The Odyssey .. كريستوفر نولان يحول الانتصار إلى رحلة ندم

فيلم ملحمى مهيب بصرياً وشديد الطموح الوحوش ليست مجرد مخلوقات خرافية بل تجسد المخاوف التى تطارد الإنسان

 

ليست كل الحكايات سواء. فهناك قصص تروي ثم تنسى، وأخرى تعبر القرون لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية نفسها. ومن بين هذه الحكايات تقف «الأوديسة» لهوميروس، بوصفها واحدة من أعظم الملاحم التي أنتجها الخيال البشري، نصاً أدبياً تجاوز حدود الزمن والجغرافيا، ليصبحمادة للدراسة والبحث والتأويل عبر آلاف السنين..

ما يزيد هذا الإرث رهبة أن الأوديسة لم تكن يوماً مجرد حكاية للتسلية، بل نصاً تأسيسياً ما زال يدرس في الجامعات بوصفه حجرا من أحجار الثقافة الغربية والإنسانية وأذكر أننى درست هذه الملحمة على يد الدكتورة لطيفة الزيات أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، تلك الناقدة والمفكرة الكبيرة التي علمتنا أن قراءة هوميروس ليست عودة إلى الماضي بل حوار دائم مع أسئلة الإنسان الكبرى الحرب والمنفى، والحنين، والسلطة، والزمن ومعنى أن يعود المرء إلى وطن لم يعد هو ذاته فيه كما كان لم تقدمها لنا باعتبارها مجرد قصة عن بطل يعود إلى وطنه بعد الحرب، بل باعتبارها نصاً إنسانياً مفتوحاً على أسئلة الوجود والهوية والحنين والحب والإخلاص والانتماء وحتى الخسارة.

ومنذ ذلك الحين أدركت لماذا ما زالت هذه الملحمة تدرس في الجامعات حول العالم، ولماذا لا يزال الباحثون والنقاد يعودون إليها جيلا بعد جيل بحثاً عن معان جديدة فالأوديسة ليست مجرد رحلة بحرية يخوضها أوديسيوس بعد حرب طروادة، بل هي رحلة الإنسان نفسه في مواجهة المجهول. إنها قصة الشوق إلى الوطن والصراع مع القدر، واختبار الإرادة أمام الإغراءات والمخاوف والعزلة. ولهذا ظلت حاضرة في الأدب والفلسفة والمسرح والفنون التشكيلية والسينما، وأصبحت أحد النصوص المؤسسة للثقافة الغربية، شأن الملاحم الكبرى التي شكلت الوعي الإنساني عبر العصور

من هنا تبدو مهمة كريستوفر نولان في فيلم The Odyssey أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى. فيلمه لا يقترب من مادة خام مجهولة، بل من إرث ثقافي وإنساني هائل حمله ملايين القراء والدارسين في ذاكرتهم، وأعادت أجيال متعاقبة من الكتاب والفنانين تفسيره بطرق لا حصر لها. لذلك فإن التحدى الحقيقى أمام الفيلم لا يكمن في إعادة تصوير المغامرات والأساطير بل في قدرته على الوصول إلى ذلك الإنسان المختبئ داخل النص الإنسان الذي جعل من الأوديسة عملاً حيا بعد ما يقرب من ثلاثة آلاف عام على كتابته.

ما يزيد هذا الإرث رهبة أن الأوديسة لم تكن يوما مجرد حكاية للتسلية، بل نصا تأسيسياً ما زال يدرس في الجامعات بوصفه حجراً من أحجار الثقافة الغربية والإنسانية. وأذكر أننى درست هذه الملحمة على يد الدكتورة لطيفة الزيات، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، تلك الناقدة والمفكرة الكبيرة التي علمتنا أن قراءة هوميروس ليست عودة إلى الماضى، بل حوار دائم مع أسئلة الإنسان الكبرى الحرب والمنفى والحنين، والسلطة، والزمن ومعنى أن يعود المرء إلى وطن لم يعد هو ذاته فيه كما كان لم تقدمها لنا باعتبارها مجرد قصة عن بطل يعود إلى وطنه بعد الحرب، بل باعتبارها نصا إنسانياً مفتوحاً على أسئلة الوجود والهوية والحنين والحب والإخلاص والانتماء وحتى الخسارة.

