الفرق المستقلة بين الماضى والحاضر 1-
منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين وحتى عام 2026، أي بعد حوالي أربعة عقود منذ ظهور تيار المسرح المستقل في مصر، هل ما زال هذا التيار حاضرًا في المشهد المسرحى المصري؟.. بدأ هذا التيار قويًا في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، وازدهر بقوة في حقبة التسعينيات، وفي مطلع الألفية الجديدة حاولت الفرقة الحرة أو التي عرفت بعد ذلك بالفرق المستقلة وضع قدم راسخة في المشهد المسرحي من خلال عدة محاولات لتأسيس كيانات قانونية مستقلة للفرق، وجميعها لم يكتب لها النجاح، وكانت نتيجة المحاولات العديدة إقامة مواسم للمسرح المستقل برعاية مركز الهناجر للفنون، لتقديم ناتج الفرق المستقلة المسرحى، برعاية المؤسسة الثقافية الرسمية، وفي العقد الثاني بدأ التراجع وبدأت الظاهرة في الخفوت والتواري بعيدًا عن المشهد المسرحي إلا قليلا، وهذا القليل قدم من خلال مبادرات فردية عروضًا متميزة، لكنها ظلت متناثرة هنا وهناك من دون أن يكون لها التأثير الذي حدث في البدايات.. فماذا حدث، وما هي الأسباب التي أدت إلى تراجع هذا التيار الذي بدأ عفيًا وأحدث دويًا في المشهد المسرحي المصري حال ظهوره؟
سأحاول البحث عن إجابة لهذا السؤال من خلال فرقة الورشة ومؤسسها حسن الجريتلى، وسأبدأ بتقديم لمحة سريعة عن هذه الفرقة.
الورشة فرقة مسرحية مستقلة تأسست عام 1987 في مصر، قدمت عروضًا متنوعة في عدة مراحل، بدأت بأعمال مقتبسة عن نصوص أجنبية من خلال تمصيرها لتناسب الواقع المصري. في مرحلة تالية اتجهت الفرقة للبحث في التراث الشعبي، وقدمت مجموعة من العروض برؤية معاصرة. كما قدمت الفرقة مجموعة من عروض ريبرتوار المسرح المصري، جمعت ما بين الكوميديا والمسرح الغنائي، كذلك قدمت عروضًا متنوعة اعتمد بعضها على نصوص شعرية وأخرى ناقشت مآسى الحروب في العالم العربي. منذ عام 1993 قدمت الفرقة قسمًا خاصًا تحت عنوان ليالي الورشة احتفل بالأغاني الشعبية وكلاسيكيات الغناء المصري في النصف الأول من القرن العشرين، كما كان الحكي جزءًا أساسيًا في هذه الليالي مع الاستفادة من فنون خيال الظل، والأراجوز وبابات الخيال والتحطيب والآلات الشعبية، وهي الفنون التي تدرب عليها الممثلون تحت إشراف الفنانين الشعبيين. كذلك اعتمدت الفرقة على العمل الجماعي، وجاء تدريب الممثلين والمغنين ورعاية المواهب الشابة ضمن أهدافها في مراحلها المختلفة. تحولت الفرقة بأعمالها في العديد من المحافظات المصرية، كذلك قدمت عروضها في مدن عربية وأوروبية.
تعد فرقة الورشة من أوائل الفرق المسرحية المستقلة في مصر، أسسها عام 1987 حسن الجريتلى بعد عودته من فرنسا، حيث اختار الاستقلال عن المؤسسة الثقافية الرسمية على رأس أهداف مشروعه المسرحي، وذلك بعد فشل تجربته مع مؤسسة المسرح التابعة لوزارة الثقافة في مصر. سعت الفرقة منذ تأسيسها نحو الاستقلال الفني الذي يُعد الملمح الأساسي لمشروعها الذي صمد حوالي 35 عامًا ولا يزال، ليس فقط الاستقلال المالي الذي لم يكن سوى وسيلة أو أداة للتحرر من قيود الفن العمومي السائد، بل جاء مشروع الورشة في إحدى صوره مشروعًا تأسيسيًا، وذلك من خلال التنقيب عن هوية مصرية للمسرح تستفيد من منجزات المدارس الغربية الحديثة، لتؤسس من خلال هذا المزيج مسرحًا شعبيًا بلغة اللحظة الراهنة، كذلك السعي نحو اكتشاف وتدريب مواهب جديدة وتعليمها إلى جانب طرائق الأداء، الوعي بضرورة وجود هذه الهوية كضامن أساسي للتميز الفني.
ويذكر خالد جويلي، أحد الأعضاء المؤسسين لفرقة الورشة، الذي كتب في النشره التي كانت تصدرها الفرقة حال تأسيسها تحت عنوان أوراق الورشة، أهداف الفرقة في هذه اللحظة الزمنية عام 1987 ورغبتها في مواجهة القبح والتفاهة التي تجتاح العالم، قائلا: «إذ تتسع سوق الصحف والمجلات ضمن عملية الإغراق الكمى في سوق الصحف، كما في سوق الفيديو والكاسيت، كذلك في سوق المعلقين على الفنون، فتشابه أصواتهم كما تتشابه الأعمال ذاتها، ويصبح طمس الأصوات النقدية المتميزة واختناقها بين المئات من كتاب التعليقات السريعة قدرًا لا فكاك منه، لا يتفوق عليه إلا طمس الأعمال الفنية الجادة والتي إن لم تمت بحصار الصمت وضجيج التفاهة، سوف تموت بموجات من الهجوم المنظم، تتفق ضمنًا ومن دون حاجة لتآمر مباشر على ألا تسمح بصوت مختلف أو إيقاع يشذ عن المألوف أن يخرج عن مسار وبنية الاستعراض الشامل».. وجاءت هذه الكلمات إعلانًا صريحًا عن أهداف الفرقة ونهجها في مواجهة القبح والتفاهة والفن العمومي، والذي سوف يحدد مسارها في مراحلها المختلفة التي مرت بها، وتشكل أربع محطات فنية لمسيرة الفرقة، التي قدمت إلى جانب العروض المسرحية المتميزه، العديد من المواهب التمثيلية التي أصبح أصحابها من نجوم التمثيل، نذكر منهم: عبلة كامل، أحمد كمال، سيد رجب، سلوى محمد على، ومحمد هنيدى الذي شارك مع الفرقة في العروض الأولى. كما سعت الورشة منذ تأسيسها إلى تطوير مجال ثقافي بديل من خلال تنشيط وتطوير الشبكات المستقلة بالتعاون مع آخرين في مصر والعالم العربي.
