عن مسرح الموت (1) فى غزة.. الرصاص بدلاً من الخبز

هذا المسرح تجاوز كل المدارس والاتجاهات المسرحية القديمة والحديثة، خرج من كل الفضاءات التقليدية إلى فضاء كونى..

 لم يتعلم صانعوه أصول الدراما فى المعاهد والجامعات أو حتى فى المسارح، ولا يشارك فيه البشر فقط، بل كل عناصر الطبيعة.. لا يحتاج إلى ديكور تقليدى، ولا يستخدم صانعوه الإكسسورات المعتادة، بل يحتاج إلى مفردات لم يعرفها المسرح من قبل.. مسرح يخلو من التمثيل، لا يعتمد المحاكاة، بل يبتكر طرقا وأساليب غير مطروقة للأداء.. لا يقف فيه الممثلون فى نهاية العرض لتحية الجمهور، لأن السواد الأعظم منهم سيتحول إلى جثث وأشلاء.. ينتمى إلى واقعية جديدة يمكن أن نسميها الواقعية القاتلة، ولا يظن القارئ أننى أتحدث عن مسرح جاء كرد فعل للحرب، بل هو الحرب بكل تفاصيلها ومفرداتها!

وإذا كان شكسبير قد تجاوز أرسطو ضاربا عرض الحائط بقاعدة الوحدات الثلاث، الزمان والمكان والحدث، فجاء الزمان مفتوحا على مصراعيه، وتعددت الأماكن، وتفرعت الأحداث لتتجاوز الحبكة الرئيسية، وليتخلص هذا المسرح من الوحدات الثلاث.. فإن مسرح الموت تخلص من كل شىء، من أبطاله وضحاياه، من البيوت والشوارع والمدن.. ورغم تعدد أماكن الفعل الرئيسى وأقصد الموت فإن الزمان محدد بزمن المعركة، تطول أو تقصر، لكنه لحظات.

أما بريخت الذى تجاوز كل الحدود وحطم كل القيود من خلال المسرح الملحمى وليد الأزمة العالمية، ممثلة فى الحربين الأولى والثانية، ليقدم مسرحا بلا مناظر مفتوحا على الحياة، فإنه يرفض الأداء المسرحى الدرامى التقليدى المتعارف عليه.. يحكى الممثل من خلاله حكايته للمشاهد دون أن يتقمص الشخصية، ولا يفقد المشاهد توازنه العقلى وقدرته على إدراك المغزى السياسى، فإن مسرح الموت بعد أن حطم كل الحدود والقيود كما فعل بريخت، فقد المشاهد ليس فقط توازنه العقلى بل والنفسى والبدنى.. والحبكة الدرامية فى مسرح الموت مبتكرة، حيث تتجاوز المفاهيم التقليدية للمبرر الدرامى، ففى غزة لم يعد القتل دفاعا عن النفس، أو انتقاما من العدو، أو رغبة فى التوغل واحتلال الأرض، بل القتل من أجل القتل، والجائع بدلا من حصوله على رغيف خبز أو قليل من فتات الطعام المطبوخ ينال رصاصة فى صدره أو بطنه أو رأسه، وإن كان محظوظا ستصيب الرصاصة ساقه أو ذراعه، فليس من حق الجوعى فى غزة الحصول على ما يسد رمقهم من المساعدات.

وفى تطور ربما يبدو دراميا بدأ العالم يغضب، الأمين العام للأمم المتحدة اكتفى بالاستياء، وربما الاستياء الشديد.. رد الفعل الوحيد هو الشعور بالغضب والاستياء نحو هؤلاء الجوعى.

