"السعد وعد يا عين".. لم تكن مجرد كلمات أخيرة سجلتها أم كلثوم، بعد أن غزلها بليغ حمدى بطريقة شبه حديثة، استعرض فيها خبراته المدهشة فى استخدام الكورال كبطل رئيسى..
حاول بليغ كعادته أن يمر من "الطريق القديم للست" إلى نهر لا يراه غيره.. كان يبحث عن صيغة شعبية للغناء عبر أصوات "المجموعة".. الكورال كان يمثل له صوت الناس.. كلما احتاج إليهم فى فرح أو حزن مثلما هو الحال فى معظم أغنيات فيلم "شىء من الخوف"، أو أغنيات العمل لشادية «زفة البرتقال» أو أغنيات السفر والفراق التى لم تكن أغنيات فرد فى تلك الفترة، بل كانت تعبيرا عن هجرات جماعية انطلقت إلى أوروبا والخليج بحثا عن "ملاذ" آخر بعيد عن تلك الشوارع المنقلبة على ذاتها.
لم تكن أم كلثوم وفريق يمثل مدرسة الغناء القديم يستطيع أن يتخلى عن كل إرثه بسهولة، وكذلك أبناء عبدالوهاب - الذى كان قد توقف عن الغناء - وفى مقدمتهم عبدالحليم حافظ.. لذلك تعمد بليغ أن يصنع تجربته الأخيرة للست من "مقام موسيقى" شرقى قديم ورصين هو مقام الرصد.. لكنه أراد أن يعبر على النهر الجديد بتوزيعاته التى استخدم فيها الجيتار والأورج وأصوات الكورال باعتبارها "آلة موسيقية" صاحية ومبشرة ومفاوتة لصوت الست الذى يرسخ لفكرة أن كل شىء نصيب وقدر ومكتوب..
"يا ليل يا عينى آه ع الوعد والمقسوم
لا تحوشه لأ.. ولا آه
ما بين عيون وقلوب
صدق اللى قال الهوى.. فوق الجبين مكتوب"..
لم يخرج صوت أم كلثوم من الاستوديو.. هى الأغنية الأخيرة والتى لم تسمح لها حنجرتها المتعبة بأن تغنيها على المسرح كعادتها.. انتهت علاقة أم كلثوم بالجماعة.. صارت مجرد رمز يذهب بعيدا حتى قبل أن تنتهى فعليا بإعلان خبر وفاتها فى الثالث من فبراير 1975.
فى العام نفسه.. كانت الملاحة قد عادت إلى قناة السويس.. وكتب مجدى نجيب أحد فرسان الغناء فى ستينيات عبدالناصر ولحن الموجى وغنى حليم:
"النجمة مالت ع القمر
فوق فى العلالى
قالتله شايفة يا قمر
أفراح قبالى
قال القمر بينا.. نسهر على المينا
ده النور على خط القنال سهران يلالى"..
النور الذى كان يبحث عنه حليم ورفاق رحلته يبدو أنه تبدد سريعا.. فسرعان ما جرت فى النهر الأمريكى مياه جديدة، اختطفت الانتصار إلى ساحة "سلام بارد"، طمعا فى أن تستعيد مصر رمال سيناء التى لم تعد كاملة بالحرب، واقتنع الرئيس السادات الذى كان يؤمن بأن كل أوراق اللعبة فى يد أمريكا بأن الطريق إلى سيناء يمر عبر واشنطن.
كانت صدمة أبناء حليم وأم كلثوم ورشدى وجيل أغانى العمل والفلاحين قاتلة.. اختل توازن عجلات الأتوبيس بركابه جميعا.. لكن ثمة ضوء شحيح كان فى أغنيات زكى عمر وسيد حجاب، وحنجرة محمد نوح القادمة من معابد الوجه البحرى.
هو صوت غير كلثومى بالمرة.. أجش.. لكنه لا يحمل أيا من مهارات عبدالوهاب أو حتى صوفية سيد مكاوى.. نغماته ليست شجية مثل نغمات بليغ، ِأو باشواتى مصرى مثل موسيقى كمال الطويل.. ورغم أنه فلاح مثل الموجى، فإنه هارب من الغيطان إلى شوارع الدرب الأحمر، مثله مثل حدة آلات النفخ التى استخدمها على إسماعيل الذى هرب هو الآخر إلى "العتبة قزاز والسلم اللى نايلو ف نايلو".
