على الحجار.. الصامد

الرجل الذى يسكن أعلى جبل المقطم.. وتسكن القاهرة فى أغنياته

لم يصدر على الحجار هذا العام ألبومات جديدة.. لكنه غنى 36 ساعة متواصلة على مسارح الإسكندرية والقاهرة والشيخ زايد..

حفله الأخير فى "القلعة" كامل العدد.. حفله قبل الأخير فى مكتبة الإسكندرية كامل العدد.. حفله فى دار الأوبرا حيث احتفى بعمر خيرت فى مشروعه الممتد "100 سنة غنا" كامل العدد.. بمجرد فتح باب حجز التذاكر.. كيف فعلها الرجل السبعينى الذى يسكن قمة جبل المقطم، ينظر إلى القاهرة من أعلى وهى تختنق بموسيقى "الهنك والرنك" العائدة من أواخر زمن الاحتلال الإنجليزى فى شكل وبثياب تبدو جديدة، يتشبه فيها رجال المطربين بالنساء والعكس؟!

كيف فعلها "الصعيدى" البسيط الذى لم تغادره شوارع إمبابة الفقيرة بعد، فيما يطارده فؤاد حداد وسيد مكاوى بترنيمة ساحرة:

"أول كلامى سلام

وتزقُقينى الكلام

أيام فى حضنك أنام

يا مصر يا أمنا

واطلع فى نور الأدان

إذا دعا الوالدان

المدرسة.. والميدان

القلب الأبيض هنا"..

هل هو مجرد قلب ابيض يدفعه دفعا إلى هذه "الساحرة الزاهرة القاهرة".. "تزقُقه الكلام" فيخرج غناء مستويا لا سواد فيه ولا عثرات؟!

يبدو أنها دعوة الوالدين السيدة بثينة.. والسيد إبراهيم ابن الشيخ الحجار الذى منحنا تاريخا يستحق أن نحتفى به وأن نرويه.. لأننا ساعتها سنحكى قصتنا معه.. أو ربما هو "الوجه الآخر" من سردية بلاد لا تهجر الموسيقى

لا يحتاج على الحجار إلى مناسبة لنكتب عنه.. لكن مشروعا تتبناه أكاديمية "أعز الناس" للموسيقى والغناء اسمه "غنا القاهرة قرر أن يحتفى بالرجل وبعائلته وبتجربته مساء الجمعة 26 سبتمبر الحالى، ليس بوصفه مطربا كبيرا لا يزال قادرا على إدهاشنا وهو فى مطلع السبعينات من عمره.. ولكن بوصفه مشروعا حقيقيا للموسيقى المصرية، وأغنيتها الخالصة، يمتد عبر خمسين سنة من عمر بلادنا..

"مطرح ما يمشى يبدر الأحلام"..

فى أول أبريل عام 1954 كانت كواليس القاهرة حبلى بانفجارات ضخمة.. مرت أزمة مارس بسلام.. وتولى جمال عبدالناصر رئاسة مجلس الوزراء.. وكان قد نجا قبلها بشهور قليلة من محاولة اغتيال يائسة لجماعة الإخوان المسلمين.. ووقعت مصر اتفاقية الجلاء.. وتحددث إقامة الرئيس محمد نجيب فى المرج بعد عزله.. وغنى عبدالحليم حافظ "أبدا راح أقول" أو "إيه خلانى أحبك".. فيما كانت فيروز تصدح من فوق جبال الأرز.. "لماذا نحن يا أبتى

لماذا نحن أغراب أليس لنا بهذا الكون أصحاب وأحباب..؟!"..

فى ذلك العام.. و بالتحديد فى الرابع من أبريل.. جاء على الحجار إلى هذا العالم.. ليصبح فيما بعد أقل من عشرين سنة من ذلك التاريخ "النغمة الوسطى" فى نوتة الغناء المصرى البديل..

لما استوى العناب

فى مطلع عام 1977 صحت القاهرة على الآلاف فى شوارعها غاضبين يهتفون لرغيف العيش.. سموها ثورة الجياع.. ونزل الجيش إلى الشوارع.. وفرضت السلطات حظر التجوال.. لكن سرعان ما قرر الرئيس السادات الذى حطت طائرته فى "أسوان" التراجع عن قرارات رفع الأسعار، وعلى بعد أيام اندلعت اشتباكات حدودية بين مصر وليبيا.. وأعلن السادات أنه ذاهب إلى "القدس".. ومات عبدالحليم حافظ.

