صوته الخشن كان يطرب نجيب محفوظ
رحل نجم الأغنية الشعبية الأول فى مصر والعالم العربى، الفنان أحمد عدوية، صاحب العلامة الشعبية المدهش فى الأغنية الشعبية، هو المؤسس والمطور لها بدون جدال، وبرحيلة يفقد الطرب العربي بالكامل ركيزه أساسية وعمودًا محوريًا فى صناعة الأغنية الشعبية.
أحمد عدوية، القيمة والقامة الطربية الكبيرة، قال عنه الكاتب الكبير نجيب محفوظ عندما سئل عنه: صوت عدوية يطربنى لكونه صوتًا مصريًا يستخدم أساليبًا شعبية وكلمات شعبية، وصوت خشن لا يخلو من حلاوة، مضيفًا بأن كون الشعب يسمعه فذلك معناه أنه قادر على إطرابهم، فلا يمكن أن يكون كل مستمعيه ينافقونه بسماع أغنياته. ولفت إلى فكرة واهبى السعادة قائلًا: إنهم أولئك الناس الذين يهبون غيرهم السعادة، وهو أمر غير متكرر كثيرًا فى الحياة، وعرج على أهمية أغنية "سيب وأنا أسيب" مستشهدًا بمعناها البسيط الذى يعنى -على حد قوله "خلى شوية عليك وشوية على"، مضيفًا أنه لا مشكلة على الإطلاق فى مثل هذه النوعية من الأغاني.
الكثير من عمالقة الموسيقى العربية فى زمن عدوية مدحوا صوته، مثل محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، بل ووصل الأمر أنه فى إحدى الحفلات الخاصة غنى عبد الحليم حافظ أغنية عدوية «السح الدح إمبو» وغنّى عدوية أغنية عبد الحليم حافظ "خسارة خسارة".
بلا شك، أحدث عدوية ثورة فى عالم الغناء الشعبي، خلال السبعينات، وكان أول مرة يظهر مطرب متحرر من القوالب المحفوظة لمطربى العهود السابقة، وتتعاطف معه الطبقات الشعبية، وقدم أغانى كثيرة أشهرها: "سلامتها أم حسن، وسيب وأنا سيب، زحمة يا دنيا زحمة، وحبة فوق.. حبة تحت، وراحو الحبايب، وكرشنجى".
ولد عدوية فى محافظة المنيا، بتاريخ 26 يونيو 1945، كان والده تاجر مواشي، وكان ترتيبه فى الأسرة قبل الأخير، حيث كان له 14 أخًا وأختًا؛ بدأ الغناء عام 1969 فى شارع (محمد علي) فى مقهى (الآلاتية)؛ حيث كان يغنى فى الأفراح والحفلات، وجاءته الشهرة عام 1972؛ من خلال حفل عيد زواج المطربة (شريفة فاضل) الذى حضره عدد من الفنانين والصحفيين، وكان موجودًا فى الحفل صاحب كازينو (الأريزونا)، وعرض عليه العمل هناك، ثم سجل أسطوانتين لشركة (صوت الحب)، ومن هنا جاءت شهرته.
استعانت به السينما ليغنى فى الأفلام بسبب شهرته، وأسند له المخرجون بعض الأدوار الكوميدية، لكنه لم ينجح كممثل لعدم امتلاكه إلا موهبة الغناء فقط، وتعرض لحادث مثير للجدل فى بداية التسعينيات كاد ينهى حياته، وتسبب فى إصابته بالشلل لفترة طويلة، وابتعد عن الأضواء تمامًا إلى أن استعاد عافيته، وبدأ يظهر تدريجيًا ببعض المحاولات البسيطة، سواء بإعادة توزيع أغانيه القديمة أو مشاركة بعض النجوم الشباب فى أغنيات ذات طابع شعبي، مثل أغنيته (الناس الرايقة) مع المطرب اللبنانى (رامى عياش) والتى لاقت نجاحًا واستحسانًا كبيرًا.
ورغم ابتعاد عدوية عن الغناء تمامًا منذ بدايات التسعينات بسبب الحادث الذى تعرض له، ظل على رأس كبار الأغنية الشعبية فى مصر، وفى مكانة عالية فى هذا اللون الغنائي.
الناقد الموسيقى أمجد مصطفى قال عنه: صنع أحمد عدوية مكانة فريدة فى عالم الغناء الشعبى المصري، ليصبح رمزًا متفردًا لا يمكن تكراره. عدوية ليس مجرد مطرب شعبي، بل صوت يعبر عن أزقة الحارات وأرواح الكادحين، يحمل فى طياته الحزن والفرح فى آن واحد، كأنه مرآة لوجوه المصريين البسيطة. ورغم هذا الإرث العظيم، لم يحصل عدوية على حقه إعلاميًا بالشكل الذى يستحقه، ليس من حيث الظهور أو اللقاءات الصحفية، بل من حيث التحليل الجاد لمشواره الفنى الغني؛ ففى إحدى الفترات، روّج البعض لفكرة أن أغانى عدوية تمثل هبوطًا فى الذوق العام، لكن الواقع يقول العكس. فقد كان وما زال رغم رحيله اليوم نافذة أصيلة لرائحة الحارة المصرية، وأغانيه أشبه بملحمة حقيقية عن عرق الكادحين وشقائهم وأحلامهم.
ويضيف: ما يميز أحمد عدوية أنه ظهر فى عصر لم يكن سهلًا أبدًا لمطرب شعبى أن يُسمع أو يُبرز صوته، حيث كانت الساحة مزدحمة بعمالقة مثل عبد الحليم حافظ وأم كلثوم؛ ومع ذلك، نجح هو فى تقديم لون جديد من الغناء، يمزج بين كلمات الحارة وألحان تحمل عبق الروح الشعبية العميقة.
ويكمل مصطفى: أغانيه لم تكن مجرد كلمات بسيطة، بل كانت كلمات وألحان من صميم الحياة، كانت تحمل فى طياتها عمقًا فلسفيًا رغم بساطتها الظاهرية. من كتبوا له كانوا ينتمون لطبقة من المؤلفين الذين يعبرون عن حياة الناس بتلقائية وصدق، ليصبح عدوية صوتهم ومصدر توصيل رسالتهم للعالم. أغانى مثل "سلامتها أم حسن" و"بنت السلطان" ليست مجرد أغانٍ للترفيه، بل توثيق لجوانب حياتية ومجتمعية مليئة بالمعاني.
ويضيف: ما يجعل عدوية مميزًا أيضًا هو قدرته على المزج بين البهجة والحزن فى أدائه. صوته يحمل "الابتسامة الشقية" التى تخفى خلفها حكايات طويلة من الشقاء والكفاح؛ عندما تسمع صوته، تشعر كأنه يحكى قصة كل شخص كافح ليصنع لنفسه مكانًا فى الحياة.
ويختتم مصطفى حديثه قائلا: اليوم، ونحن نودعه، لا بد أن نحتفى بمشوار أحمد عدوية، ونعيد قراءة إرثه الفنى بعين منصفة. فهو ليس مجرد مطرب شعبى عابر، بل فنان عبّر عن هوية المصريين وروحهم. فى ليلة وداعه نودع أصالة الفن الشعبى وجذوره الممتدة فى قلب المجتمع المصري. وسيظل أحمد عدوية الطعم الأصلى للغناء الشعبي، والفنان الذى أعطى الأغنية الشعبية مذاقها الخاص، وأثبت أن البساطة قد تكون أحيانًا أعمق وأكثر تأثيرًا من التعقيد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...