صنع تجربة متفردة مزجت بين الحداثة والهوية المصرية لقاؤه بنجيب محفوظ غير عقيدته الموسيقية
حالة خاصة جدا".. هذه الجملة تنطبق على الموسيقار الكبير هاني شنودة، الذي رحل عن دنيانا منذ أيام قليلة، فإبداعاته الموسيقية ليست مجرد ألحان أو نغمات.
لكنها نابعة من قلب محب للفن وفي الوقت نفسه عاشق لوطنه، مثقف صدحت موسيقاه في المحافل الفنية العالمية.
برحيل هانی شنودة تطوى الموسيقى العربية صفحة من صفحاتها الأكثر تأثيرًا وإشراقا، بعدما ترك إرثا فنيا استثنائيا أسهم في إعادة تشكيل ملامح الأغنية المصرية والعربية بعدما ارتبط اسمه بتجارب موسيقية رائدة، وأعمال خالدة لا تزال حاضرة في وجدان أجيال متعاقبة بفضل رؤيته المتجددة وإبداعه في التلحين والتوزيع الموسيقى.
يعد هاني شنودة أحد أبرز رواد الموسيقى الحديثة في مصر والعالم العربي أصحاب الخلطة الموسيقية المختلفة، إذ تعاون مع نخبة من كبار نجوم الغناء، وأسهم في اكتشاف ودعم مواهب عديدة أصبحت لاحقا من أبرز الأسماء على الساحة الفنية، ليترك بصمة لا تمحى في تاريخ الموسيقى العربية، وتبقى أعماله شاهدة على مسيرة إبداعية استثنائية ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة.
هانی شنودة من أبرز المجددين في تاريخ الموسيقى المصرية، إذ نجح في بناء تجربة فنية متفردة مزجت بين الحداثة والهوية المصرية الأصيلة، فاستوعب ملامحالموسيقى الغربية وأعاد توظيفها داخل الأغنية المصرية بروح محلية خالصة لتخرج أعماله قريبة من وجدان الجمهور، تحمل طابعا عصريا دون أن تفقد أصالتها.
حالة خاصة
ربما جاء صدفة أن يحمل مسلسل "حالة خاصة" هذا العنوان، وفى الوقت نفسه اعتمد هذا المسلسل الذي أذيع على إحدى المنصات والقنوات الفضائية منذ عامين، وكان من بطولة غادة عادل وطه دسوقى وأحمد طارق، وتأليف مهاب طارق وإخراج عبد العزيز النجار على الموسيقى التصويرية لشنودة بالإضافة إلى موسيقى 4 أغنيات الفرقة المصريين ليسجل العمل عودة الموسيقار الكبير الوضع الموسيقى التصويرية للأعمال الفنية بعد غياب.
حقق مسلسل حالة خاصة" نجاحًا كبيرًا، وتفاعل معه الكثير من الجمهور ليس فقط لفكرته المختلفة والخاصة، التي تدور حول شخص مريض بالتوحد، لكن أيضا للموسيقى الرائعة التي لعبت دور البطل وأسهمت في نجاح العمل، واندماج المشاهدين مع أحداثه.
موسیقی هانی شنودة هي صاحبة كلمة السر الرئيسية في نجاح "حالة خاصة"، فالعمل يسرد قصة شخص مريض بالتوحد، وكان يستخدم سماعات الأذن السماع موسیقی هانی شنودة، فهذه المقطوعات الخالدة هي التي كانت تؤنس وحدته وتذكره بوالدته التي رحلت عنه وعاش بمفرده وهو مريض بالتوحد.
"جولدن جلوب"
بعيدا عن المسلسل، فهاني شنودة رغم التكريمات الكثيرة التي حصل عليها سواء في مصر أو خارجها، فإننا لا يمكن أن ننسى مقطوعته الشهيرة "لونجا 79" التي وصلت إلى المحافل العالمية، وعلى منصة حفل توزيع جوائز جولدن جلوب، لتكون واحدة من أبرز ملامح حفل توزيع الجوائز، وكانت مصاحبة للفنان أمريكي الجنسية ومصرى الأصل رامي يوسف خلال صعوده لتسلم جائزته كأفضل ممثل، وهي المرة الأولى التي تعزف فيها مقطوعة شرقية، مثلما أبدعها مؤلفها بالضبط في مثل هذا المحفل الدولي.
