«سيد درويش».. أسطورة عابرة للزمن

جاء من وسط الطبقات الكادحة، وسخر الموسيقى للتعبير عن معاناتها؛ حتى صار صوتها في كل شيء من متاعب الحياة إلى الثورة على الاستعمار، لكنه رحل صغيرا - بعمر 32 عاما - وإن ظل كبيرا جدا في عيون المصريين حتى بعد رحيله بمائة عام. وصفه المصريون البسطاء بفنان الشعب، واعتبره النقاد والمتخصصون أبا للموسيقى المصرية الحديثة، حيث أدخل تطورات فنية ملحوظة لم تكن سائدة في زمانه، ورغم رحيله صغيرا فإنه عاش طويلا جدا أكثر من كل أبناء جيله في وعي الشعب، وترك لنا ميراثا يشهد له الجميع بالعبقرية، ومنه الإنتاج الأكبر في رصيد المسرحيات الغنائية، حيث بلغ عددها "31" خلال 7 سنوات عاشها في القاهرة من 1917 إلى عام 1924.

قال إن لديه 26 رواية مجهولة من إبداعاته لم تر النور

الحفيد محمد حسن: سيد درويش لم يولد أو يعيش فى بيت كوم الدكة الموجود حالياً

بيته فى الإسكندرية تحول لبرج سكنى.. والأسرة لا تزال محافظة على منزله بجزيرة بدران

والده توفى فى السادسة من عمره فخرج للعمل مبكراً لينفق على أمه وشقيقاته البنات

المأذون رفض تزويج جدى لأنه يعمل بالموسيقى

لدينا 26 رواية نادرة تحتاج إلى إنتاج مسرحى

نرى فى هذا الحوار فنان الشعب سيد درويش من قريب.. نراه فى طفولته ومعاناة اليتم المبكر يخرج للعمل حتى ينفق على والدته وشقيقاته البنات.. هذه الأحداث لم يعشها حفياده "محمد حسن سيد درويش" الذى لم يكن ولد من الأساس، ولن يتذكرها والده (ابن سيد درويش) أيضاً، لأن والد الفنان الكبير رحل وهو فى عامه الثاني، لكن الحفيد الذى أسس جمعية لمحبى موسيقى جده، ولا يزال يحتفظ بمنزله القديم فى جزيرة بدران بحى روض الفرج، يعرف الكثير مما سمعه منذ طفولته عن جده فنان الشعب.

فى السطور التالية يحكى محمد حسن عن طفولة جده بالإسكندرية.. جده الذى رحل مبكراً لكنه ترك خلال عمره القصير تراثا ظل باقيا لأكثر من مائة عام.. وسيبقى على مر الزمان.

  • حدثنا عن نشأة سيد درويش..

ولد سيد درويش فى 17 مارس عام 1892 بحى كوم الدكة بالإسكندرية، وكان أبوه "درويش البحر" يعمل نيجارا بلدي، أما أمه فاسمها "ملوك".. وسيد كان الابن الوحيد بين ثلاث بنات، أصر الأب على أن يعلمه حتى يراه شيخا حافظا للقرآن، فألحقه بكتاب "سيد أحمد الخياش" وتعلم سيد درويش القراءة والكتابة لمدة عامين بالكتاب، وتوفى والده وهو فى عامه السادس، لكن بعدما مات أبوه اشتغل عامل بناء ليعول أسرته المكونة من أمه وشقيقاته، وكانت حلاوة صوته سببا فى أن يشتهر بين المصريين، ولأن أمه كانت تريده أن يتم تعليمه فقد ألحقته بجانب عمله بمدرسة "حسن علاوة"، وكان بالمدرسة مدرس يحب الموسيقى، فسمع صوت جدى وعلم بحبه للموسيقى فأحاطة برعايته، ثم انتقل إلى مدرسة "شمس المدارس" بحى رأس التين، وشاءت المصادفة أن أحد مدرسيها يعمل ليلا بفرقة الشيخ سلامة حجازى ويحفظ قصائده، وكان يلقنها لتلاميذه، وفى عام 1905 التحق سيد درويش بالمعهد الدينى بالإسكندرية ليتعلم تجويد القرآن وظل به حوالى عامين، وارتدى "درويش" الزى الأزهرى ولقب بالشيخ "سيد درويش" وكان عمره 13 عاما.

حاجة الشيخ سيد درويش إلى المال، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية العالمية السيئة (فترة 1907)، دفعته إلى أن يطرق أبوابا عديدة، فبعد العمل مع الحرفيين فى سن الخامسة عشرة، وبدأ يغنى فى الأفراح والموالد مرددا ما أتم حفظه من أناشيد وتواشيح دينية، وكان فى أول الامر متأثرا بطريقة الشيخ "حسن الأزهرى"، ثم ظهرت شخصيته المستقلة، فخلع ملابس الشيوخ وبدأ يغنى تاركا الدراسة ليستطيع أن يتكسب عيشه، لكنه لم يترك طائفة المعمار، حيث صادف أثناء جلوسه على أحد المقاهى بين العمال ممثلا يدعى "محمد عطاالله" سمع صوته وأعجب به واقترح عليه أن يعمل فى فرقة تمثيلية يملكها شقيقه أمين عطاالله، وبالفعل التحق بالفرقة عام 1909، وسافر معها فى رحلة إلى الشام ثم رحلة أخرى فى عام 1912.

وفى عام 1914 مارس سيد درويش الغناء فى مقاهى الإسكندرية وبعدها أصبح الشيخ سيد درويش مشهورا لدرجة أنه أنشأ فرقة مسرحية خاصة به، وكان يقوم بدور البطل، لكنه لم يكن يجيد فن الإدارة، حيث كان مسرحه فى حى سيئ السمعة يكثر فيه وجود الجنود الأجانب، لذلك كان الإقبال ضعيفا، وتوقفت الفرقة وبدأ يعود سيد درويش إلى التأليف الموسيقى فقط. 

  • وماذا عن أسرة سيد درويش؟

لجدى أسرتان، الأولى الأسرة السكندرية، وهي الابن الأكبر محمد البحر رحمه الله، ومن أبنائه الفنان إيمان البحر درويش، والأسرة القاهرية مكونة من والدى حسن درويش رحمه الله، وهو كان خريج المعهد العالى للفنون المسرحية، وأنا من أبنائه، وأشرف برئاسة جمعية أصدقاء موسيقى سيد درويش، أما بخصوص زوجاته فهو تزوج لأول مرة من السيدة "وديدة" والزوجة الثانية هى جدتى وهى السيدة "جليلة".

ومتى خرج أول أوبريت موسيقى له إلى النور؟

فى شهر يوليو 1918 عندما وصل سنه إلى 26 سنة، قام بتلحين أول رواية له، وكانت فى فرقة جورج أبيض بعنوان "فيروز شاه"، وهذه كانت بداية نجاحه فى القاهرة، ونال قدرا كبيرا من الشهرة واستطاع أن يلفت أنظار أصحاب الفرق التمثيلية فهرعوا إليه فلحن بعض الأوبريتات، فلحن لفرقة الريحانى وفرقة عكاشة وفرقة منيرة المهدية وفرقة على الكسار.

أعرف أنه تعرض لموقف مؤسف يوم زواجه.. فما الذى حدث؟

تزوج يوم الخميس الموافق 29 مايو 1919، فى هذا اليوم أتى الناس مهنئين بالزغاريد، ووقت عقد القران سأل المأذون عن مهنة العريس، فرد الشيخ سيد: "موسيقى"، فغضب المأذون ورفض أن يتم الزيجة لأن الموسيقى فى هذا الوقت كان يعد فاقد الأهلية، وحتى يخرج من هذا الموقف الذى أحزنه كثيرا ادعى أنه يعمل مدرسا وهو فى حالة حزن وأسى.