سألت حسن الجريتلى مؤسس فرقة الورشة المسرحية منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، وهو من رواد هذا التيار والملمح البارز في ظاهرة المسرح المستقل، كما أن الورشة ما زالت قابضة على جمر فكرة الاستقلال عن المؤسسة الرسمية حتى كتابة هذه السطور.. سألته: هل ما زال تيار المسرح المستقل حاضرًا، وبماذا تبرر البداية القوية والتراجع المدوى على المستويين العام والخاص في الورشة، وإن كان التراجع في الورشة له أسباب رغم ما قدمته من أعمال مؤثرة في الواقع المسرحى؟
بدأ الجريتلى حديثه من طبيعة البدايات بشكل عام، وقال: «في جزء خاص عادة ما تكون الطاقة التي تحدث مع المبادرات الفردية، مع الحماسة أو الالتزام لشغف في البدايات، تسهم في خلق بداية تيار وتكتشف مساحة تسكنها عدد من المبادرات الشخصية، وتبدأ في تشكيل تيار، حيث يدخل في هذه المبادرة مجموعة من الأفراد لديهم رغبة في دخول المجال، ويحتلون المساحة التي فتحتها المبادرات الشخصية.. الورشة كانت سبّاقة في اكتشاف هذه المساحة، وآخرون دخلوا هذه المساحة مع الورشة (ويقصد الفرق المستقلة الأخرى التي نشأت في تلك المرحلة)، واستفادوا من هذه المبادرة، سواء كان هؤلاء منحازين لعروض الورشة أو حتى ضدها، لكنهم انحازوا لفكرة الاستقلال».
وأضاف: «العوامل التاريخية من وجهة نظري التي ساعدت على البداية القوية تمثلت في محاولة اكتشاف هذه المساحة وتطويرها، إذ استغلها آخرون أو استفادوا منها وهذا جيد، وهناك عوامل أخرى، فحين تتردد المؤسسة الرسمية في ممارسة السلطة، يحدث كما يحدث في جبال السعودية، بعد الأمطار تنمو حشائش في الربيع الزائف وسرعان ما تجف».
هل كان ظهور الفرق المستقلة حدث عارض مثل الحشائش التي تنمو في الصحراء وسرعان ما تذبل؟
اكتشفت من خلال عملي في فرقة الورشة أن السيطرة الكاملة للمؤسسة الرسمية تتراجع لسبب ما في لحظات ترتبط بالأحداث السياسية، والنموذج الواضح ما حدث في الفترة التالية للنكسة، وذلك حين خففت الدولة قبضتها على السينما وجاءت بمصطفى درويش مسئولا عن الرقابة على المصنفات الفنية، فجأة ظهرت كمية أفلام، وفي فترة أخرى ربما لا تقرر المؤسسة الثقافية فتح المجال لكن يحدث ما هو أقرب إلى رد الفعل، مع الشعور بالخطر، وحين يزول هذا الخطر تتبدد الحركة وتتراجع فكرة الاستقلال والحرية.
حدث في التسعينيات شيء مشابه، تمثل في التيار السلفية والدينية، التي ظهرت في السبعينيات والثمانينيات، فكان رد الفعل إطلاق مشروع التنوير من خلال نقاط ومبادرات مضيئة، سواء في النشر من خلال المجلات الثقافية المؤثرة، وعناوين الكتب التي تنحاز لأفكار الحرية والتنوير، وفي هذا التوقيت وبالتوازي مع هذه المساحة من الحرية في النشر ظهر المسرح المستقل، والسؤال: لماذا لا تستمر هذه المساحة من الحرية خاصة أن النتائج كانت في صالح الدولة المصرية؟.. ففي السنوات التالية للنكسة ومع وعي وزير الثقافة ثروت عكاشة بخطورة المرحلة، ودور الثقافة المهم، شاهد الجمهور مجموعة من الأفلام المهمة في تاريخ السينما المصرية عبرت عن الواقع وأسئلته، وكذلك في التسعينيات الحقبة التي شهدت انفتاحًا كبيرًا من المؤسسة الثقافية الرسمية، شهد المسرح على سبيل المثال ازدهارًا ملحوظًا بعد التراجع الذي حدث في العقدين السابقين (1970 -1990) ، فهل المسرح المستقل يشكل خطورة على المجتمع؟
وللحديث بقية..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
كايروكى.. الناجى الوحيد حضور باهت لكاظم الساهر.. ومحاولات فاشلة لإفاقة «لطيفة»
على رأسها «نيللى وشريهان ».. و «كامل العدد» غادة عبدالرازق بطلة لعملين.. ومى عز الدين فى «فرق شاسع»
الدراما لها أبعاد مجتمعية وتربوية ويجب أن تناقش قضايا الأسرة