كان الجرحى على موعد للقاء فى ميدان رمسيس، حيث كان ينتظرهم صوت "أحمد عدوية" القادم من خلف كواليس كباريهات شارع الهرم التى افتتحها نظام السادات لتستقطب جمهور شارع جامعة الدول العربية.
فى هذه الأجواء كان بليغ يدرك أن ثمة ولادة أخرى على وشك الحدوث.. وأنه يحتاج إلى صوت جديد لمرحلة جديدة لم تنضج معالمها بعد.. فراح يفتش فى أروقة معهد الموسيقى العربية ليأتى بتوفيق فريد.. ومن فرقة أم كلثوم بصوت محمد الحلو.. ومن فرقة رتيبة الحفنى بصوت على الحجار.. ثم جاء إليه عبدالرحيم منصور بصوت محمد منير.. لكن بليغ ولثلاث سنوات لم يصنع شيئا.. هو نفسه كانت بوصلته حائرة ما بين "حلو القمر حلو" و"حبيبتى من تكون".. لكنه كان يصدق الموجى فى رائعته لشريكهما العندليب "حبيبة قلبك يا ولدى نائمة فى قصر مرصود".
لم يجد الثلاثى، الحجار والحلو ومنير، حلا لقتل تلك الحيرة.. أرهقهم الانتظار فى مكتب بليغ فراحوا يبحثون عن جمهورهم فى ملهى ليلى بشارع الهرم اسمه "شاليمار"، وهناك كان يعزف يحيى خليل الباحث عن الجاز الأمريكى وعمر خيرت وآخرون من أبناء الجيل الجديد الذى صحا على لافتة تقول بصوت أم كلثوم
"بالسلام إحنا بدينا بالسلام
ردت الدنيا علينا بالسلام.. يا سلام"
ورغم أن هذه الأغنية لم تكن وليدة تلك الأيام فإنها صارت مقررة على المستمعين فى وسائل النقل العام ومحطات الإذاعة مع "السلام الوطنى" ونشيده الذى غير عبدالوهاب إيقاعه ليتخلص من حماس سيد درويش وإيقاعه الحاد، وكأنها إشارة ناعمة لما سوف يجىء من العدو الذى صار صديقا لم يعد الجهاد ضده مطلبا رسميا.
فى تلك الأثناء مات حليم أيضا.. ورحل رسميا.. وقد رافقته الجماهير إلى مثواه الأخير ومعه كل "أحلام الفترة الناصرية".
الفريق الذى بدأ رحلته فى شاليمار.. كان يضم الحجار والحلو ومنير ومعهم صوت جنوبى ينتمى إلى حضارة حتشبسوت وبساطة ونعومة وعمق نيل الأقصر اسمه الحقيقى محمد عبدالمنعم عبدالله جوهر.. أطلقوا عليه فى البداية اسم عمر هندى لتشابه ملامحه مع الهنود ثم سرعان ما غيره إلى عمر جوهر ثم أصبح عمر فتحى بعدما تبناه الشاعر عمر بطيشة والمخرج فتحى عبدالستار.
عمر، المولود لأسرة صعيدية انتقلت إلى الإسكندرية لبعض الوقت، من مواليد يناير 1952.. هو ابن لثورة يوليو وحلمها وأغنياتها.. هو أول من وقف أمام الكاميرا مرتديا بنطلونا وقميصا.. هو أول من تخلص من ربطة العنق الستينية لكنه لم يتخلص منها تماما.. كان منتميا إلى أدب تلك المرحلة.. والشكل الحليمى القديم مثله مثل "عماد عبدالحليم" رفيقه الذى حمل اسم العندليب بالفعل وكان بوابته إلى الناس.
كلاهما.. عمر وعماد.. حاول البحث فى سجل الأنغام القديمة.. لكنهما لم يقتنعا بقدرتهما على أداء الدور ذاته والنفاذ إلى جمهور العندليب.. كلاهما غنى من ألحان محمد على سليمان نغمات "البياتى" الشهيرة، وراح عمر يفتش عن الصانع الأول لسيرة العندليب محمد الموجى، وغنى أحد ألحانه، لكن أحدا لم يشعر به.. فراح لأبناء الجيل التالى وفى مقدمتهم خالد الأمير، لكنه لم ينجح أيضا..
كانت صدمة حسن أبو عتمان وهانى شنودة تسيطر على الشارع.. كانت الحبل الذى يجر أصحاب الحناجر الجديدة إلى ذلك التغريب فى الكلمات واللحن مع جيل جديد.. فكان أن ذهب ثلاثتهم، الحجار والحلو وعمر فتحى، إلى هانى شنودة ومحمد الشيخ ومنير الوسيمى.. فغنى الحجار واحدة من أجمل تجاربه..