سافر سيد درويش إلى الشام مرتين.. فماذا استفاد من هذه الرحلة؟

سافر مع سليم وأمين عطاالله إلى الشام، لكن فى الرحلة الأولى فشل غنائيا بسبب وجود الشيخ سلامة حجازى فى الشام، مما اضطره إلى مزاولة فن التمثيل فى هذه الرحلة، فاكتسب خبرة فى الأداء المسرحى كممثل، لكن بعد عامين طلب الأخوان عطا الله منه أن يسافر معهما مرة ثانية للشام 1912، وفى هذه المرة حقق نجاحات فنية ومادية كبيرة، فقد ساعدت الرحلة على استكمال بناء شخصيته الفنية، حيث سنحت له فرص الالتقاء ببعض كبار الموسيقيين أمثال الشيخ صالح الجذبة والشيخ على الدرويش والأستاذ الكبير عثمان الموصلي وغيرهم، وهناك تعلم أصول الموشحات وتعلم المقامات الشامية، والمقامات المختلفة، كما تشبع بالكثير من أغانيهم فحفظها وأتقنها واستفاد منها، ثم عاد إلى مصر بعد أن زار كل أنحاء الشام والعراق والأناضول وتركيا، وعاد مقتنيا ذخيرة من الكتب الفنية والأدبية وبملامح فنية جديدة وبألحان خالصة لنفسه، وعمل من خلال ما تعلمه على تطوير الموسيقى.

لماذا هاجم الإنجليز ألحان سيد درويش؟

الإنجليز منعوا أغانيه وألحانه من الإذاعة حتى ثورة يوليو 1952، وحرضوا الصحافة على السخرية منه كشيخ، كما أن له تجارب مع أحداث ثورة 1919، قدم عددا من الالحان الحماسية والثورية، منها "إحنا الجنود زى الأسود، وقوم يا مصرى مصر دايما بتناديك، ومصرنا وطنا سعدها أملنا، وأحسن جيوش فى الأمم جيوشنا، وأنا المصرى كريم العنصرين، ودقت طبول الحرب يا خيالة"، وكلها ألحان ألهبت حماس المصريين، وكان الناس يحملونه على الأعناق فى المظاهرات وهم يغنون ألحان "بلادى بلادى، وقوم يا مصرى"، الأمر الذى أغضب الإنجليز والحكومة المتواطئة مع الاستعمار فى ذلك الوقت، ولذلك حاولوا كثيرا التخلص من سيد درويش.

هل نال سيد درويش حقه من التقدير؟

من المفترض أن ينظر الإعلام إلى هذا بعين الاعتبار، ونسأل أين موسيقى سيد درويش وتراثه من الإذاعات المختلفة، وأين ألحانه من إذاعتها فى دار الأوبرا المصرية؟.. فيجب على كل المصريين أن يحافظوا على التراث الذى تركه سيد درويش قبل اندثاره.

■■ فى رأيك.. ماذا قدم سيد درويش للموسيقى المصرية؟

سيد درويش قدم الكثير واستطاع أن يعبر بألحانه عن حياة المصريين وعن الطوائف المختلفة، وشارك بأغانيه فى كل مشكلات المجتمع، فهو صنع نقلة فى الموسيقى العربية ونقلة فى الموسيقى من التطريبية إلى التعبيرية، واستخدم مقامات موسيقية لم تستخدم من قبل، منها مقام النكريز، وقدم التدخلات اللحنية التى لم تكن موجودة فى الموسيقى العربية من قبل، وفى الموشحات عمل نقلة وقدم موشحات بشكل جيد جدا، فقدم عشرة مقامات مختلفة من أقوى مقامات الموسيقى العربية.

وما مصير بيت سيد درويش بحى كوم الدكة بالإسكندرية؟

البيت الموجود بالإسكندرية ليس بيت سيد درويش أصلاً، وليست له علاقة به، لم يولد ولم يعش بالمنزل الموجود بحى كوم الدكة، لكن بيته كان فى مكان آخر بالإسكندرية، وهذا البيت هدم وبنى مكانه برج سكنى، أما منزله فى حى روض الفرج فنحن كأسرة محافظين على هذا البيت، وما زال قائما إلى الآن ونحتفظ فيه بكل الألحان والنوت الموسيقية والروايات والأزجال الموسيقية، وأنا عن نفسى أحافظ على هذا المنزل، لأن هذه كانت وصية والدي، لكنه يحتاج إلى عناية من جهات معنية، لكننا لم نر من يقوم بهذا العمل بالشكل الجيد إلى يومنا هذا.

والدك ألف كتاباً مهماً عن جدك سيد درويش.. كيف ترى هذا الكتاب؟

فى الحقيقة جدى توفى ووالدى عنده عامان، وهذا جعله طيلة حياته يبحث عن والده فى الكتب والأشياء التى تركها، وعشقه لوالده واشتياقه له جعله يكتب عنه أهم الكتب عن سيرة سيد درويش، وهو كتاب "من أجل أبى سيد درويش"، ولم يكتف بذلك بل قدم 6 كتب أخرى، وتحتوى هذه الكتب على الكثير من الألحان والمخطوطات التى كتبها بيده سيد درويش، وكل من يقرأ هذه الكتب سوف يجد بها إجابات عن كل سؤال يحيره عن حياة فنان الشعب.

هل لدى أحفاده ميول موسيقية؟

ابنى الأكبر "شادي" خريج الكونسرفتوار وهو عازف تشيلو وحاليا يستكمل دراسة الدكتوراه فى ألمانيا، وابنى الأصغر "أحمد" عازف كمان ودرس بالمعهد العالى للموسيقى العربية بعد الدراسة بالكونسرفتوار ويعمل عازف كمان.

هل لديك أعمال لم تخرج للنور من إبداعات سيد درويش؟

فى الحقيقة تحدثت مع جهات كثيرة معنية ومع الكثير من القنوات فى هذا الأمر، لدي 26 رواية غير الثلاث روايات التى قدمت من قبل، وهي "شهرزاد، والباروكة، والعشرة الطيبة"، وكل من يطرق باب سيد درويش لمعرفة تراثه فإن باب منزلنا مفتوح على مصراعيه لمحبى سيد درويش، لكن للأسف الروايات الموجودة لم يطلبها أحد لكي تخرج للنور، فهي تحتاج إلى إنتاج وعمل مسرحى كامل لكي تقدم بشكل جيد.. وطالبت كثيرا الجهات المعنية بتبنى هذه الروايات حتى لا تطمس ولا تذهب هباء، فإذا انهيار منزل سيد درويش فى جزيرة بدران سيضيع كل تراثه، ونحن آخر جيل لسيد درويش لو انتهينا ستنتهى قصة سيد درويش تماما وتراثه، ومنزل سيد درويش مفتوح دائما للجميع ولكل من يريد الحفاظ على تراثه.

شهاداات نادرة عمرها 70 سنة

شيوخه وأصدقاؤه يروون رحلته مع التلحين وثورة 19

كان مغرماً فى طفولته بتقليد «حسن زهرى» و «أحمد ندا»

عمل مدرساً للموسيقى.. وألف ولحن «بلادى بلادى» فى ساعتين

نجل سيد درويش: أبى اعترض على غنائى

قرأ القرآن عشر ساعات بلا توقف.. وتأسف لأنه لم يصنع أغنية للمكوجية

كثيرة هي الكتابات التي تناولت حياة الفنان الكبير سيد درويش.. ما زال هناك الكثير مما لم يقل، فعلى الرغم من قصر حياته - توفى قبل أن يتم 32 عاما - فإنه عاش حياة عريضة خصبة بالإنتاج الفنى، وبخاصة تلك السنوات الست التي تفرغ فيها لتأليف ألحان تغنى بها الشعب الثائر طلبا للحرية.