  2

هذه مشاهد ابتكرتها الحرب، ابتكرتها إسرائيل، ففى بقايا المستشفيات أطفال صاروا مزيجا من الجلد والعظام، اتسعت محاجر عيونهم، أما سيقانهم وأذرعهم التى لا يربطها بأجسادهم سوى الجلد فقد أوشكت على السقوط.. وجوههم هزيلة، ليس سوى العيون التى غاصت فى محاجرها ترسل نظرات استغاثة ولا أحد يستجيب، وعلى قارعة الطريق نساء ورجال وأطفال يقاومون الموت، يحملون صحونهم وطناجرهم والعلب الفارغة من المخلفات، ويلتفون حول موزعى الطعام، أو فى انتظاره.. يرفعون أوانيهم وأيديهم التى تحملها إلى السماء، ربما تمن عليهم بشىء يقتاتون به. إنها أساليب لم يعرفها العالم عبر تاريخه من قبل فى الإبادة.. والعالم يشاهد فى صمت وأقصى ما يفعله يستاء أو يغضب.. ومن لم يمت جوعا مات برصاصة أنهت حياته وهو يبحث عن قطعة خبز يقتات بها.

 3

المفارقة أن ما يحدث فى هذه البقعة من العالم عانى منه المسئول عن هذه الجريمة.. وهذه حقيقة.. فمنذ سنوات راح كل يهودى يشكو ويبكى ويستعطف العالم بسبب محرقة النازى، والآن ألم يسأل هؤلاء أنفسهم ما الفرق بين ما حدث فى الحرب العالمية الثانية وما يحدث الآن للشعب الفلسطينى فى غزة من قتل جماعى دون ذنب، وتجويع؟!.. حشود من البشر، شيوخا وأطفالا ونساء وشبابا، يتم طردهم ومطاردتهم من فضاء إلى فضاء آخر، وكأنهم ليسو بشرا ولا حقوق لهم فى الحياة، والعالم يشاهد فى صمت، وعلى الأكثر يشجب أو يستاء أو يستنكر، بينما تحول الأطفال بالمئات إلى هياكل عظمية تبث صورها الشاشات.. وجيش الاحتلال الإسرائيلى يواصل الإبادة، رغم هذه الصور التى يشاهدها العالم كل صباح.. يقيم محرقة جديدة معاصرة بأساليب مختلفة ضد شعب أعزل لا يجد قوت يومه.

شخصيات هذا المسرح يعيشون بلا ماء ولا طعام ولا دواء ولا مكان للنوم، حتى الخيام يتم تدميرها.. أليست هذه إبادة ممنهجة؟! والكارثة أن ثمة اعتيادا لأعداد القتلى كل يوم، خمسين، ثمانين، مائة، ألف، أو أكثر أو أقل.. مجرد أرقام رغم أنها من المفترض أن تصيب العالم بالفزع، إلا أنه اعتادها، كما اعتاد العدد الكبير من الجثث المكدسة فى كل مكان تمهيدا لدفنها.. يلتقط البعض الصور لها، وتتوافد وسائل الإعلام لتوثيق هذه المأساة.. يقف الجميع حول الجثث المغطاة، يتبادلون الأحاديث، ويدور الجدل حول الحرب وكأنهم غرفة للمرضى وليس فضاء للموتى، لأن الأمر أصبح من تفاصيل الحياة اليومية المعتادة.. استقبال الرصاص فى الصدور، ودفن الجثث، واستخراج الأشلاء من تحت الأنقاض، وصراخ الجوعى، وأنين المرضى.. لقد اعتادوا الموت كما اعتادوا الحياة.. اعتادوا أن يموتوا ويودعوا موتاهم من الأبناء والآباء، من الأمهات الزوجات والأطفال.. نعم اعتادوا الموت، أصبح فعلا عاديا لا يثير الدهشة، هذا ما صنعه جيش الاحتلال فى الشخصية الفلسطينية، وعليه أن يدفع الثمن.

ما يحدث للشعب الفلسطينى فى غزة حرب إبادة، ربما ليس الأول من نوعه الذى تتم ممارسة هذا الفعل تاريخيا فيه.. فقد مارسته الدولة العثمانية ضد الأرمن، والأمثلة عديدة، لكن هذه المرة تتم المذبحة وحرب الإبادة على الهواء مباشرة.. مذبحة يشاهدها الجميع ويتابعها كأنه يتابع مسلسلا دراميا مكتوبا عليه للكبار فقط، رغم أن المذبحة تستهدف الأطفال قبل الكبار، والعالم يكتفى بالحزن والحسرة!