"أنا مش عابر سبيل
لكن باعشق الترحال
بانده عليكى.. عينيكى ماتردش سؤال
مطرح ما قلبك ينتفض وطنى
مطرح ما ترمى النظرة بتاخدنى
منك أنا.. وانتى منى
وانتى ليال العشق والموال"..
الشاعر عبدالرحيم منصور كان حلقة الوصل التى أنقذت منير من توهته، فكانت "أشكى لمين" التى صنعها بليغ حمدى للحلو أولا.. ومع الحجار فى "طاب العنب.. على سفر.. وعلى قد ما حبينا" وهو نفسه الذى صنع لعمر فتحى واحدة من أهم أغنيات البدايات.. "ناس قبلينا" من ألحان هانى شنودة..
"ناس قبلينا راحوا
ناس بعدينا جايين
وآدى الحياة ماشية
وإحنا معاها ماشيين".
تلك الأغنية التى صنعت من أجل مسلسل "سيدة الفندق" كانت تعبيرا حقيقيا عن الشارع المصرى فى تلك اللحظة.. الناس مجرد رد فعل.. "إحنا معاها ماشيين"..
بدأ عمر فتحى، الذى ترك نفسه لتجارب الآخرين فى حنجرته، يستكشف ذاته وتجربته.. وكانت الفاصلة الأبرز هى مشاركته فى ألبوم المصريين بأغنيته التى كتبها مرسى السيد.. والذى كان قد قدم مع الحجار شعرا مختلفا فى "معرفتك انتحار".. كانت أغنية عمر مع مرسى وهانى شنودة تأريخا لبداية مرحلة جديدة من الغناء البديل..
"فى يوم 8 ديسمبر من عام 77
اتقابل ناس كتير
وافترقوا ناس تانيين
وبين زحام البشر
تحت المطر والقمر
تحت المطر والريح
جريح شكا لجريح
اتعرفوا الروحين
واتوحدوا الجريحين"...
كانت معرفة الجيل الجديد لنفسه وطريقه كاشفة.. فخرج متمردا.. غاضبا.. ولم يهدأ.. واتخذ الغضب أشكالا مختلفة بعضها ضل الطريق بعد أن سمح له نظام السادات بالتمدد.. فكانت مقصلته التى صنعها بيده وسلمها للإرهابيين فأردوه قتيلا فى عيد انتصاره الأهم..
ثم جاء عصر مبارك هادئا فى بداياته، محاولا تثبيت الكادر بحثا عن نجاة محتملة فى عالم طائش مختلف.
فى ذلك الهامش.. كان عمر فتحى يحاول الخروج بصوته مع الحجار ومنير الذى صرخ..
"بنتولد
على صدر أم وكتف أب مرتاحين
بنتولد طاهرين
شبعانين
بنتولد متلهفين
بنتولد باكيين
بنتولد مش عارفين"..
لم يكن أحد هؤلاء يعرف أنه إحدى أهم نغمات التعبير فى الغناء المصرى الجديد الذى استمر لأكثر من خمسين سنة قبل أن تهاجمنا أوبئة السوشيال ميديا..
اهتز عمر فتحى قليلا مع ظهور عمرو دياب ومحمد فؤاد.. لكنه ظل حتى وفاته هو "الأسطى" الذى فتح بابا لهذه الأغنية التى تغيرت ملامحها أكثر من مرة.. وغيرت ثيابها وجمهورها أكثر من مرة.. لكن ظلت ولا تزال هى المنبع لكل ما جرى فى نهر الأغنية المصرية منذ رحيل أم كلثوم وحتى الآن.
رحم الله عمر فتحى الذى مضت ذكراه الثامنة والثلاثون دون أن يتذكره أحد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحل الفنانة مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل «8 طلقات»، والذى يقوم ببطولته زوجها المخرج محمد سامى.
يودع الفنان محمود حميدة لوكيشن تصوير مسلسله «فرصة أخيرة » نهاية الأسبوع الحالى.
يواصل الفنان محمد إمام تصوير مشاهد مسلسله «الكينج»، والذى يشارك فى السباق الحالى.
يكثف فريق مسلسل «فخر الدلتا» ساعات التصوير للانتهاء من العمل الأسبوع المقبل.