في السطور المقبلة، يتحدث أصدقاء "سيد درويش" المقربون وابنه محمد البحر عن أهم محطات حياته الفنية والإنسانية، بحسب ما نشرته "الإذاعة والتليفزيون" من وثائق نادرة في العدد 1122 الصادر بتاريخ 15 سبتمبر 1956.

لقد ذهب مندوبنا في الإسكندرية إلى ثلاثة من اصدقاء سيد درويش المقربين، وطلب منهم أن يحدثوا قراءنا عن بعض ذكرياتهم معه، كما تحدث الى نجل الفقيد عما يشاع عن اعتراضه الدائم على تسجيل تراث أبيه، وعن بعض المواقف التى يتذكرها لوالده.. وإليك حديثهم:

كيف غنى لأول مرة؟!

قال الشيخ "مفرح محمود" مؤذن ومقرئ مسجد على البدوى بكوم الدكة: "كنت فى الحادية عشرة من عمرى، حينما حفظت جزءا من القرآن، وعهد شيخ كتاب سيدى أحمد الخياشى إلى بتحفيظ صغار التلاميذ.. وذات يوم جاءت سيدة كانت تسكن بجوارنا وعهدت إلى بابنها الصغير سيد، وكان فى السادسة من عمره، وأوصتنى به، أوليته عناية خاصة لماتميز به من سرعة حفظ، ولما تقدم بعض الشيء بدأت أتردد عليه فى منزله كل يوم لأراجع له ما حفظه حتى أصبحت أحد أفراد الأسرة، وكنت أنادى والدته بـ(أمى)، ولما أنشئت مدرسة حسن حلاوة فى الحي وتم اختيارى فيها أخذت تلميذى وصديقى سيد درويش معى، وكانت بين الدروس حصة للأناشيد كان المدرس يحفظ التلاميذ خلالها بعض الأناشيد القديمة، وكان سيد أول من يحفظها ويلقيها إلقاء جيدا بصوته رخيم".

وأضاف: "فى هذه المرحلة بدأ الشيخ سيد يغرم بتتبع وتحديد الشيخ حسن زهرى أشهر مرتلى القصائد الدينية فى ذلك الوقت، كما كان يقلد المقرئ المشهور الشيخ احمد ندا، وكان طلبة المعهد يلتفون حوله معجبين، وذات يوم دعانا أستاذنا فى المعهد المرحوم الشيخ أحمد الشبراسى إلى إحياء خاتمة كان قد أقامها بمناسبة مولد حفيد له، وفى تلك الليلة أبدع سيد درويش وبرزت مقدرته بشكل واضح أدهش المدعوين، وكان حين أذن لا يزال فى الرابعة عشرة من عمره، وأخذته وعدنا إلى كوم الدكة، لكنه غافلنى وعاد مرة ثانية الى السهرة حيث استمر فى الغناء حتى الفجر، وقد سمعه ثرى تركى فدعاه ليحيى الليلة التالية عنده، وأقبل سيد يزف إلى الخبر وهو يكاد يطير من الفرح، وأخبرنى بأن المدعوين جمعوا له جنيهين ونصف جنيه تقديرا له، وأخذنى وأسرع بى إلى سوق حيث ابتالع عمامة جديدة وقماشا لجبة جديدة ثم ذهبنا الى ترزى ليصنع له الجبة وطلب منه سيد أن ينتهى منها فى اليوم ذاته.. وفوجئت بأن الثرى التركى اعد سرادقا ضخما احتشد فيه جمهور، وخَشِيتُ ألا يستطيع سيد إطراب هذا الجمع الكبير، لكنه خيب ظنى، وظل ينشد حتى الفجر بين إعجاب الموجودين ودهشتهم من قدرته، وتوالت بعد ذلك السهرات والليالي على سيد درويش وأصبحت لنا أسرة تتفق باسمنا مع أصحاب الحفلات".

كيف كان يلحن أراضيه؟!

قال محمد على حواش، تابع سيد درويش ورفيق حياته: "تعرفت إليه (سيد درويش) نحو عام 1912، وسافرت معه فى رحلته إلى الشام مع فرقة سليم عطاالله، ولازمته بعد ذلك حتى وفاته.. ولما عاد من الشام بدأ يغنى فى مقاهى الكورنيش، كما كان يدرس الموسيقى للهواة فى نادى الموسيقى الشرقية، وحضر الشيخ سلامة حجازى إلى الإسكندرية واستمع اليه فى مقهى كرياكو، وكان يغنى توشيحا أندلسيا من تلحينه من مقام النهانود مطلعه: (منيتى عز اصطباري)، فأعجب به الشيخ سلامة وقرر أن يصحبه الى القاهرة حيث لحن رواية: (فيروز شاه) لفرقة جورج أبيض، وذات يوم حضر نجيب الريحانى وبديع خيري واستمعا إلى ألحان الرواية فأعجبا بها، وقررا أن يتعاقدا مع سيد درويش، وبحثا عنه كثيرا فلم يعثرا عليه، فنادانى نجيب الريحانى ووعدنى بمبلغ كبير إذا أنا أحضرته إليه، وكنت أعلم أنه فى جلسة خاصة مع بعض أصدقائه، وكنت أعلم أيضا أنه سيرفض الخروج معى لمقابلة الريحانى، فدخلت عليه متصنعا الاضطراب وأخبرته بأن أعز صديقاته قد حضرت من الإسكندرية وأنها تشاجرت فى مسرح الريحانى، فقام معى مسرعا إلى هناك حيث وجد الريحانى فى انتظاره، ولم يتركه إلا بعد أن وقع معه عقدا براتب شهرى محترم".

وواصل: "كان رحمه الله يقدر المسئولية إلى أبعد حد، حتى إنه كان يحبس نفسه أسابيع بأكملها لينتهى من تلحين الرواية فى موعدها المحدد، وكان يحلو له التلحين فى إحدى الحدائق النائية حيث كان يجتمع مع بعض أصدقائه الفنانين، ويظل معهم فى فكاهة ومرح، ثم إذا به يتركنا فجأة ويتنحى جانبا بعيدا، ويخرج من جيبه كلمات الأغنية ويبدأ فى تفهمها وتلحينها دون أن نسمع له صوتا، وفجأة يعود إلينا ليسمعنا لحنه الجديد، وكثيرا ما كان يمضى الليل بأكمله على هذه الحال، وكانت أحرج الأوقات بالنسبة إليه هي تلك التى يحفظ فيها ألحانه للمطربين وأعضاء الفرقة، وكثيرا ما كان يفقد أعصابه ويثور بل ويسقط مغشيا عليه إذا تكرر خطأ المطرب فى أداء اللحن.