ومنذ ذلك الحين أدركت لماذا ما زالت هذه الملحمة تدرس في الجامعات حول العالم، ولماذا لا يزال الباحثون والنقاد يعودون إليها جيلا بعد جيل بحثاً عن معان جديدة. فالأوديسة ليست مجرد رحلة بحرية يخوضها أوديسيوس بعد حرب طروادة، بل هي رحلة الإنسان نفسه في مواجهة المجهول. إنها قصة الشوق إلى الوطن والصراع مع القدر، واختبار الإرادة أمام الإغراءات والمخاوف والعزلة. ولهذا ظلت حاضرة في الأدب والفلسفة والمسرح والفنون التشكيلية والسينما، وأصبحت أحد النصوص المؤسسة للثقافة الغربية، شأن الملاحم الكبرى التي شكلت الوعى الإنساني عبر العصور.

من هنا تبدو مهمة كريستوفر نولان في فيلم The Odyssey أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى.

فيلمه لا يقترب من مادة خام مجهولة، بل من إرث ثقافي وإنساني هائل حمله ملايين القراء والدارسين في ذاكرتهم، وأعادت أجيال متعاقبة من الكتاب والفنانين تفسيره بطرق لا حصر لها. لذلك فإن التحدى الحقيقى أمام الفيلم لا يكمن في إعادة تصوير المغامرات والأساطير بل في قدرته على الوصول إلى ذلك الإنسان المختبئ داخل النص الإنسان الذي جعل من الأوديسة عملاً حيا بعد ما يقرب من ثلاثة آلاف عام على كتابته.

يعرف نولان كيف يصنع حدثاً سينمائيا، لكنه في The Odyssey لا يكتفى بصناعة حدث، بل يحاول إعادة كتابة واحدة من أقدم الحكايات التي عرفتها البشرية والنتيجة فيلم ملحمى مهيب بصريا، شدید الطموح، لكنه ليس خالياً من التناقضات.

منذ اللقطة الأولى، يفرض نولان أسلوبه المعتاد لا يقدم الأوديسة باعتبارها مغامرة أسطورية فحسب بل رحلة نفسية لرجل خرج من الحرب

ولم يعد قادراً على العودة إلى نفسه أوديسيوس الذي يجسده مات ديمون ليس البطل الذي يهزم الوحوش، بل إنسان أثقلته الخسارات، وكل جزيرة يرسو عليها تبدو امتحاناً لروحه، أكثر منها محطة في رحلة بحرية.

ومن أكثر الجوانب التي يمنحها نولان أهمية في شخصية أوديسيوس، شعوره العميق بالندم. فالبطل الذي خرج من حرب طروادة منتصراً، لا يعود إلى وطنه بوصفه محارباً ظفر بكل شيء، وإنما كرجل يحمل على كتفيه ثقل ما حدث. فحيلة حصان طروادة، التي كانت في الأسطورة واحدة من أعظم انتصاراته ودهائه العسكري تتحول عند نولان إلى مصدر للذنب؛ إذ يدرك أوديسيوس أن الانتصار الذي صنعه كان له ثمن إنساني هائل.

ولا يتوقف هذا الشعور عند ما فعله في طروادة بل يمتد إلى فقدان رجاله واحداً تلو الآخر، بينما ظل هو حيا ليعود إلى إيثاكا. وهكذا تصبح الرحلة أكثر من محاولة عودة إلى زوجته بينيلوبي وابنه تيليماخوس؛ إنها مواجهة مستمرة مع ذكرياته وأخطائه، والخسائر التي لم يستطع أن يتركها خلفه وهنا يعيد نولان تعريف معنى العودة».

فأوديسيوس لا يبحث فقط عن وطن غاب عنه سنوات طويلة، وإنما عن الرجل الذي كانه قبل الحرب، وعن إمكانية أن يتصالح مع نفسه بعد كل ما ارتكبه و شهده. لذلك، إيناكا ليست مجرد مكان يصل إليه البطل بل اختبارا أخيرا: هل يستطيع الإنسان أن ينتصر في الحرب، ثم يجد السلام بعد أن يكتشف الثمن الحقيقي لانتصاره؟

بهذا المعنى، تتحول رحلة أوديسيوس من ملحمة عن العودة إلى الوطن إلى رحلة عن الذنب والندم ومحاولة التكفير فالمسافة التي يقطعها عبر البحر لیست مجرد مسافة جغرافية بل طريق طويل المواجهة ما تركته الحرب في داخله، وإذا كان أوديسيوس عند هوميروس يريد أن يعود إلى إيثاكا، فإنه عند نولان يريد قبل كل شيء، أن يستعيد ذاته التي فقدها في الطريق.