فى تلك الأجواء كان بليغ حمدى يبحث عن صوته الذى شرحه غياب أم كلثوم ومغادرتها من دون أن تغنى أحد أهم ألحانه فى حفل عام "حكم علينا الهوى".. ومرض العندليب مرضه الأخير ثم رحل من دون أن يترك له خليفة أو "وعدا" ليصبح فى نظر بليغ "مجرد ذكريات".. مثلما رثاه فى أغنيته الأشهر "بتلف" التى غنتها سمير سعيد ووردة الجزائرية وأعادها فى التسعينيات مصطفى قمر

فى تلك الأجواء شعر بليغ بأن الحلوانية قادرة على "الحبل والولادة" مجددا وقرر فى ذلك الخريف الحزين الذى لف البلاد أن يواجه تلك الحالة الرمادية ويعلن ميلاد أغنيته الجديدة، لأنه على ما أظن صدق إشارة عبدالرحيم منصور بأنه

"طاب العنب طاب

طاب واستوى العناب"..

دفع بليغ بالحجار فى حفل جماهيرى كبير متدثرا بأربع أغنيات صاغ عبدالرحيم منصور ثلاثا منها وكتب بليغ الرابعة "قالت".. وأعلن ميلاد مطرب كبير يحمل رسالته التى ظل ينشدها حتى آخر نفس..

"ليه ما تكونش ذكرى/ فى الليلة الجميلة

ليه ما تكونش غنوة/ فى الرحلة الطويلة

ما احنا ياما شقينا/ من يوم ما اتنسينا

لو نروق.. هيجينا/ كل ما اتمنينا".

نجح الحجار فى كسب ود جمهور حفلة العام.. وصحت القاهرة على لافتات فى الشوارع تحمل اسم الألبوم الأول وصاحبه.. واستمر بليغ فى رحلته لاصطياد الجواهر فى عز نكسة "الأيام المصرية" وتوهتها فى ظل كامب ديفيد، حيث اختلطت المشاعر والمفاهيم وزاغت البصائر بعدما لغير العدو وصار "بيجن صديقا".. راح بليغ يبحث فى أصوات أخرى مع الحجار هم رفيقا رحلته محمد الحلو ومحمد منير.. فيما سقط فى بداية الرحلة توفيق فريد..

الثلاثى لم يكتف برعاية بليغ.. فقد كانت القاهرة تبحث عن غناء جديد يزاحم سطوة عدوية وشارع الهرم.. وجاءت المزاحمة من الشارع نفسه.. وذهب الحجار ومنير والحلو ومعهم عمر فتحى للغناء معا فى ملهى شاليمار.. ومن الهرم إلى صلاح جاهين.. الذى انكسر مع انكسار تجربة عبدالناصر وغيابها بشكل كامل، بل والهجوم عليها فى حملات ممنهجة من أخبار اليوم.

جاهين.. الحالم الأكبر الذى حاول التمرد على جراحه.. بضحكات "زوزو".. لم يتردد لحظة فى أن يمنح الحجار "أيامه" التى لحنها فى رباعيات كان قد لحنها وغناها الشيخ سيد مكاوى.. واختار الحجار أن يقوم بتوزيعها "منير الوسيمى" الشاب الذى جاء بأفكار الغرب وقتها.

ربما لم تنجح التجربة وقتها سوى فى أوساط المثقفين والشباب الباحث عن وجوده.. فراح يفتش فى فلسفة جاهين عن سر حياته.. وجدوى استمراريته..

"أنا شاب لكن عمرى ألف عام

وحيد لكن بين ضلوعى زحام

خايف ولكن خوفى منى أنا

أخرس ولكن قلبي.. مليان كلام"..

لم يكن الحجار وأبناء جيله من الخرس.. ولذلك طرقوا أبوابا كانوا يظنونها مستحيلة.. وفتحت القاهرة أبوابها لهم ومنحتهم بعض ما يستحقون..

"ما تصدقش

إنى وحيد فى انتظارك

ما تصدقش إنى حزين بانتصارك

إزاى يطول جرح الغياب

حد السما / إزاى يبان غضن الحنين بعد الجفا

وجرحى فى حبك.. لأخر مدى"..

لم يلئتم جرح القاهرة بسهولة.. لكنها – شعبيا - كانت قادرة على تجاوز لحظتها.. وخرج الذين زج بهم السادات فى السجن.. من المعتقل إلى استقبال رئاسى فاخر دعا له الرئيس الجديد محمد حسنى مبارك.. وبدأت الأغنية الجديدة رحلة القطيعة مع إرث كانت تظن أنها غاضبة عليه ومنه.. فكان أن خرجت رائعة أحمد الحجار: "اعذرينى"..

"ما تخافيش

أنا مش هاعاتبك

أصبح ما ليش أحلام فى حبك

اعذرينى .. مستحيل هاقدر أسامحك

مستحيل.. ده الخيانة شيء فى طبعك

ده انتى خنتى

خنتى قلبي.. بس خنتى

قبل قلبي خنتى قلبك"..

لم يكن الأمر صحيحا.. ولم تفلح صرخات نجيب سرور وغضبة أحمد فؤاد نجم وصياح أمل دنقل فى إزاحة حقيقة غناء المصريين فى محبة مصريتهم.. راحت كتائب المثقفين تستعيد ذاكرة مصر.. فكان أن استدعت عبدالله النديم وطه حسين والمصرى "الوسطى النقى" أبو العلا البشرى.. وكل من هو "أبو العلا" لتبشر به مجددا..

