ما فعلته إسرائيل خلال عامين ضد الشعب الفلسطيني في مشهد مفتوح على العالم يشاهده الجميع، نوع جديد من المسرح، قدمت له وصفاً تفصيلياً في الحلقة السابقة، ألا وهو مسرح الموت»..
ومن خلاله قدم جيش الاحتلال الإسرائيلى ببراعة وإتقان مشاهد من محرقة معاصرة، ليس قوامها الأفران التي صنعها النازي لليهود، بل أفران قوامها الجوع والعطش، والتشريد برعاية الصواريخ والطائرات والمسيرات، وكل آلة الحرب العمياء، ليواجه كل هذا شعب أعزل من الأطفال والشيوخ والنساء، من المرضى والجوعى والمصابين...
1-
ما فعله بنيامين نتنياهو أنه استبدل أفران هتلر بالموت جوعا، ولم يطارد الفلسطينيين ويبحث عنهم للتخلص منهم، فجميع ضحاياه محاصرون في قطاع غزة في بقعة صغيرة يحاصرها من كل ناحية، يقصفهم سلاحه الجوى بكل أنواع القنابل والصواريخ جواء وعلى الأرض جنوده مدججون بأسلحة حديثة ودقيقة تصيب من تشاء وقت ما تشاء، وبالطبع هذا لا يكفى رئيس وزراء إسرائيل ولا يشبع نهمه في القتل والذبح، فثمة أساليب جديدة للقضاء على من لم يشارك في القتال ومن يحتمى بخيمته أو في خندق أو بين أطلال البيوت المهمدمة، ألا وهو التجويع، ففى كل يوم عداد الجوع يعمل ولا يتوقف، ووكالات الأنباء لا تتأخر في أداء الواجب المهنى، إذ تحصى أعداد الجوعى كل يوم وتبلغ العالم مشكورة بأعمارهم وأحيانا أسمائهم، حتى يطمئن العالم المتحضر بل ومن يجرؤ على مقاومة الجوع ويحمل وعاء ويقف في طابور المساعدات الدولية الوهمية أنه سيموت أيضا.
نعم هذه إبادة منظمة وممنهجة ومدروسة لشعب أعزل لا يطلب سوى أدنى مقومات الحياة، كسرة خبزة وشربة ماء، بعد أن تخلى عن بيته وملابسه وعلاجه، وتعايش مع أمراضه والالمه بعد أن تخلى أو تم نزع كل مفردات الحياة من حوله، وتحولت المدينة إلى ساحة للموت أليست هذه محرقة لكن في شكل وصيغة معاصرين ؟
2
المشاهد متنوعة لا تخلو من الإثارة وتتطلع إلى التجديد والابتكار، ففى بعض الأحيان يمنح القاتل استراحة من المذبحة، حين يصحو ضمير العالم قليلا قبل أن يدخل في سبات عميق مفسحا الطريق للإبادة.. استراحة من المذبحة من الموت من القصف والتدمير.. أن يمنح سكان غزة بضعة أيام أو ساعات.... بمثابة استراحة مثل التي يحصل عليه جمهور المسرح حتى يلتقط أنفاسه من زخم الحوادث التي يشاهدها على خشبة المسرح... لكن الشعب الفلسطيني في غزة لم يكن يشاهد عرضا مسرحيا دمويا، بل يعيش وقائع مذبحة لن ينساها التاريخ الذي راح يحصى من الآن وقبل انتهاء المشاهد الدموية كم طفلا يموت كل يوم في غزة، وكم أما تموت وتترك أطفالا بلا معين ؟! فهذا مات مقصوفا، وهذا جائعا وهذا مريضا.. ويعرف سكان غزة أنه بعد أيام، بعد أن تنتهى الاستراحة سوف تعاود آلة القتل عملها في الجميع. فقط سيتم منحهم وقتا يستريحون فيه من الموت يستريح فيها الفلسطينيون من الموت على أن يعودوا مرة أخرى لم تستطع ألة القتل والذبح أن تتوقف أكثر من أسبوع وعادت مرة أخرى الممارسة أفعالها .. وكأنهم يقولون للشعب الفلسطيني من قاطني قطاع غزة انتظروا قليلا سنؤجل موتكم أياما فهذا فاصل قصير بل قصير جدا ونعود المهاجمة هذه الأرض برا وبحرا وجوا.... دون شك شعور ليس فقط غريباً بل غير إنساني أن يمنح العدو ما يقرب من ملیونی شخص استراحة أو فاصلا على أن يعود لقتلهم وتشريدهم وتجويعهم بعد قليل.. الغريب أن هناك قوى ما زالت تتحسس أفعالها وانحيازاتها وهي تشاهد هذه الأفعال الكيان الصهيوني أو دولة إسرائيل تفعل ما تريد ما يحلو لها. والعالم يكتفى بدور المشاهد، نعم هناك تعاطف شعبى لكن ممن ليس بيدهم القرار. وحتى الاستراحة بين مشاهد الموت لم تعد متاحة...
