هناك من يظن أن الطريق إلى الهيبة يبدأ من ارتفاع الكرسي، وأن قوة المسؤول تُقاس بعدد من يخشونه، وأن اتساع الصلاحيات يمنح صاحبها حقًا في أن يتعالى على الآخرين.. لكن الحقيقة التي تعرفها كل الدول التي بنت مؤسساتها على أسس راسخة أن المنصب لا يصنع قائدًا، وإنما يكشف معدن الإنسان.
أيمن عدليعضو مجلس إدارة نقابة الإعلاميين
ومن هنا جاءت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، حاملة رسائل تتجاوز حدود المناسبة، لتضع أمام كل من يتولى مسؤولية في الدولة مجموعة من القواعد التي لا تستقيم القيادة الحقيقية من دونها.
كان تحذير الرئيس من الاستعلاء بالمناصب والوظائف، وكذلك من الاستعلاء بالتدين، رسالة بالغة الأهمية؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان حين يمتلك سلطة أو مكانة أن ينسى أنه كان يومًا يقف في المكان نفسه الذي يقف فيه الآخرون.
لا أحد يصبح أفضل من الناس لأنه أصبح مسؤولًا عنهم.
بل العكس هو الصحيح.. كلما ارتفعت مكانة الإنسان، ارتفع معها سقف واجبه، وكلما ازدادت صلاحياته، ازدادت مسؤوليته أمام الله والوطن والناس.
القائد الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكسر الآخرين ليبدو كبيرًا، ولا إلى أن يرفع صوته ليصنع هيبته، ولا إلى أن يستخدم موقعه ليؤكد تفوقه. قوته الحقيقية في عدله، وهيبته في أخلاقه، ومكانته في قدرته على الإنصاف، والاستماع، واتخاذ القرار، وتحمل تبعاته.
ولعل أجمل ما في هذه الرسالة أنها تضع الإنسان قبل المنصب، والأخلاق قبل السلطة، والضمير قبل الصلاحيات.
فكم من منصب كبير صغّر صاحبه حين أساء استخدامه، وكم من موقع محدود كبّر صاحبه حين حمل مسؤوليته بشرف!
إن بناء الدولة لا يتوقف عند إنشاء المؤسسات أو تطوير اللوائح، وإنما يبدأ من اختيار وتأهيل الإنسان القادر على إدارة هذه المؤسسات. ولذلك تكتسب الإشارة إلى معايير التأهيل والكفاءة والانضباط أهمية خاصة؛ لأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تُدار بمنطق المصادفة أو المجاملة، وإنما بالكفاءة والجدارة والمسؤولية.
مصر اليوم تحتاج إلى قيادات تفهم أن الوظيفة العامة ليست بابًا للوجاهة، وإنما باب واسع لخدمة الوطن.
تحتاج إلى المسؤول الذي يعرف الفرق بين الحزم والقسوة، وبين الهيبة والتكبر، وبين الثقة بالنفس والغرور، وبين التدين الحقيقي الذي يهذب صاحبه، والتدين الذي يتحول ـ في غير موضعه ـ إلى شعور بالتفوق على الآخرين.
وتحتاج قبل كل شيء إلى قائد يرى في المواطن صاحب حق، لا تابعًا، وفي القانون ميزانًا للجميع، لا أداة يستخدمها وفقًا للأشخاص والمواقف.
فالمسؤولية ليست مكتبًا مغلقًا، ولا توقيعًا على ورقة، ولا قرارًا يحمل اسم صاحبه.. المسؤولية أثرٌ يتركه الإنسان في حياة الآخرين.
قد ينسى الناس اسم المسؤول بعد سنوات، لكنهم لا ينسون من أنصفهم، ولا من ظلمهم، ولا من فتح لهم بابًا، ولا من أغلقه في وجوههم.
وهنا تكمن القيمة الأعمق لرسائل الرئيس: أن النجاح في القيادة لا يقاس بما تملكه من سلطة، وإنما بما تفعله بهذه السلطة.
فإذا كان المنصب يرفع صاحبه فوق الناس، فقد خسر المعنى قبل أن يكسب المكانة. وإذا كان المنصب يجعله أكثر تواضعًا ورحمة وعدلًا وإحساسًا بالمسؤولية، فقد أدرك جوهر القيادة.
القائد النموذجي ليس هو الذي يمشي أمام الناس لأن منصبه يفرض ذلك، وإنما هو الذي يمشي بينهم دون أن ينسى أنه واحد منهم.
هذه هي القيادة التي تحتاجها مصر..
كفاءة بلا غرور، وحزم بلا قسوة، وهيبة بلا استعلاء، وتدين بلا تعالٍ، وسلطة يسبقها الضمير، ومسؤولية يحكمها العدل.
فالكرسي قد يمنح الإنسان موقعًا..
لكن الأخلاق وحدها هي التي تمنحه قيمة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هناك من يظن أن الطريق إلى الهيبة يبدأ من ارتفاع الكرسي، وأن قوة المسؤول تُقاس بعدد من يخشونه، وأن اتساع...
تفوقت المرأة في مصر القديمة وكان لها الكثير من الحقوق القانونية فاقت ما تمتعت به النساء في الحضارات القديمة من...
يوجد في المتحف المصري بالتحرير تابوت أثري فريد يعود لشخصية قزم يدعى "جد حر" (أو يُعرف أحيانًا بـ "چيحو")، وهو...
لم تعد أوروبا تتعامل مع الأمن باعتباره ملفًا عسكريًا منفصلًا عن الاقتصاد والمجتمع، بل بدأت تعيد تعريف مفهوم الأمن نفسه...