كان يشترك فى الاجتماعات الوطنية

وقال الدكتور على حسن من كبار أطباء الإسكندرية : "كانت عيادتى بحى الباب الجديد مقرا للاجتماعات الوطنية التى كنا ننظم خلالها الإضرابات والمظاهرات أثناء ثورة 1919 ضد المحتل، وقدم علينا ذات يوم مع بعض الأصدقاء شاب متين البنيان علمنا فيما بعد أنه الموسيقى سيد درويش.. وعلمنا كذلك أنه كان متصلا ببعض الأصدقاء زعماء الحركة الوطنية وقتذاك، وبدأ يشترك معنا فى اجتماعاتنا الوطنية ولاحظنا عليه حماسه الشديد ووطنيته الصادقة التى مكنته من تلحين عدد من الأناشيد الممتازة كانت خير عون لنا فى حركتنا، وكانت أقوى أثرا من الخطب والمنشورات لأن الناس كانوا يحفظونها بسرعة عجيبة ويرددونها فى كل مكان، فأقبلنا عليه جميعا وبدأنا نلازمه فى كل تحركاته لنبعده عن اصدقاء السوء ، وعن تعاطى الكيفات التى كانت قد بدأت تؤثر على صحته. وأشهد أنه كان يستجيب لنا ويداوم على صحبتنا والاشتراك فى اجتماعاتنا، وبدأت صحته تتحسن بالفعل، وأذكر أننى كثيرا ما كنت اغلق عيادتى وأعطل عملى كى ألازمه وأمنعه من الاتصال بأصدقائه القدماء.. حتى غافلنا ذات ليله ولبى دعوة بعض هؤلاء الأصدقاء وقضى معهم سهرة حمراء فى منزل بحى كليوباترا أسرف خلالها فى كل شيء، ويقال إنه قضى ليلته فى غرفة مفتوحة النوافذ تطل على البحر مباشرة، فأصيب بحمى شديدة قضت عليه وهو فى ريعان شبابه".

واختتم: "لقد كان سيد درويش هبة ثمينة ضاعت من بين أيدينا، ولو أتيح له ان يعيش حتى اليوم ويشهد أمجاد بلاده وانتصاراتها لتفاعل معها بفنه العبقرى، وعبر عنها بألحانه كما لم يعبر أحد سواه".

لن أزيف فن سيد درويش

وقال محمد البحر، نجل سيد درويش: "لا أريد أن أذكر كل ما قمت به وما تحملته فى سبيل بعث تراث أبى وتسجيله، فهذا أقل واجبات البنوة.. ويكفينى أن أؤكد ما يعلمه الكثيرون من أننى ما من باب الا وطرقته كى أخرج ألحان سيد درويش إلى أسماع الناس، وأنه ما من مناسبة تمر إلا واتجهت فيها إلى المسئولين وغير المسئولين كى يساعدونى على بعث هذا التراث.. وها أنا ذا أعود فأؤكد بصفتى الحارس القضائى على تراث سيد درويش أننى أمد يدى وأبذل كل ما أملك من جهد وخبرة لكل يد مخلصة تمتد لتحقيق هذا الأمل الذى كرست له حياتى.. كل ما فى الأمر أننى لن أستطيع أن أزيف فن سيد درويش، ولن أقبل بأن يقدم بصورة مشوهة تسيء إلى ذكراه.

وأضاف: "أما ذكرياتى عن أبى فهي كثيرة وأكتفى بأن أروى لكم هاتين الحادثتين اللتين توضحان ناحية غريبة فى خلقه، فقد كان رحمه الله عنيفا سريع الغضب، لكنه كان فى نفس الوقت شفوقا رقيقا الى أبعد حد، ولعلك سمعت عن قصته مع بائع الفاكهة الذى أساء إليه فى الحديث، فما كان منه إلا أن قلب له العربة بما فيها، فلما رآه يبكى بكى هو الآخر واعطاه كل ما فى جيبه من نقود.

ومرة أخرى كنت أنزل على السلم لأشترى خبزا، وكان الظلام دامسا، ولم يكن من عادته أن يعود الى المنزل فى مثل هذا الوقت، فأخذت أغنى إحدى أغانيه وعنوانها (حلم) ومطلعها: (أنا رأيت روحى فى بستان كان وقتها البدر يلالى).. وتمضى كلمات الأغنية تصف كيف التقى المحب بحبيبته في الحلم، وأخذ يضمها ويقبلها وبينما أنا أرفع صوتى قائلا: (وحضنتنى وحضنتها وباستنى وبوستها) إذا بيد قوية تمسك بى فى الظلام وإذا بصوت أبى يفاجئنى قائلا: (هي مين اللي حضرتلك؟.. مش تقوللى عشان أشوفها حلوة واللا وحشة)، وما كدت أطمئن الى مداعبته ولهجته الحانية حتى فاكأتنى صفعاته القوية وصياحه وهو يقول: (أنا مش قلتلك ستين مرة مش عايز أسمعك بتغنى أبدا يا ابن.....).

نعم.. فقد كان أبى لا يريد أن تكون لي أى صلة بالموسيقى والغناء بعد الذي قاساه منهما في حياته".

لم تتوقف مجلة الاذاعة والتليفزيون عن متابعة هذا الرجل الذى أطلق عليه خادم الموسيقى، ونشرت فى عددها رقم (1377) الصادر بتاريخ 21 سبتمبر 1957 حورا لأقرب اصدقائه وأكثرهم ملازمة له فى مختلف مراحل حياته وهو "نيقولا الملا" الذى تكلم عن شخصية سيد درويش وفنه وحياته من خلال أربع حكايات.

أمل.. لم يتم

يقول الملا: "فى سنة 1919 أرسلت الحكومة المصرية الأستاذ جورج أبيض فى بعثة لدراسة التمثيل فى باريس، وكان سيد درويش لا يزال فى مستهل حياته الفنية، يغنى فى بعض مقاهى الإسكندرية، لكنه كان مع ذلك على قدر كبير من الطموح.. قال لي حينما سمع بهذا الخبر: (تمثيل إيه وبتاع ايه؟.. أنا اللي عايز أسافر أوربا عشان أدرس الموسيقى على أصولها، وشرفك لازم أخلى الخديو يبعتنى فى بعثة غصب عنه)، وسألته: (بس هتعمل إيه؟).. فأجابنى: (بعدين هتعرف)، وقد عرفت فيما بعد أنه أرسل إلى الخديو عباس حلمى يطالبه بإرساله فى بعثة، وأرفق طلبه بأغنية ألفها ولحنها خصيصا لهذه المناسبة بحيث تكون الحروف الأولى من سطورها اسم عباس حلمى خديو مصر، وأذكر منها (عواطفك أشهر من النار.. بس اشمعنى جفيتنى يا قلبك؟.. أنت اللطف وليه أحتار.. سيد الكل وأنا طوع أمرك)..

لكن الخديو لم يستجب لرجائه واكتفى بأن أرسل له عشرين جنيها مكافأة له على تأليف الأغنية، وأراد سيد أن يعيدها إلى السراى لولا أن منعته خوفا عليه".

بلادى.. بلادى

واصل الملا حكاياته: "لهذا النشيد قصة لا يعرفها الكثيرون، فحينما بدأ نجم سيد درويش يسطع أجرت له مسرح الكونكورديا ثلاث ليال، وفى الليلة الأخيرة علمت أن الأستاذ حسن حسنى كامل شقيق الزعيم الراحل مصطفى كامل موجود فى الإسكندرية فدعوته لحضور الحفل والاستمتاع بصوت الشيخ سيد، وقبل موعد رفع الستار بنحو ساعتين أخبرت سيد درويش بذلك، وكان مصطفى كامل قد توفى منذ فترة قصيرة، وذكرى كفاحه وجهاده لا تزال حية فى الأذهان، وسر سيد بهذا الخبر سرورا كبيرا، وحينما تم رفع الستار فوجئت به ينشد وسط حماسية الجماهير نشيد بلادى بلادى لأول مرة.. كيف ألفه ومتى لحنه وكيف استطاع أن يحفظه للتخت بهذه السرعة؟!.. لا أعلم.. وظلت الجماهير تستعيد النشيد وتردده معه أكثر من خمس عشر مرة، فقد كانت الجماهير تحب سيد درويش وتحس بتجاوب معه، لتعبيره عن كل ما فى صدرها، وكان هو يتبادلها هذا الحب بصورة لم أشهدها عند فنان سواه، وأذكر حينما أسس فرقته المسرحية فتح أبواب المسرح للجمهور مجانا فى ليلة الافتتاح، وكان حريصا على أن يؤلف لحنا لكل طائفة من كل طوائف الشعب حتى إنه قال لي ذات يوم (الجماعة المكوچية دول أنا ماعملتلهمش لحن.. لازم أعملهم حاجة)".

