«سلمى حبى أنا».. هكذا رأى أحمد العطار Gen Z

في مسرحية «سلمى حبى أنا» يواصل أحمد العطار مناقشة قضايا اللحظة الراهنة من خلال شريحة الأغنياء الجدد في المجتمع المصرى،

 إذ كان هؤلاء وحياتهم قوام مجموعة من أعماله المسرحية السابقة، نذكر منها: «العشاء الأخير»، عمى اللى جاى من أمريكا»، ومسرحية «ماما» آخر أعماله قبل هذه المسرحية، مستخدماً نفس القالب المسرحي المعروف بالبوليفار في صيغة معاصرة تجسد الحياة الواقعية للبرجوازية الجديدة؛ ليكشف ليس فقط عن ملامحفساد الحياة الاجتماعية لهذه الطبقة، بل يناقش ممارسات سياسية واجتماعية واقتصادية في المجتمع من خلال شخصيات من هذه الطبقة، مع وجود الشريحة الأكثر فقراً ممثلة فى الخدم الذين يعملون لدى هذه الشريحة.

تدور أحداث مسرحية «سلمى حبى أنا»

حول عائلة رجل الأعمال محمود النجار المكونة من زوجته وابنه كريم، والابنة الصغرى سلمى مع خادم وخادمة من خلال بنية قوامها سلوك العائلة التي تجسد هذه الطبقة وتعيش حياة تبدو فاحشة الثراء الأب رجل أعمال يدير منظومة شركاته من البيت ويلازمه خادمه صلاح الصامت الذي يتحرك ويعمل مثل الروبوت، وينفذ ما يأمره به سيده ولا نستمع إلى صوته إلا فيما ندر، الأم ناهد دائما في ملابس الخروج يقدمها العرض في علاقة سيئة مع زوجها الابن كريم أهوج، نموذج لأبناء هذه الطبقة يقدمه العرض وهو يزهو بشراء مسدس مصنوع من الذهب كان في حوزة عدى صدام حسين ومحفور عليه اسمه، وسوف يكون لهذا المسدس دور فاعل في الحكاية، يتزوج الابن ابنة شريك والده الأمريكية في صفقة تجارية واضحة الابنة سلمى مشغولة بعمل محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الأغاني وهي رمز الجيل الجديد محور الأحداث. أما الخادمة لولو أو لبنى فهى نموذج للطبقة الفقيرة التي تعمل في خدمة طبقة الأثرياء الجدد، لديها أحلام وتطلعات كبيرة الخادمة تقيم علاقة عاطفية مع الابن والخادم الذي يلازم الأب كظله صامت خانع وذليل.

تبدو الشخصيات تقليدية في ظاهرها شخصيات نمطية، وضعها المخرج مع مصمم الديكور حسن بيضون في فضاء شاسع أحاطه بالستائر التي سوف تخرج وتدخل منها شخصيات العرض من الجهات الثلاث تشى هذه الستائر بهشاشة العالم الذي يعيشه هؤلاء، أقرب إلى جدران هشة إلى اليمين دخول وخروج الأم من وإلى البيت، وإلى اليسار الخادمة، وفى المنتصف الابن والبنت الصغرى، أما الأب فسيتحرك في هذا الفضاء متجها إلى غرفة نومه قسم مصمم الديكور فضاء الحكاية إلى أربعة مستويات في الأمام وإلى يمين المسرحصالون من طراز حديث ذي طابع أوروبي سوف يكون فضاء الأب، له مقعد خاص لا يغيره، والمقاعد الأخرى للأم والابن والابنة، يقرأ الجريدة، يدخن السيجار ويحتسي قهوته وإلى جواره يقف الخادم سوف تتكرر هذه الأفعال، وفي هذه المساحة نشاهد تحولات شخصية الأب في هذا الفضاء، وإلى يسار المسرحفي الأمام مقعدان من نفس الطراز مع طاولة صغيرة وإلى جوارهما بوفيه مزين بالزرع وهو فضاء الخادمة تمارس فيه سلوكها اليومى وعلاقتها مع الابن وصراعها مع الزوجة، وفي العمق خلف صالون الأب غرفة النوم البعيدة، فضاء الأم والأب أحيانا تمارس فيه الأم خيانتها الصغيرة عبر الهاتف، ويتحرك فيه الأب كما تتحرك الأم بين غرفة النوم والصالون وإلى اليسار في العمق غرفة الطعام، تدور فيها بعض أحداث الحكاية، وفي مقدمة المسرح فضاء الابنة مع الهاتف فوق الحامل تمارس فيه هوايتها في العالم الافتراضى وتتبلور شخصيتها من خلاله وهذه المساحة تتوسط الفضاءات الأربعة أما الابن فيتحرك بين الفضاءات الثلاثة فيما عدا غرفة النوم. ثمة رغبة وتصميم على تقسيم فضاء الحكاية وتخصيص كل جزء لشخصية في دلالة واضحة على ملامح كل شخصية في هذا الفضاء، وفي دلالة على عزلة هذه الشخصيات وفي رمزية واضحة لهذه الأسرة المفككة.