3
بنظرة سريعة كل صباح على شريط الأخبار تبدو صورة الواقع العربي مأساة متكاملة الأركان في غزة بالإضافة إلى القتل والذبح اليومي والتجويع الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.. يعيش الناجون في خيام تضربها يد الطبيعة كل يوم، فالصورة التي تنقلها الفضائيات مأساوية لعجائز ونساء وأطفال يحاربون الأمطار والعواصف تارة وحرارة الصيف تارة أخرى، يحاولون البحث عن زواية آمنة للنوم، ناهيك عن الجوع وضعف بل وقل انعدام الإمكانيات في المستشفيات التي ما زالت صامدة.
4
الخريطة التي كنا نرسمها في حصة الجغرافيا في سنوات الدراسة، وكان المعلم يشير إليها ويشرح ثروات هذه البلاد هنا وهناك، أصبحت خريطة مهلهلة ممزقة.. أصابتها يد الحرب وآلة القتل اليومي، وإذا شاء المعلم أن يصف هذه الخريطة لتلاميذه الآن، فلن تكون الثروات والزراعة والصناعة من بين العناصر الرئيسية، سيصف الخريطة التي تقطر دما من خلال أعداد النازحين ومقابر الموتى، ويحصى لهم أعداد الأرامل والأيتام في كل بقعة، سيحصى أعداد المدن التي لم يعد فيها حجر على حجر، سيعرض لهم بقايا البيوت والحقول والشوارع، ما تبقى من هذه الحياة.. ستتحول الخريطة إلى أطلال أطلال حيوات كانت هنا من قبل .
5
في أحداث غزة الأخيرة لم تكن الصورة واقعا ثانيا أو واقعا فائقاً عند الناس، بل هي الواقع الحقيقي، وربما أكثر واقعية من الواقع نفسه، وربما تكون من المرات النادرة التي تعد فيها سلطة الصورة ضرورة لن تكون إفراطا في إبهار زائف بل وسيلة لكشف الحقيقة ونصرة المظلوم، ففى هذه المرة حين يشاهد الجميع الجميع لن يكون ذلك تجسسا على خصوصية أو انتهاكا لحقوق، لن تكون الصورة مجرد صورة أو مشاعر عابرة بل ستكون شاهدا على جرائم لن ينساها التاريخ.. فما تبته الفضائيات منذ أكثر من شهرين للحرب في قطاع غزة من صورة يومية رسالة واضحة للعالم على جرائم إسرائيل وما ترتكبه من مذابح يومية في حق هذا الشعب... فقد حاولت إسرائيل وآلتها الإعلامية استغلال الصورة في الأيام الأولى بعد هجوم حماس على المستوطنات في السابع من أكتوبر، لكنها فشلت بل وتهاوت محاولاتها سريعا مع وابل الصور التي تبثه الفضائيات لما فعلته إسرائيل بالمدنيين في قطاع غزة، بعد أن توحشت الآلة العسكرية بكل جبروتها في محاولة لإبادة هذا الشعب.
ما روجته إسرائيل منذ سنوات حول حقوقها.. ما روجته من أكاذيب الشعوب العالم، وما صدرته من صورة كاذبة للمقاومة الفلسطنية، انهار على مدى عامين من القتل بكل أنواعه والتجويع.. أمام صور الدمار الذي أصاب كل مفردات الحياة في غزة من الجماد والبشر والحيوانات.. وبدأ التعاطف مع الشعب الفلسطيني يزداد كل يوم في شتى أنحاء العالم، فلم تستطع إسرائيل هذه المرة تزييف الوعي العالمي.... وحتى الحليف الأمريكي بكل جبروته بل ووقاحته في الدفاع عن إسرائيل فشل هذه المرة في تصدير صورة أنيقة فحواها الزيف الذي كانت تصدره للعالم، فالجميع يشاهد الصواريخ أو القنابل الأمريكية حين تقتل الأطفال الفلسطينيين في غرف نومهم دون ذنب أو سبب سوى أنهم ولدوا في فلسطين فأمام سلطة الصورة أصبح الجميع عراة من أفكارهم ومشاعرهم، فقد جسدت الصورة الرغبة الدفينة لليمين المتطرف في إسرائيل الذي لا يفكر إلا في إبادة الشعب الفلسطيني.. الصورة التي تبتها وسائل الإعلام بكل فظائعها بكل ما تجسده من توحش وبكل ما تسببه من آلام لمن يشاهدها، هي الداعم الأكبر لهذا الشعب.. الصورة أيقظت ضمير العالم في هذه المعركة فالمذابح اليومية التي ترتكبها إسرائيل في غزة يشاهدها العالم على الهواء مباشرة، وسوف يذكر التاريخ أن إسرائيل في عهد مجرم حرب اسمه نتنياهو قامت بعملية إبادة ممنهجة لشعب أعزل.. محرقة معاصرة تفوقت على محرقة النازي استخدمت فيها كل الوسائل والأدوات، وكان من ابتكارها أداة اسمها التجويع الذي يموت به الشعب الفلسطيني في غزة الآن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...