فطنة.. وذكاء

الحكاية الثالثة قال عنها الملا: "كان رحمه الله كله عيون وآذان، وكانت عيناه وأذناه تلتقط وتعى بسرعة عجيبة أشياء كثيرة قد لا يراها أحد من الحاضرين سواه، وأذكر أننى ذهبت معه لإحياء حفل زفاف، فلاحظ أن العروس كانت جميلة وحبيبة وترتدى ملابس محتشمة، بينما أمها مسرفة فى زينتها، ولم نفطن نحن إليه إلا حينما بدأ الحفل وغنى أغنية جديدة ألفها ولحنها وقال فى مطلعها ..

"أها أها.. يا أها

الأم بتغير من بنتها

البنت حلوة بتتختشى

والام لابسة الشفتشى

أها أها.. يا أها

فكان سيد قطعة حية من الموسيقى تمشى وتتحرك وتصنع كل شيء موسيقى"

كدت أسلم

واصل الملا حكاياته عن فنان الشعب: "ما قيل من أنه كان ينوى تلحين القرآن صحيح، فكثيرا ما تحدث إلىّ فى هذا الشأن، ولم يكن يرضى عن بعض المقرئين، بل كان يريد أن يقرأ كل آية قراءة ثابتة تعبر عما بها من وعد أو وعيد، من بطش واستعطاف، وغير ذلك من المعانى الكثيرة التى تناولها القرآن الكريم، بحيث يحافظ جميع المقرئين هذا الأداء الثابت لآيات القرآن، ولا يحيدون عنه فى قراءاتهم.

وأذكر أننا سهرنا معه ذات ليلة وكان معنا الدكتور على حسن والمهندس محمد عرقى والسيدان إبراهيم شوقى وعبدالمجيد حسين فى حديقة بكوم الدكة، وأصر ليلتها على ألا يغنى كما كان يصنع فى معظم الليالى التى نتجمع فيها معه، وما لبث أن بدأ فى قراءة القرآن ترتيلا عجيبا معبرا لم أسمع مثله من قبل، وظل يرتل ما يقرب من عشر ساعات دون توقف، حتى إننى كدت أعتنق الاسلام لما شعرت به من إعجاب استولى على قلوبنا جميعا.. رحم الله صديقى سيد درويش رحمة واسعة ".

كتبها بنفسه على صفحات مجلة «الراديو» عام 1946

المطرب سيد مصطفى:

جلس فى «بوظة برابرة 3» ليالٍ ليلحن مسرحية

كانت حياة سيد درويش قصيرة، لكنه استطاع من خلالها أن يجدد فى الموسيقى العربية، فأثر فى وجدان المصريين وثقافتهم، ومن حسن الحظ أن من حوله كانوا رجالا استطاعوا أن يحفظوا موسيتاه ويتحدثوا عن حياته، ويدونوا تاريخه فى حكايات ومواقف لا تنسى، ومن بين هؤلاء الرجال كان الملحن والمطرب سيد مصطفى أحمد الفطاطرى، وشهرته سيد مصطفى.

ولد سيد مصطفى فى 9 يونيو عام 1906 بحى السيدة زينب، وبدأ مشواره الفنى كملحن عام 1927، فقد أسند إليه "على الكسار" تلحين مسرحيات لفرقته حتى بلغ عددها 27 مسرحية، ثم هجر فرقة الكسار فى أواخر الثلاثينيات مع اشتداد أزمة المسرح، واتجه للعمل بالملاهى الليلية ملحنا ومطربا، وانضم إلى فرقة "ببا عز الدين" وفرقة "حياة صبرى"، ومع افتتاح الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية عام 1934، كان أول من كون فريقا من 12 فردا لتقديم أغنيات من ألحانه وغنائه، وكان يمد الإذاعة بألحانه حتى الخمسينيات، وكان أول من قدم للإذاعة برنامج "السعد والبركة" من ألحانه وغنائه، واشترك معه فى الغناء "محمد قنديل"، وفى منتصف الستينيات تفرغ للتدريس فى معهد الموسيقى العربية حتى وفاته فى 7 يناير عام 1980.

وقد تحدث سيد مصطفى عن حياته وعن علاقته بمطرب الشعب سيد درويش على صفحات مجلة الراديو المصرى تحت عنوان "حياتي" فى عددها رقم 590 الصادر بتاريخ 6 يوليو 1946، وكان عمره وهو يكتب هذه الذكريات 58 عاما.

كان من أساطين الغناء البلدى فى ذلك العصر المرحوم "محمد الكحلاى الكبير"، وهو خال "الكحلاوى"، وكان يشتغل برادا فى العنابر بالنهار، ومغنيا بالليل، وكان مطربا عظيم الشأن، بل إنه خير من غنى الموال فى تاريخ الغناء المصرى، فكان يسهر فى الموال من الليل إلى مطلع الفجر، وكان فى ثيابه البلدية أنيقا، لطيف المعشر ظريف الحديث، ومن متابعتى له عشقت الغناء والطرب، فكنت أسمع لياليه ومواويله وأغنيها، وذات ليلة ذهبت إلى فرح فى حى عابدين، وكان بين المدعوين الأستاذ "على الكسار"، وعرفنى بعض أهل الحى، فسألونى أن أغنى فغنيت وانسجم الكسار، وأرسل لى فى اليوم التالى لكي يدعونى لموافاته بمسرحه "الماجستيك"، وكان المسرح يومئذ مؤلفا من خيمة كبيرة لكن الإقبال عليه كان عظيما، وتعاقد معى على الغناء مقابل خمسة جنيهات فى الشهر، وكان بمسرحه فى ذلك الحين مطربان هما عبدالقادر قدرى ومحمد عبدالوهاب، فانضممت إليهما وكنت ثالثهما، وكنا نغنى فى أثناء الاستراحة، وكان أشهر ما يغنيه الأستاذ عبدالوهاب فى ذلك العصر قصيدة "عذبينى فمهجتى فى يديك" من تلحين الشيخ سلامة حجازى.

وكان ملحن المسرح يومئذ هو المرحوم الشيخ "سيد درويش"، وقد لاحظ أننى أتميز بسرعة الحفظ، فكان يصحبنى فى سهراته، ويلحن ويلقننى الألحان، ثم أذهب إلى المسرح صباحا فأتولى تحفيظ الألحان لأفراد الفرقة بالنيابة عنه أثناء "البروفة"، ثم يأتى الشيخ "سيد" فى آخر البروفة، فيراجع الألحان ومن هنا توثقت صلتى بالشيخ سيد درويش وكان ذلك فى طلائع مجده الفنى فى عام الثورة عام 1919، وقد لحن قبل ذلك عدة روايات لفرقة "نجيب الريحانى" ثم اشتغل مع الكسار، وانضمت إلينا السيدة "تحية أحمد" و"حامد مرسى"، وبعد ذلك بثلاثة أشهر استقال "محمد عبدالوهاب" وانضم الأستاذان "عبدالرحمن رشدى" و"عمر وصفى".. ولحن "سيد درويش" لفرقة الكسار عدة روايات أذكر منها "راحت عليك.. بنت الحاوى .. بربرى فى الجيش.. قلت له.. وأم أربعة وأربعين والحلال".. وغيرها.