وإذا عدنا للوراء قليلا فإن موسيقى "لونجا 79" جاءت ضمن أحداث المسلسل الأمريكي "ramy" الذي نال عنه الفنان المصرى الأصل رامى يوسف جائزة الجولدن جلوب كأفضل ممثل، حيث تواصل مع شنودة المنتج الألماني للمسلسل وتحدث معه عن رغبته فى الحصول على بعض المقطوعات الغنائية الخاصة به والتي أبدعها في بداياته لكي يتم نشرها هناك، وإن مثل هذه المقطوعات ستكون تمثيلا جيدا للشرق الأوسط.
بعد حصول المنتج الألماني على مقطوعات هاني شنودة تواصل معه مرة أخرى بصحبة أحد المنتجين الأمريكان وطالبوا بهذه المقطوعة تحديدًا لكي تكون ضمن أحداث المسلسل.
ا "فرقة المصريين"
مثلت تجربة فرقة المصريين" نقطة تحول مهمة في مشواره الفني، إذ قدم من خلالها نموذجا مختلفا يعتمد على موسيقى عصرية وكلمات تنبض بتفاصيل الحياة اليومية، فخرجت أعمال مثل ما تحسبوش يا بنات" و"ماشية السنيورة" معبرة عن نبض الشارع المصرى لتصبح من الأغنيات التي رسخت حضور الفرقة في ذاكرة الجمهور.
تجربة هاني شنودة ركيزة أساسية في مسيرة الموسيقى المصرية المعاصرة، لما حملته من روح الابتكار والقدرة على التجديد لتستمر إرثا فنيًا سيظل شاهدا على تجربة استثنائية أسهمت في تطوير الأغنية والموسيقى المصرية، وتركت أثرًا ممتدًا في وجدان أجيال متعاقبة.
وعن كيفية تطوير موسيقاه وكيف أصبحت له بصمة فنية خاصة قال في أحد حواراته الصحفية عن عمله مع الفرق الموسيقية: "وجدت معهم حرية التجريب والتجديد والتعبير عن الأفكار وجدت معهم مساحات كبيرة من الحرية لتنفيذ أفكاري، فكنت أقوم بدور عالم الهندسة العكسية فى الفرقة، إذ كنت أتى بالأغنية الغربية الأصلية وأقوم بتفكيك الموسيقى وأحدد مهمة كل آلة وأكتب نوتتها، وهي مهمة قد تكون شاقة بالنسبة للبعض لكنها لدارس الموسيقى أمر غير معقد".
البدايات
بدأت ملامح موهبة هاني شنودة في مدينة طنطا، حيث نشأ داخل أسرة تنتمى إلى الطبقة المتوسطة، وفرت له بيئة داعمة للإبداع.. كان والده يعمل صيدليا، بينما امتلكت والدته حسا فنيًا، إذ كانت تجيد العزف على العود والبيانو، إلى جانب تمتعها بصوت غنائي جميل وهو ما أضفى على المنزل أجواء موسيقية كان لها أثرها في تكوينه الفني.
ورغم أن الرسم كان شغفه الأول، فإن الموسيقى سرعان ما استحوذت على اهتمامه خلال سنوات الدراسة الثانوية وتحديدا في الصف الثانى الثانوى، حين جمعه الشغف بالفن مع مجموعة من أصدقائه، كان من بينهم عاطف منتصر، الذي أصبح لاحقا أحد أبرز منتجى الموسيقى في مصر ومؤسس شركة "صوت الحب"، وتولى إنتاج عدد كبير من ألبومات هاني شنودة ونجوم الغناء.
أسس شنودة أول فرقة موسيقية له، مستلهما تجارب الفرق الأجنبية التي كانت تقدم موسيقي غربية حديثة لا سيما العازفين اليونانيين الذين تابع أداءهم باهتمام سعيا إلى فهم أساليبهم الموسيقية والاستفادة منها في تطوير رؤيته الخاصة.
ومع تزايد شغفه بالموسيقى، وجد دعما كبيرا من والده الذي آمن بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الدراسة الأكاديمية هي الطريق الحقيقى لصقلها، لذلك التحق بالمعهد العالى للتربية الموسيقية في القاهرة، وظل في البداية يتنقل يوميًا بين طنطا والعاصمة تنفيذا لرغبة أسرته، قبل أن يدفعه حادث تعرض له إلى الاستقرار في القاهرة ابتداء من عامه الدراسي الثاني، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته الفنية.