حرص المخرج من خلال مستويات فضاء الحكاية على إبراز تكرار أفعال

الشخصيات والحركة، حيث الإيقاع الرتيب الذي انعكس على الأحداث في أسرة تعيش حياة يغلب عليها طابع السكون والثبات فثمة تكرار لا يخلو من دلالة في الأفعال وحركة الشخصيات التي تتكرر عن عمد بل وطال التكرار الصورة من خلال توحيد ألوان الأسرة الأب الأم والابن لكن الابنة مختلفة لا تشاركهم غالباً الألوان في دلالة واضحة على اختلافها، فمرة يرتدى الثلاثة اللون الأحمر، أو البرتقالي وهكذا، وقد زرع مصمم الديكور هذا الفضاء الواسع بالعديد من الأعمدة السوداء في كل أنحاء البيت في دلالة على قوة البيت، وهي أيضا فواصل بين الفضاءات، والجمهور يشاهد الأحداث من خلال هذه الأعمدة بل في بعض الأحيان تعيق الرؤية.

ليس هناك حكاية عميقة، بل مجموعة من الأحداث تجسد في ظاهرها سلوك الحياة اليومية لهذه الشريحة الاجتماعية، والتي تدور أحداثها الرئيسية في الصالون، ففى هذا الفضاء تمارس الشخصيات أفعالها تتعرى تخلع الأقنعة، يثور الأب، تغضب الأم، ينفعل الابن تتحايل سلمى وتطلب من الأسرة التراجع عن أفعالها، فكل شخصية تدخل لتمارس فعلها الرئيسي الذي يبرز ملامحها الخفية الأسياد والخدم معا الفعل الذي يجسد الخلل في الطبقتين تبدو الحكاية بسيطة في ظاهرها حول الخيانة والمال والحب موضوعات البوليفار المفضلة والتي تتناول هذه الطبقة من الأثرياء قديما وحديثا، فى منظر مسرحي يشى بالثراء والفخامة، لكن نقطة التحول حين تتمرد سلمى أو يستيقظ ضميرها وهي تشاهد حرب غزة الأخيرة على السوشيال ميديا الأب يحاول خداعها بأنها صور مصطنعة سلمى لا تصدق، تبدأ في تغيير مسار حياتها في بث محتوى ينحاز إلى ضحايا غزة، تتهم الأب والابن الشريك في أعماله بالانحياز لمن يساهم في تدمير غزة فكلاهما يعمل مع قتلة الأطفال.

أحمد المسئولين الكبار يحذر الأب من أفعال ابنته التي تبثها على السوشيال ميديا، يتحول الأب الحنون الذي لا يحب إلا سلمى إلى وحش كاسر، وذلك حين تمس أفعالها وجوده ممثلاً في تجارته تفشل سلمى في إقناع الأسرة بالتوقف عن العمل مع قتلة الأطفال الجميع يقف ضدها؛ الأب يدافع عن وجوده، والابن الذي أصبح فاسدا بالوراثة، صورة من الأب والأم التي تعيش في بحبوحة من العيش يجسدها العرض ببراعة.. لا تجد سلمى التي منعها الأب من استخدام الموبايل نافذتها على الحياة دلالة هذا الجهاز في اللحظة الراهنة يساعدها الخادم الذليل يكتشف الأب مؤامرة سلمى والخادم فينهال عليه ضرباً ويهينه لفظيا وجسديا فى دلالة واضحة على سلوك الأب وملامح شخصيته، بل ويعنف سلمى التي لا تجد حلا سوى إطلاق الرصاص على الأسرة: الأب والابن والأم بواسطة مسدس عدي صدام حسین الذهبي، وبمساعدة الخادم