وهكذا مضينا حتى اختلف سيد درويش مع الكسار وعاد لفرقة "الريحانى"، فاستبدل الكسار به إبراهيم فوزى، ثم كامل الخلعى ثم الدكتور أحمد صبرى ثم الشيخ زكريا أحمد ثم داود حسنى.. ثم بدأت ألحن للفرقة فى سنة 1927، ومن لطيف الذكريات أن الشيخ زكريا كان يومئذ لا يزال معها، وقد كان أول عمل فنى له عند الكسار، إذ لحن رواية "دولة الحظ"، وكانت هذه أول مرة يلحن فيها، لكنها كانت عملا عظيما، ثم لحن "الساحر" و"أبوفصادة" و"الكمبورة" وغيرها، وسار من مجد إلى مجد حتى وصل إلى الأوج.

قلت إننى بدأت ألحن للفرقة فى سنة 1927 فلحنت رواية "الصلح خير" ونجحت، فمضيت فى هذا الميدان حتى أجزت نحو ثلاثين رواية منها عشرة أوبرا واستعراضات "ريفو".

ويتذكر سيد مصطفى الراحل سيد درويش قائلا: "كنا نسهر معا إلى مطلع الفجر، هو والمرحوم عزيز عيد ومحمد صالح كاتب النوتة وأنا، وكان يجالسنا حتى تبدو عليه علامات الانسجام فينحرف عن المجلس قليلا ويأخذ العود ويخرج أوراقه ويستغرق فى تأملاته وأحلامه وإلهامه ساعة أو نحو الساعة، ثم يعود فيسمعنى اللحن كاملا غير منقوص كأنه انتهى منه منذ عام، وكان يتتبع مصادر الإيحاء تتبعا عجيبا، وأذكر مرة أنه تتبع بائع سيبيرتو على عربة يد نحو ساعتين ليتشرب بتلك الروح التى يردد بها نداءاته وذلك ليستعين بهذه النداءات الملحنة فى إحدى الروايات.

وأذكر أيضا أنه أخذنى ثلاث ليال متوالية قضيناها فى "بوظة برابرة" ليهيئ نفسه لألحان رواية "بربرى فى الجيش".

ويقول سيد مصطفى: "لقد اشتركت مع الشيخ سيد درويش فى كثير من الاسطوانات، وكان اشتراكى فيها تارة معه شخصيا وتارة مع ألحانه، فقد عبأت معه عدة ثنائيات (روايات) كنت أؤدى معه فيها صوت الفتاة، ومنها (أديك أهو قلتها يا أبو زقزوق.. يا هادى يا هادى.. وهيعص يا سى كشكش بين البنات)، وعبأت منفردا من ألحانه اسطوانات (يا ناعم يا تفاح يا حاجة حلوة كويسة.. والجارسونات)".

أجمل جلساته كانت مع المجاذيب

بديع خيرى يكتب: يتحمل الجوع ولا يرخص كرامة فنه

كان يطلب منا الصمت وإطفاء النور عندما يغنى فى جلساتنا الخاصة

جمعت بديع خيري مع سيد درويش صداقة قوية، فهو من استقبل الأخير فى القاهرة، ولقاؤهما كان بالصدفة، حيث جاء سيد درويش إلى القاهرة وتعرف على بديع خيري وقال: "لقد لحنت لك لحنا قبل ما أشوفك"، وتعرف عليه وبدأت الصداقة تتوطد بينهما، وقال له بديع: "لا بد أن تكون بجانبي"، وأسكنه بالمنطقة التى يعيش فيها، وهي جزيرة بدران بروض الفرج، واختارا تلك المنطقة تحديدا لأنها كانت تجمع العديد من الفنانين.

كان بديع خيري يؤلف المسرحية، وسيد درويش يلحن أغنياتها فى الصباح، وفى الليل يغنى الأغنية، ومن جمال اللحن كان ينتشر انتشارات كبيرا فى ربوع مصر.

ظلت هذه الصداقة ممتدة، حتى رحيل سيد درويش، لكن بديع خيري ظل على الرغم من ذلك الصديق الوفي، والدليل على ذلك مقال نادر عمره 79 عاما كتبه بديع عن الشيخ سيد درويش، قال فيه: "دارت الأيام يا شيخ سيد وعشنا مع أطيافك اللي بتبعتها تزورنا، انت ما غبتش ولا فارقت دورنا، لك تاريخ زاخر بأحزاننا وسرورنا".. بهذه الكلمات كتب المبدع الفنان "بديع خيري" على صفحات مجلة "الراديو" فى عددها رقم (653) بتاريخ 20 سبتمبر 1947 مقالا بالعامية عنوانه: "ذكريات مع سيد درويش"..

سيد درويش الحديث عن سحر موسيقاه، عن سمو عاطفته، عن قوة ألحانه، عن دقة تصويره، كل ما يطول بي الشرح إذا حاولت أنى أستوفاها، ففى اعتقادي أن علماء النغم وأساطين الألحان هم اللي أولى منى بتحليل محاسنها وتسجيل مزاياها..

نصيبى الليلة من ذكرى زميلي الراحل هو سرد بعض الطرائف عن نواحيه الشخصية، بحيث أقصد على قدر الإمكان إنى أرسم للمجتمع صورة تقريبية لسيد درويش على ضوء حوادث واقعية رأيتها بنفسي، ومن واجبي للذكرى وللتاريخ أن أكشفها بوضوح.

التواضع - أو بمعنى أوضح إنكار الذات - كان من أبرز مميزات سيد، ويكفى أن أستدل على ذلك بشيء واحد من أشياء كثيرة؛ الكارت المطبوع بتاعه عاش قد ما عاش واشتهر قد ما اشتهر ولا اتغير شيء عن سيد درويش وتحته "خادم الموسيقى"، ولا يزال إخوانه المعاصرون اللي محتفظين بآثاره يقروننى على صحة قولي، وأظن زهده عن الألفاظ البراقة اللي كان فى إمكانه يسندها لشخصه واللي كان من حقه يتصف بها عن جدارة وعن غير ادعاء ده فيه الدليل الكافى على مبلغ مواراة سيد درويش لعبقريته.. على أنى لازم أفرق بين إنكار النفس فى التواضع المدهش ده وبين عزة النفس إلى أقصى الحدود إذا كان الموقف يمس ناحية من نواحي فنه.. متسامح فى شئونه الشخصية، إنما فى شئون موسيقاه ما كانش ممكن يتراجع أو ينحنى حتى أمام الاحتياج الشديد، والاحتياج ما تخلاش منه حياة الفنان، خصوصا إذا كان من نوع سيد درويش اللي عاش يفكر في يومه وبس ولا يدخر شيئا لبكرة، لا كتير ولا قليل، ولا بأس من ذكر حكاية واقعية تبين قد إيه كان اعتزازه بكرامة فنه، بحيث أنه يتحمل الجوع عن كونه يُبخس مقدار عمله.

