يكون تحت مظلة المؤسسة الرسمية.. أليس كذلك؟
يجيب حسن: الفكرة فاترينة الإنتاج الثقافية لا بد أن تظهر المؤسسة الثقافية متعددة الاتجاهات، فكنا نسافر فى بعض الأحيان لهذا السبب، وفى أحيان أخرى ينظر إلينا كفرقة غير مأمونة العواقب. ففى مهرجان قرطاج لغوا سفرنا عدة مرات، عادة يتم إرسال أعمال للمهرجانات حسب الطلب، فإذا كان المهرجان يضع شروطًا فنية ومواصفات، ترسل أعمال تفى بهذا الغرض، أو العكس، هذه معايير لا علاقة لها بالحرية أو الاستقلال، ولا بالمستوى الفنى الذى ينتجه البلد. فلماذا كل هذا التعنت مع المستقل والخطط والمؤتمرات لإناء هذا التيار، أو تشجيعه فى الظاهر، ومحاربته فى الخفاء؟
حتى التشجيع فى الظاهر انتهى فى السنوات الأخيرة، وتفرق أنصار هذا التيار، بعضهم انخرطوا فى العمل مع المؤسسة الرسمية، والبعض الآخر توقفوا عن العمل، وأصبح المسرح المستقل مجرد عرض هنا أو هناك، فهل المجتمع غير مهيأ للتعامل مع فكرة المسرح المستقل، أو استقلال الفنون بشكل عام؟
المسرح يحقق التوازن بين الفكر وحقيقة الموضوع، بين الواقع وحدوده والفكر اللامحدود،وهكذا لا يصلح أن تصنع تجمعا إنسانيا، قواعده ليست قواعد المجتمع ككل، مجتمع يسعى إلى التوازن المختلف.. أنا هنا أمتص البرق، كمن يجلس على قمة الهرم، أحاول زحزحة الهرم ليرجع لكونه مصطبة، حتى تقترب من الأداء الأفقى، المجتمع قائم على التراتبية.
كيف ترى مستقبل المسرح المستقل؟
لن يكون هناك مسرح دون مسرح مستقل، دون هامش للحرية، فالحرية هي أساس الفن.. الفن يساوى حرية والمؤسسة الثقافية الرسمية لم تضع تراتبية فقط، بل ترفض فكرة الحرية فى المسرح.
دعيت لإخراج حفل افتتاح المهرجان التجريبى هذا العام، وبعد أن بدأت العمل، تراجعت إدارة المهرجان، ما هي الأسباب؟
خمسة أشهر من التفاوض مع إدارة المهرجان، مع د.سامح مهران رئيس المهرجان، ود.دينا أمين، وتم اقتراح موضوعات لها صدى قومى مثل افتتاح قناة السويس، أو عرض عن السد العالي، وأنا اقترحت تقديم عرض تدور أحداثه حول نهضة المسرح والفنون فى عشرينيات القرن الماضى، فى فترة ما بعد ثورة 1919، حيث الانفتاح والحرية.. تم قبول الاقتراح وهى أغنى فترة، وأنا لم أتوقف عن العمل لمدة خمسة أشهر، وفجأة أرسلوا لى خطابا، مغزاه أن هناك لخبطة إدارية وترشيدا للنفقات، وأنه سيتم عمل الافتتاح من خلال موظفى الوزارة ترشيدا للنفقات.
وهل اعترضت أو ناقشت إدارة المهرجان فى هذا القرار؟
لم أعلق، وواصلت العمل فى هذا المشروع، لعرضه ضمن مشاريع الورشة، والتعليق الوحيد هو؛ من قبل كانت هناك مؤسسات تدعمك لأنها تدعم الحرية، والآن لم يعد هذا متاحا.
انتهى الحوار مع حسن الجريتلي، وقد احتفظت بجزء منه ليس سياقه الآن، سوف أنشره فيما بعد.. تحدث مؤسس الورشة من خلال الأمثلة والتجارب التى عاشها وتؤكد العداء لفكرة المسرح المستقل، الذى احتضنته المؤسسة الثقافية الرسمية وأقامت له مهرجانا فى دار الأوبرا عام 1990.. فماذا حدث؟
«للحديث بقية»..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الفنان فؤاد المهندس من مواليد 6 سبتمبر 1924 فى حي العباسية، فى بيت عائلة العالم اللغوى والتربوى زكى محمد المهندس..
تواصل الدورة الـ 83 من مهرجان فينيسيا السينمائى الدولي فرض حضورها باعتبارها واحدة من أهم محطات موسم الجوائز السينمائى فى...
جاء من وسط الطبقات الكادحة، وسخر الموسيقى للتعبير عن معاناتها؛ حتى صار صوتها في كل شيء من متاعب الحياة إلى...