وكان من حظ الحجار وحظنا أن تكون هذه الثلاثية بأشعار سيد حجاب والأبنودى هى بداية الانتشار الخرافى لفن "الدراما" التليفزيونية المغناة.. فعاد إلينا الحلم مجددا ولكن بصياغة جديدة متمردة..

"يا لولا دقة إيديكى ما انطرق بابى

طول عمرى عارى البدن وانتى جلبابى

يا اللى سهرتى الليالى يونسك صوتى

متونسة بحس مين يا مصر فى غيابى".

هل هى المصادفة.. هل هي خطة اتفق عليها الرفيقان الأبنودى وحجاب وسرياها إلى عمار الشريعى ليبشرا عبر صوت الحجار بحقيقة كدنا نصدق بكذبها..

"العتمة سور.. والنور بيتوارى

وإيش للفقارى فى زمان النوح

ميتى تخطى السور يا نوارة

ويهل عطرك ع الخلا ويفوح

ويشدنا لقدام

من عتمة الليل.. النهار راجع

ومهما طال الليل.. بييجى نهار

مهما تكون فيه عتمة ومواجع

العتمة سور.. بييجى النهار تنهار"..

لم تتحقق نبوءة أو بشارة سيد حجاب.. لم يأت النهار سريعا.. فكان أن امتلأت الساحات بأغنيات متمردة.. كتبها أبناء جيل وجد ضالته فى حنجرة مرنة منحها الله براحا يدهش أهل العلم وأهل الموسيقى معا.. حنجرة على الحجار.

"عصفور وطاير ف الهوا

رفرف .. وهف"

لم تكن الرحلة سهلة.. تعثر الحجار كثيرا.. وقام مجددا يفتش عن جديد.. وفى كل مرحلة كان المنتظرون يستقبلونه بغناء جديد يليق به وعليه.. لم يتوقف الحجار عن تجارب بليغ وسيد حجاب.. قدم جيلا مهما وجديدا فى أفكاره الموسيقية.. محمد الشيخ.. خليل مصطفى.. كامل الشريف.. مودى الإمام.. ياسر عبدالرحمن.. أحمد الحجار.. جمال لطفى.. فاروق الشرنوبى.. وكثيرين.. وكأنهم حنجرة واحدة.. جمال بخيت.. عصام عبدالله.. إبراهيم عبدالفتاح.. أحمد إسماعيل.. محمد البنا.. حسين رياض.. بهاء جاهين..

يمكنك خلط المسرح بالسينما بالتليفزيون بالكاسيت.. لكن لا يمكنك على الإطلاق أن تجد تنافرا بين كل تلك الوسائط.

 

قدم الحجار عددا قليلا من الأفلام السينمائية كممثل عكس المسرح الذى قدم من خلاله 37 عملا مسرحيا.. حفلت تلك المسرحيات بمئات الأغنيات وما يزيد على 25 ألبوما.. ومئات المسلسلات مطربا وممثلا.. لتصبح حصيلته من الأغنيات رقما صعبا.. يحتاج إلى سنوات لدراسته وتحليله والاستمتاع به.. هل يمكننى الآن أن أكتب عن خمسة آلاف أغنية صدح بها الرجل الجالس مبتسما أعلى المقطم ينظر إلى حبيبتنا ويغنى..

"بين دنيا دايرة/ جروحها

فى روحنا غايرة/ وأمانى فايرة

فى دنيا تانية.. مغايرة/ فيه قلة جايرة

وقلة غايرة ومعايرة/ والناس مسايرة

وحايرة/ أو فاهمة قارية

يا قلبى عيش.. على ذكرياتنا/ الكناريا"..

عش.. أيها العصفور، وغرد، فليس لنا إلا أن نغنى معك.

 	محمد العسيري

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

على ارتفاع يطل على مصر من فوق قمة جبل المقطم، حيث تتعانق حجارة القلعة
منير

المزيد من فن

لقاء «رنا رئيس» و «طارق لطفى» فى «الساعة»

انضمت الفنانة الشابة «رنا رئيس» لفريق عمل فيلم الساعة 12 الذي يعيد الفنان طارق لطفى إلى السينما من جديد، حيث...

نيللى كريم تغيب عن الموسم الرمضانى

تغيب الفنانة نيللى كريم عن دراما رمضان المقبل 2027 بعد تراجع الشركة المنتجة عن التحضير لمسلسلها الجديد، وكانـت نيللى قد...

«مى سليم» تنتهى من «عيلة تعمل عمايل»

انتهت الفنانة مى سليم من تصوير مشاهدها فى المسلسل المصرى السورى «عيلة تعمل عمايل» الذى تم تصوير عدد من مشاهده...

على الحجار.. الصامد

الرجل الذى يسكن أعلى جبل المقطم.. وتسكن القاهرة فى أغنياته


مقالات

قصة القزم الراقص
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لعالم الصدمات
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م