على ما أذكر مرت علينا فترة من الضيق ما أكونشى مبالغ إذا قلت إن ورقة بخمسة جنيهات وقتها تهز قلوبنا إحنا الاتنين من الفرح وتفك أزمتنا، وما اكونش مبالغ كمان إذا قلت إن قبل كده بكام يوم كل واحد منا ما كانشى يقل فى جيبه عن 100 جنيه أو أكثر، لكن بقى الشباب واللهو والمجاملات ما علينا.. خطرت لنا فكرة؛ لنا صديق أرمنى وفى الوقت نفسه مهندس صوت، يعني ساعة ما يحب يسجل أي أغنية اشتراها يقدر يملاها فى التو والساعة، وده شيء ما كانشى متيسر لغيره من شركات الأسطوانات لأن دول لهم ميعاد مخصوص يجيهم مهندس صوت من أوربا يباشر العمل ويسافر، وده السر فى أننا ما قصدناش الشركات دى اللي بتقبض لما ييجى الميعاد، بخلاف صاحبنا اللي يقبض فورى فى الحال، وفورى فى الحال هو المهم عندنا.. اتفقنا أنا وسيد ننفرد بروحنا أكتب أنا كام قطعة "قوام" وهو أول بأول يلحن ونوريهم لأخينا بضاعة جديدة نتحصل منها على اللي نقدر عليه.. وبالفعل قصدنا المحل واتكلمنا ويا الخواجة فى الموضوع برضه بمنتهى عزة النفس وبهجة اللي فى جيبهم عشرات وميات، لكن كان طبيعى تاجر زي ده فى السوق ما تفوتوش الطايرة.. أدرك الراجل اللي كان معتاد أنه لما يعوز منا شغلانة يبعت ورايا مرة واتنين إننا علشان نيجي برجلينا النوبة دى ونعرض إحنا الشغل، لازم تكون الحالة فيها ما فيها، باختصار انتهز الفرص وكسر مقاديفنا، وآخر ما عرض علينا مبلغ هو نص المعتاد تقريبا، إنما أنا فى الوقت ده لقيت اللي نطوله مهما كان قليل عال العال (وعصفور فى اليد ولا عشرة فوق الشجرة).. واجتهدت فى إنهاء المسألة بأى شكل، إنما الشيخ سيد اللي كان ساكت طول المدة وسايبنى أرغى غضبان وشدنى على غفلة وقطع بمنتهى العصبية أوراق الزجل على أوراق النوتة، وصرخ فى الخواجة: "اسمع وافهمنى طيب.. أنا اتعودت الجوع كتير لكن ما اتعودش مرة فى حياتى أرخص كرامة فنى"، وخدنى وقتها على صديق له كان متعهد عمومى لورق اللوترية، استلفنا منه ما تيسر.. ولا أظن أننى فى حاجة للتعليق بأكثر من اللي سمعتوه عن كرامة الفنان وعزة نفس الفنان". 

كان من غرائب الشيخ سيد أنه قبل ما يلحن شيئا لازم يعيش فيه جوه بين أهله وأربابه، ويحاول أن يشعر بشعورهم ويستمد من طبيعتهم صورة طبق الأصل يزخرفها هو كده بفنه وبالطابع الموسيقى المناسب.. أذكر مرة أننى قدمت له زجلا كان فى الرواية الاستعراضية اللي اسمها "قولوا له" علشان يلحنه.. كان الزجل يتضمن شكوى من طائفة السقايين اللي بيملوا بالقربة على ظهورهم واللي بدأوا يتلاشوا قدام تعميم حنيفيات المية فى البيوت وتهديد مهنتهم بالزوال، كان مطلع الزجل "يعوض الله يهون الله ع السقايين.. دول كفرانين متعفرتين م الكوبانية"، كل من سمع اللحن ده لا يزال يذكر أنه من إبداع ألحان سيد درويش، ولا أنسى أنه خدنى ثلاثة أيام ورا بعض بدري من الفجر على حته فيها حنفية عمومية فى جهة اسمها على ما أذكر حيضان الموصلى ناحية الأزهر بيملوا منها السقايين جماعات جماعات، واجتهد يجر حديثهم ويصاحب وياهم ويسمع مناداتهم بحيث لو أن واحد منهم كان مهتم بالتلحين وأسند إليه تصوير القطعة دى ما كانشى عملها غير كده، ولحن المراكبية ده راخر كان يقصد له إمبابه مخصوص وينزل فى شلة ريس منهم اسمه "محمد أبو عجينة" وعشرات من الحوادث.. اللي زي دى فى قطع مختلفة من ألحانه، وأشوف إن تكرارها مالوش لزوم ما دامت متشابهة.. غاية ما هناك أن نفس الأوزان اللي كان يسمعها من نداءات البياعين مثلا أو تعابير أولاد الكار، زي لحن الشيالين اللي أوله "شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك" كان يطلب متى وضع الأزجال فى أوزان متقاربة من الأصل.. وده زيادة فى دقة المطابقة.. مثلا، "على مال مكة على مال جدة مال المدينة ده شغل الحجاز"، ده كان نداء سمعته من واحد بتاع بلح مكيوس من نوع العجوة.. إيه رأيكم طلب نفس الوزن ده منى واتلحن.. "مليحة قوى القلل القناوى"، وأبدع فى تلحينه كل الإبداع.. ومن القبيل ده كنا فى طنطا نوبة وسمع العيال فى الشارع بيهللوا (الساح يا بتاح يا خروف نطاح)، قام الشيخ "سيد" من وسطنا وكنا سبعة ثمانية، وفاتنا ومشى ورا الأولاد موجه ودانه بكل اهتمام مسافة طويلة، ورجع تاني يطلب متى وضع ختام ستار الفصل الأول من استعراضية "ولو" اللي كان مطلعه "يا ابو الكشاكش كان جرى لك إيه يا هل ترى؟"، وده نهج فى الموسيقى قلما الإنسان يتخيله، سهل قد ما هو فى منتهى الصعوبة، وأحيانا كان الشيخ سيد يترنم في وحدته أنغام معينة يستوحيها فى أوقات ما أكونشى أنا وياه فيها، كان يضع لها ألفاظا لمجرد ضبط المقاييس ويقابلنى بعد كده يطلب متى صب الزجل فى نفس التفاعيل، وعادة كانت الألفاظ اللي يضعها ما فيهاش أي اتصال بمعنى أو بسياق أو غيره.. مثلا: "يا أخينا يا اللي ماشي تعال هنهوه.. تعالالى لما أقول لك واسمع هتهوه.. أنا مالى ومالكم حد الله.. ما بينى وبينكم يا هوه". 

أما وطنية سيد درويش فده شيء يعبر عن نفسه بنفسه في قوة ألحانه، فى حماسة تعبيره، فى إثارة النفوس، وأمامنا من مخلدات سيد درويش من النوع ده "إحتا الجنود - يا مصر يحميكى لأهلك - مصرنا وطتنا - فوق يا مصر فوق دايما بتناديتها.. وغيرها كتير".

وأذكر فى المجال ده أننا فى الثورة المصرية سنة 1919 كنا سوا فى اجتماع وطنى انعقد فى الجامع الأزهر وخرجنا من هناك ركبنا عربية حنطور، وقف الشيخ سيد فيها ينشد بنفسه طول الطريق لحنه "قوم يا مصري" على أسماع المارة اللي تبعونا، وهم يرددون بحتاجرهم القوية كلامه كلمة كلمة وسطرا سطرا، وازداد عدد المتجمهرين لما بقت مظاهرة طويلة عريضة تعرضنا فيها للمدافع الإنجليزية الرشاشة قدام المنعطف بتاع ترومواى الخليج، وانكسرت العربية اللي كان فيها الشيخ سيد من شدة التلاحم والتزاحم، وشاف انه لازم يعوض العربجى المسكين، طلع اللي كان فى جيبه كله وأداه له كبشة واحدة، وعرفت بعدين ان المبلغ 12 جنيها وكسور هي أول وآخر ما كان يمتلكه يومها.