ومع اتساع خبراته انطلقت رحلته الاحترافية من خلال العزف مع إحدى الفرق الأجنبية التي كانت تقدم عروضها في أحد الفنادق الكبرى، وهي التجربة التي فتحت أمامه آفاقا جديدة حتى التقى بعازف الدرامز يحيى خليل العائد آنذاك من الولايات المتحدة، لينضم إلى فرقة موسيقية ضمت أسماء لامعة، من بينها عمر خورشيد والمطرب نزيه المصري.
بیتی شاه
في عام 1967 انضم هاني شنودة إلى فرقة لي بيتي شاه"، التي أسسها الموسيقار وجدي فرانسيس، وضمت نخبة من أبرز الموسيقيين الشباب آنذاك، من بينهم عمر خيرت وعزت أبو عوف وفريد رزق، و عمر خورشید. التشكل هذه التجربة محطة مهمة في صقل شخصيته الموسيقية، وتمهد لانطلاقته كأحد أبرز رواد الموسيقى الحديثة في مصر
لقاؤه بنجيب محفوظ
عن لقائه بأديب نوبل نجيب محفوظ، فقد كانت له قصة غريبة معه عقب انتهاء الغناء في الإسكندرية، بعدما تصادف أن حضر الحفل ولم يكن قد حصل على جائزة نوبل بعد، وكان هذا اللقاء سببا مباشرا في تغيير وجهة نظر شنودة في بعض الأمور الفنية والموسيقية.
قال الموسيقار الكبير الراحل في لقاء تليفزيوني: "التقيت في إحدى المرات مع نجيب محفوظ بصفته صحفيا في جريدة الأهرام بعد أحد حفلات فرقة لي بيتي شاه التي ذاع صيتها لدرجة أن نجيب جاء إلى الإسكندرية من أجل مقابلة أعضائها ومحاورتهم"، لكنه فاجأه بجملة لم يستطع نسيانها وكانت نقدا لاذعا فوجئ به.
نجيب محفوظ قال اشنودة: انتو زوبعة في فنجان" ليرد عليه شنودة بعنف متبادل وحضرتك جاي من القاهرة إلى الإسكندرية علشان تشوف زوبعة في فنجان ليتواصل بينهما الحوار ويتجاوزا هذا الموقف ويسأله: لم لا تكون فرقة مصرية؟ وهو السؤال الذي ظل معه وجعله مستقبلا يقوم بتأسيس فرقة المصريين ويهتم بالموسيقى الشرقية.
مدح النبي
من الكلمات التي لن ينساها الجمهور لهاني شنودة والتي رسخت وجوده كواحد من النسيج المصري الأصيل، ما قاله عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عندما أكد اعتزازه بتقديم أعمال في مدحه، مشيرا إلى أن ذلك أقل ما يمكن أن يقدمه تقديرا لمكانة الرسول الكريم... "ولو ربنا اداني أكثر من عمر على عمري مش هيكفوني إنى أمدحه النبي محمد أوصى بأقباط مصر خيرا، في إيه أعظم من كده؟".
وأوضح شنودة أن مشاركته في تقديم أعمال دينية ومدائح نبوية نابعة من قناعة ومحبة واحترام، لافتا إلى أن الفن يمكن أن يحمل رسائل إنسانية وروحية تجمع الناس، بعيدا عن أي اختلافات.
رحم الله الموسيقار المبدع هاني شنودة صاحب القلب الطيب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كل عام يأتى شهر يوليو، الشهر الذي تحرك فيه فريق من ضباط الجيش المصرى لتغيير الوضع الذي استعصى على...
السندريلا.. فى حضرة الحرافيش حين قالت سعاد: لست مثقفة.. وشهادتى هى موهبتى نجيب محفوظ: أرتاح عندما أرى وجه سعاد حسنى...
رصاصة طائشة تزلزل حياة مظهر وتتسبب فى طلاقه بدأت المأساة بتليفون من نجوى إبراهيم: ارجع البيت فورا.. فيه ضرب نار...
في هدوء شديد.. رحل الموسيقار الكبير هاني شنودة، بعدما ترك لنا العديد من الأعمال التي لا تنسى، وكان له تأثير...