  4 

عزيزى ضمير العالم، كم تحتاج من الأيام أو الشهور أو السنوات حتى تستيقظ، وما هى أعداد الضحايا التى تحتاجها، من الأطفال والشيوخ، من النساء والشباب، حتى تفيق من سباتك العميق؟! هل تحتاج إلى أعداد محددة يجب توافرها حتى تستيقظ؟ فى الحروب لا أحد يستطيع تحديد عدد القتلى أو الجرحى، ففى كل لحظة تتزايد الأعداد. احتاج ضمير العالم القديم قبل الميلاد إلى ما يقرب من سبعة قرون حتى يستيقظ ويدرك أنه أباد مدينة بشعبها وبيوتها، بحدائقها وشوارعها وحتى معابد الآلهة، مدينة اسمها طروادة، فلم يستيقظ ضمير الإغريق ويكتب شعراؤها هذه المأساة إلا بعد قرون ليدركوا حجم الكارثة التى تسبب فيها أسلافهم، فبدت دموع الندم التى جاءت متأخرة مئات السنوات فى صورة مسرحيات أو مآس درامية.. فهل سينتظر ضمير العالم هذه القرون حتى يدرك أن جيش الاحتلال الإسرائيلى يشن حرب إبادة على مدينة اسمها غزة، ويقتل ويدمر كل شىء؟.. قتلى وجرحى ومشردون، جوعى ومرضى فى العراء، وضمير العالم يكتفى بمشاهدة المأساة مصورة على الشاشات.. البعض يشجب ويندد، البعض يعترض، البعض يتظاهر والسواد الأعظم يمارس جريمة الصمت ويشاهد فصول المأساة كل يوم، بل وربما يتابع بشغف وينتظر تطور الأحداث!

نعم هناك تظاهرات شعبية هنا وهناك فى مناطق متفرقة من العالم، هناك بعض المواقف الإنسانية الداعمة، لكن من بيدهم القرار، من يستطيعون إيقاف هذه المذبحة التى تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى، يغضون البصر.. يهمسون فى أذن إسرائيل أن تتوقف لو كان هذا ممكنا، لكن بعد أن تشبع شهوتها فى القتل والذبح، بعد أن تقوم بإبادة من استطاعت من الفلسطينيين، ليس فقط فى غزة، بل جيش الاحتلال يصول ويجول فى أنحاء فلسطين يقتحم القرى ويهدم البيوت ويعتقل من يشاء، هذا إلى جانب الصواريخ والمدفعية التى تنهال على ما يزيد على مليونى فلسطينى فى غزة من الجو والبحر والأرض.. فهل اعتاد العالم هذه الصورة المأساوية التى يستقبلها كل يوم عبر الفضائيات؟.. هل اعتاد المذبحة بكل تفاصيلها، حتى إنها باتت ضمن عادته اليومية؟.. نعم.. وهذه طريقة مثالية ومضمونة حتى يموت ضمير العالم أو ينام كما يحلو له، وحتما سيستيقظ، لكن بعد إبادة هذا الشعب.

 

 

 

 

 

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عن مسرح الموت فى غزة – 2 محرقة معاصرة للفلسطينيين.. صناعة إسرائيلية

المزيد من فن

رؤيا: مخرجة إيرانية تروي تجربتها الذاتية في سجن "إيفين"

تستحضر المخرجة الإيرانية "مهناز محمدي" تجربتها الشخصية في سجن "إيفين" في ثاني أفلامها الروائية الطويلة "رؤيا"، من بطولة الممثلة التركية...

على ربيع يعود للدراما بمسلسل جديد

بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.

أحمد حلمى يستعد ل «حدوتة»

يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.

الحمل يبعد أسماء أبواليزيد عن الدراما

اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...