أما عن تدين سيد درويش فيكفى أن أذكر أنه كان يستحيل يمر أسبوع ما يزورشي فيه ضريح من أضرحة أولياء الله، وعلى الأخص سيدنا الحسين والتهاوى المتواضعة اللي عند الباب الأخضر، كأنها كانت تعرفه حق المعرفة، وألذ جلساته كانت ويا الجماعة اللي بيسموهم المجاذيب يعشوه ويعشيهم ويقضوا سوا جاتيا كبيرا من الليل، وكان له بينهم صديق عزيز جدا.. هدومه مرقعة وحافى ومربى ذقنه اسمه المريسى، كان يسميه الشيخ سيد "الفيلسوف المخفى"، ويحترمه أشد الاحترام.. ويهمنى أن أسجل فى معرض تدينه أنه على قد انهماكه فى ألحان المسرح والتخت، وعلى قد ما بلغ فيهم مكسبه، كان جنب كده ما ينقطعش أبدا عن تقديم التواشيح النبوية إلى زملائه القدامى من المقرئين، ويرفض على الدوام أن يقبل أجرا على تلحين شيء يختص بالدين، ويعتبر التطوع ده تقربا منه إلى الله، والشهود على كده كتير فيهم الأحياء وفيهم الأموات، وبلغ من تفانى الشيخ سيد فى خدمة القرآن الكريم أنه شرع فى وضع تجويد فنى مربوط بقاعدة موسيقية مع مطابقته لأحكام الإلقاء الشرعى والتجويد الصحيح، بحكم أنه كان مقرئا فى مستهل حياته، وأسمعنى بالذات بعض السور آية فى الروعة والخشوع.

ناحية من نواحى سيد درويش كانت تدهشنى جدا.. قليل إذا حفظ بالضبط لحنا يكون لحنه سريع النسيان.. وكان يصادف أنه كان يتم تلحين القطعة وينتظر لها ويرجع يحاول أن يتذكر أولها علشان تسجل بالنوتة فينسى، ومن كده كان يصطحب وياه بعض أشخاص من فرقة الملاحتين كل شغلتهم يلازموه، واللي يتفنى به وهو بيلحن يحفظوه عنه أولا بأول، منهم محمد شلبى وفهمى أمان وعبدالعزيز بشندى ومحمد الهواش.. ودول هم اللي قبل ما يبدأوا البروفة فى المسرح يسمعوه اللحن كده يستعيده بعض الإضافات ولو غاب اللي حافظ منهم تبقى عطلة وشكلة..

ويحضرنى فى المناسبة دى أنه مرة كان فى شركة تسجيل الأسطوانات ومطلوب منه يومها تسجيل عشر قطع، واللي كان مستعد له أربع فقط.. شيع فى الحال يدوروا له على سنيده القديم من أول نشأته فى الإسكندرية الشيخ محمود مرسى، اللي بتسمعوه أحيانا فى الإذاعة، وبالفعل حضر وقعد يذكر الشيخ سيد بقطع كتيرة كان ناسيها هو من ألحانه السابقة، وبالشكل ده تمم الشغلانة على ما يرام وأكتر، ونسيان سيد درويش مش كان بس في ألحانه، كان حتى فى أهم مناسبات حياته.. تصوروا أنه ليلة كتب كتابه على زوجته الثانية والدة الأستاذ حسن درويش ابنه الأصغر كان المأذون منتظرا فى البيت والناس مجتمعين حواليه والأهل والقرايب وهو معانا فى بيت صديق طلياتي اسمه "امبرتو أمبيه"، مندمج فى ترديد حتة جديدة بيلحنها وذاهل وناسى خالص ميعاد كتب كتابه، والمراسيل بتدور عليه من هنا ومن هناك؟! .. وفين وفين لما خطر على باله فجأة أن الليلة عقد زواجه وقام بعد تأخير طويل وهو ببكى من كسوفه للموقف الشاذ ده، ووصلناه احنا وقعدنا نعتذر بحادث وهمى اخترعناه كدب فى كدب علشان نبرر موقفه، تصادم وجه سليم ورحنا مع السواق على القسم وأبصر ايه، وفات الموقف بين اللي صدق واللي ما صدقش.

كان سيد درويش إذا غنى يغنى أولا علشان يطرب روحه، وفى الوقت اللي هو مختاره مش اللي يطلبه غيره مهما كان غنيا أو عظيما.. كان عتيدا فى الرفض إذا كان ما لوش مزاج، وفى جلساتنا الخاصة كان إذا حب يغنى لازم نطفى النور ونسكت كلنا ما نبديش أي استحسان للنهاية، واللحن اللي يعجبه هو اللي يغتيه مش اللي يتطلب منه، وده كلفه ثمنا غاليا من أعصابه.. فى ليلة ما أنساهاش أبدا كان لنا صديق فى القللى حب يجوز ابنه واستشار الشيخ سيد فى المطرب اللي يحيى الحفلة، واعتقد الشيخ سيد أن التلميح ده معناه طلبه بالذات، وبالفعل حقق رجاه ووعده بأنه هيكون بنفسه مطرب الحفلة ويتبرع من باب المجاملة طبعا، وجينا وياه ليلة الفرح شلة من أصحابه، والمعازيم كانوا أغلبيتهم من سواد الشعب زمايل العريس وأبو العريس، وعلى فكرة كان صاحب الفرح معلم بيدير مخبز، ابتدا الشيخ سيد يغنى بإرادته هو ونقى زي عوايده الدور اللي يعجبه هو، وكان ملاحظ مع الأسف أن السميعة فى شيء من الاستغراب والملل، وطبعا قطعة "أنا لا ألام" اللي غناها كلها محسنات فنية مرتبطة بأوضاع دقيقة فى صميم الأصول الموسيقية، اللي يحسها عالم بالأصوات مثلا عازف ممتاز، إنما مجرد سميعة من أوساط الطقاطيق شيء ما يقدروش يدركوا سره.. انتهت الوصلة بفتور ونزل الشيخ سيد من التخت وهو دموعه مبللة وشه للفشل المؤلم ده، واحنا حواليه نخفف عنه ونؤكد له أنه متوهم وأن الناس كانت مبسوطة قوى.

شهادات شخصية عن سيد درويش

«فنان الشعب» فى عيون معاصريه

قصة اللقاء الأول مع زكريا أحمد.. وذكريات المسرح الغنائى مع "على الكسار"

حفيدة حامد مرسى: «زورونى كل سنة مرة» أول تعاون بين جدى وسيد درويش

موسيقى سيد درويش شكلت حالة فنية خاصة جدا لم يستطع الزمان أن ينساها، على الرغم من وفاته فى ريعان شبابه قبل إكمال 32 عاما.

لقب "فنان الشعب" حمله "سيد درويش" بعدما ذاع صيته بين الناس كواحد من المعبرين الحقيقيين عن همومهم، ويمكن القول إنه نسج ثوب فنه من خيوط البسطاء، غير أنه جاء كذلك من وسطهم، وكان فقيرا مثلهم..

وعلاقة سيد درويش بنجوم الفن والموسيقى فى عصره كانت وطيدة، حيث

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيد
منيب

المزيد من فن

الأسد الذهبى ل «كلونى » و «بورستين».. وفلسطين فى مقدمة الأفلام العربية

تواصل الدورة الـ 83 من مهرجان فينيسيا السينمائى الدولي فرض حضورها باعتبارها واحدة من أهم محطات موسم الجوائز السينمائى فى...

«سيد درويش».. أسطورة عابرة للزمن

جاء من وسط الطبقات الكادحة، وسخر الموسيقى للتعبير عن معاناتها؛ حتى صار صوتها في كل شيء من متاعب الحياة إلى...

موسم عودة الكبار إلى «السينما»

أفلام جديدة لفنانين غابوا عن الفن السابع سنوات طويلة «إلهام شاهين» تجمع بين الشعوذة والرومانسية.. و «هانى سلامة» يعود ب...

ياسمين عبد العزيز تغيب عن رمضان 2027

تغيب الفنانة ياسمين عبد العزيز عن المنافسة في الموسم الرمضاني المقبل 2027، وذلك بسبب انشغالها بالمشروع سينمائي جديد تخوض تحضيراته...