سلمى التي وصفها المخرج في بطاقة العرض: سلمى هي تحية إلى الجيل المضحي به جيل ، ننعتهم بأسوأ الأوصاف بينما نترك لهم عالما يتداعى تحت وطأة العنف والدمار والفوارق الاقتصادية وتأكل المبادئ وحين تطلق سلمى الرصاص تتداعى أعمدة البيت الأعمدة التي حرص العرض أن تكون بارزة وحاضرة بقوة في فضاء الحكاية.

سلمى التي وصفها المخرج، بأنها تشبه بطلات التراجيديات الإغريقية، وذلك حين وجدت نفسها أمام خيار مستحيل وقال مهما يكن القرار فإن مصيرها محكوم عليه بالفناء، هذا الوصف وفعل سلمى في نهاية العرض يطرح العديد من التساؤلات منها: هل جيل 2 ليس أمامه سوى إطلاق الرصاص على الأجيال السابقة، فهل هذا هو الحل؟ ولا يمكن إغفال أن الرصاص أطلق من مسدس عدى صدام حسين، هذا المسدس الذي شارك في العرض من خلال واقعة حقيقية لا يخلو من دلالة سياسية تبدأ من غزو العراق للكويت، والتدخل الأمريكي الذي ترك أثراً سيئاً ساهم في انهيار المنطقة العربية وإعادة ترتيب الأوراق فيها لصالح القوى العظمى.

ناقش أحمد العطار من خلال عرض سلمى حبى أنا» الجيل الحالي المعروف إعلاميا بجيل 2 من خلال سلمى التي تعيش غريبة في هذه العائلة، وتفشل في التأقلم مع سلوكها وأفكارها، حاول أن يجعل منها بطلة مأساوية من بطلات الماسى الإغريقية، حين وجدت نفسها أمام موقف أقرب إلى المستحيل وفقا لرؤية العرض، فلم تجد أمامها إلا قتل الأسرة في دلالة واضحة على تخلص الجيل الحالي من أفكار الأجيال السابقة، الأفكار الفاسدة. دون شك تطرح النهاية سؤالاً محورياً مغزاه.. لماذا القتل لماذا الحل الأسهل من خلال الرصاص، ألم يكن في استطاعة سلمى أو هذا الجيل المقاومة أو إحداث التغيير، ناهيك عن رمزية مسدس عدى صدام حسين بكل ما يحمله من دلالات.

 

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«سلمى حبى أنا».. هكذا رأى أحمد العطار Gen Z

في مسرحية «سلمى حبى أنا» يواصل أحمد العطار مناقشة قضايا اللحظة الراهنة من خلال شريحة الأغنياء الجدد في المجتمع المصرى،

Scarlet .. قصة رسوم متحركة عن الحب والإنسانية والسلام

المخرج اليابانى هوسودا استوحى قصة «هاملت» سرد الفيلم لا يرقى إلى مستوى روعة الصورة والصوت والمناظر الطبيعية

«الأوديسة».. كريستوفر نولان يبحر نحو أعظم ملحمة فى التاريخ

الفيلم يُطرَح عالمياً فى 17 يوليو المقبل يواصل نولان تحويل القصص الكبرى إلى تجارب سينمائية استثنائية تجمع بين الإبهار البصرى...

وداعاً محمد مرزبان.. ابن الباشوات الذى عشق الفن والموتوسيكلات

قدم ما يقارب ال 130 عملاً بين السينما والمسرح والتليفزيون درس إدارة الأعمال وبدأ مسيرته الفنية فى سن متأخرة من...