من المعروف أن كريستوفر نولان من أكثر المخرجين تمسكا بتقنية IMAX، لأنه يؤمن بأنها تمنح المشاهد تجربة أقرب إلى الواقع، وتسمح بعرض تفاصيل لا تستطيع الكاميرات التقليدية النقاطها بالوضوحنفسه، وفي The Odyssey استغل هذه التقنية إلى أقصى حد خاصة في مشاهد البحر والعواصف والمناظر الطبيعية، حيث تبدو الصورة أكثر اتساعاً وعمقاً، ويشعر المشاهد وكأنه جزء من الرحلة لا مجرد متفرج عليها. ولهذا يوصى كثيرون بمشاهدة الفيلم في قاعات IMAX لأن جزءاً كبيراً من متعته يعتمد على ضخامة الصورة وقوة التجربة البصرية التي أراد نولان أن يعيشها الجمهور كما يقدم لودفيج جورانسون واحدة من أكثر موسيقاه نضجاً، إذ لا تكتفى الموسيقى بمرافقة الأحداث، بل تتحول . إلى لغة موازية تعبر عن الخوف والحنين والعزلة. فتزيد الإحساس بأن الصراع الداخلي لا يقل خطورة عن الرحلة عبر البحر.

لكن نولان يقع في المشكلة ذاتها التي لاحقته في عدد من أفلامه السابقة، فهو يثق في عقل المشاهد أكثر من قلبه، لذلك تبدو بعض الشخصيات، رغم أهميتها أقل تطوراً مما تستحق. فبينيلوبي، التي تمثل قلب الأوديسة، لا تحظى دائماً بالمساحة الدرامية الكافية. كما أن بعض الشخصيات الأسطورية تمر سريعاً، وكان الفيلم يخشى التوقف طويلا مع الجانب الإنساني لصالح استمرار الإيقاع الملحمى.

أما الحوار ففي بعض مشاهده يبدو أقرب إلى الخطب الفلسفية منه إلى الحديث الطبيعي صحيحأنه يحمل أفكاراً عميقة عن الزمن والسلطة والهوية لكنه أحيانا يبطئ الإيقاع ويخلق مسافة بين المشاهد والشخصيات، وهو ما جعل بعض النقاد يرون أن الفيلم أكثر إثارة للإعجاب من كونه مؤثراً عاطفياً.

رغم التزام نولان بالخطوط العريضة الملحمة هوميروس، فإنه لم يكتف ينقلها إلى الشاشة كما هي بل أضفى عليها رؤيته الخاصة وأضاف إليها أبعاداً جديدة. فقد منح بعض الشخصيات مساحة أكبر مما ورد في النص الأصلي، وأعاد ترتيب بعض الأحداث لتخدم الإيقاع الدرامي، كما ركز على الآثار النفسية للحرب ورحلة العودة أكثر من تركيزه على الجانب الأسطورى وحده وفى رؤية نولان، لا تبدو الوحوش مجرد مخلوقات خرافية بل تجسد المخاوف التي تطارد الإنسان، ولا يصبح البحر مجرد طريق إلى الوطن بل اختبارا للصبر والإرادة، بينما تتحول العودة نفسها إلى مواجهة مؤلمة مع وطن تغير ورجل لم يعد هو الشخص الذي غادر قبل عشرين عاما، وبهذه الإضافات لا يقدم نولان «الأوديسة» كحكاية قديمة، بل كقصة إنسانية لا تزال أسئلتها صالحة لكل زمان.

لا يمكن اعتبار The Odyssey أفضل أفلام كريستوفر نولان، لكنه بالتأكيد واحد من أكثرها جرأة وطموحاً. إنه فيلم يدهش العين باستمرار، ويثير العقل بلا توقف، لكنه لا يلامس القلب بالقوة نفسها. ومع ذلك. يبقى تجربة سينمائية استثنائية تؤكد أن نولان لا يزال من القلائل القادرين على تحويل الأساطير القديمة إلى أفلام يشعر معها المشاهد بأنه يعيش الحدث، لا يشاهده فقط.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

«الأوديسة».. كريستوفر نولان يبحر نحو أعظم ملحمة فى التاريخ

المزيد من فن

فرايدى.. ومتعة الميوزك هول

مشاهد بصرية ثرية متقنة الصنع وغناء تم تسجيله مسبقاً

كمال الشناوى.. فنان التمثيل الهادئ معشوق الجميلات

في فيلم أمير الانتقام، ظهر كمال الشناوى مع أنور وجدى ومحمود المليجي وفريد شوقى ومديحة يسرى وسامية جمال، وكان عمره...

The Odyssey .. كريستوفر نولان يحول الانتصار إلى رحلة ندم

فيلم ملحمى مهيب بصرياً وشديد الطموح الوحوش ليست مجرد مخلوقات خرافية بل تجسد المخاوف التى تطارد الإنسان

Sword Art Online: Ordinal Scale أكشن وخيال علمى مبهر

حول لعبة «المقياس الترتيبى»، التى تعمل من خلال دمج عناصر لعب الأدوار والوحوش فى العالم الواقعى، مضافة طبقة من الخيال...