السيد درويش حىّ فى الوجدان لأنه ابن شرعى للثقافة الوطنية

فى يوم «15سبتمبر1923» رحل «السيد درويش» الملحن والمجدد الموسيقى الوطنى الكبير، وقيل إنه مات مسموماً، لأن «الملك فؤاد»

 كره موقفه الداعم للثورة فى العام 1923، ومن الجائز أن تكون هذه الرواية صادقة، لأن  «سعد زغلول» قائد الثورة، كان يحتقر «السلطان فؤاد» ـ أصبح ملكاً فى العام 1923 بعد كتابة الدستورـ وكان «السيد درويش» يستعد لاستقبال «سعد زغلول» العائد من المنفى، وقيل إن الإنجليز هم من قتلوه، وهذه الرواية تحمل أسباب تصديقها، لأن الاحتلال البريطانى كان يهدم كل ما من شأنه تنوير الشعب وتربية وجدانه، والدليل نجده فى «كرومر» الذى حارب فكرة «الجامعة المصرية» لأنه

لا يريد أن تكون الأمة المصرية مثقفة راقية، ومهما كان سبب وفاة  «السيد درويش» رحمه الله، إلا أن المهم أنه «عاش فى الوجدان» ومازال فى قلوب المصريين، رغم مضى مائة عام وواحد على رحيله، لأنه كان الإبن الشرعى للثقافة الوطنية المصرية ،كان يدرس العلوم الدينية، ويغنى فى المقاهى الشعبية  ويعمل مع عمال البناء، ويعيش فى الحارة، وموهبته الفائقة قدمته للمتخصصين، وجعلته يدرس علم الموسيقى، ويسافر إلى بلاد الشام ويدرس قواعد وتاريخ الموسيقى العربية، ولمعت مواهبه فى مسارح مصر، فلحن عشرات المسرحيات لكل الفرق المسرحية التى كانت تمارس نشاطها، ولما تفجر الغضب الشعبى فى «مارس 1919» أطلق عليه المثقفون لقب  «النهضة» وكانوا يسمون ما جرى فى التاسع من مارس من العام 1919 «نهضتنا الأخيرة» وكأن القصد هو الحركة والتمرد بعد الخمول والذبول، وبإحساسه المرهف، صاغ «السيد درويش» مع الشاعر «بديع خيرى» أهداف النهضة الوطنية فى أغنية «أنا المصرى كريم العنصرين، بنيت المجد بين الاهرامين» وأغنية «قوم يامصرى، مصر دايماً بتناديك» وأغنية ثالثة عبّر فيها عن الوحدة الوطنية بين الأقباط والمسلمين «اللى أوطانهم تجمعهم عُمر الأديان ما تفرّقهم» وهذه الحساسية منبعها الموهبة والذكاء الفطرى والصدق مع النفس، والمحبة التى تربط بين الفنان وجمهوره، واستطاع «السيد درويش البحر» أن يخلّص الأذن المصرية من التطريب التركى، ويصوغ الألحان التعبيرية، ويستخدم الموسيقى الفولكلورية، التى أنتجها الفلاحون والعمال والباعة «السرِّيحة» وهذه هى «النهضة»   أو»الثورة» التى أحدثها فى الموسيقى، وكانت حياته حياة فنان، لم يكن فيها سوى الموسيقى والألحان، وانتهت هذه الحياة القصيرة وبقيت موسيقاه حيّة فى وجدان الناس، لأنه كان الابن الوفى والشرعى للثقافة الوطنية المصرية، ولما جاءت ثورة 23 يوليو1952، ردَّت إليه اعتباره وأنتجت فيلماَ عن تاريخ حياته، وكان الفنان  «كرم مطاوع» الممثل والمخرج المسرحى الراحل، موفقاً فى تقديم شخصية الموسيقار الكبير.

إسماعيل ياسين.. فنان كوميدى ضحكت له الدنيــا وضحكت عليه!

كانت طفولة أبناء جيلى معتمدة على فيلم «إسماعيل ياسين» الذى يذاع يوم الخميس من كل أسبوع على القناة الثانية فى التليفزيون المصرى فى نهايات السبعينيات من القرن الماضى، كنا نضحك لحركات وأداء هذا الفنان، الذى كان يتحرك ويتكلم كثيراً فى الفيلم، وكان له أداء مميز، ينتزع الضحكة من قلوبنا الساذجة، ولما كبرنا، عرفنا أن هذا الفنان قدم الكثير للوطن فى لحظة حرجة، وأنه تبرع بإعادة رسم الصورة الذهنية للجيش، بعد هزيمة قاسية فى حرب فلسطين، بسبب نقص التسليح ونقص التدريب، فكان على «ثورة يوليو» إعادة بناء الجيش، وكان على الفن أن يسهم فى حث الشعب على التبرع له، والدفع بأبنائه ليكونوا ضمن صفوفه، وتولى «إسماعيل ياسين» هذه المهمة، ونجح فيها نجاحاً كبيراً، فكان أثره أقوى من كل حملات الدعاية الصحفية المباشرة التى تحرض الشباب المصرى فى خمسينيات القرن الماضى على اللحاق بالجيش، وتدعو الشعب للثقة فى قيادته الوطنية الجديدة، وهو الفنان الذى كانت حياته مرة مرارة العلقم، وحلوة حلاوة العسل، فهو ابن تاجر أصابه الفقر، فكان على الابن أن يعمل حتى يستطيع العيش، فعمل فى المهن والحرف المتاحة فى مدينته «السويس» فعمل فى مهنة «منادى» أمام محل لبيع الأقمشة، وهى مهنة هدفها حثّ «الزبون» على دخول المحل والشراء من الأقمشة المعروضة فوق الأرفف، وعمل فى مهنة «سايس جراج» ورغم هذه «المرمطة» كانت بداخله رغبة كبيرة فى الغناء، وفى سن مبكرة جاء إلى القاهرة، ولم يجد الطريقة التى توصله إلى المجد والشهرة، والتحق بصالة «بديعة مصابنى» الراقصة اللبنانية التى تزوجها «نجيب الريحانى» وقدمت للفن المصرى العديد من الفنانات الراقصات «سامية جمال، تحية كاريوكا» وقدمت من المطربين والملحنين «محمد فوزى، فريد الأطرش»، وكانت «النمرة» التى يقدمها «إسماعيل ياسين» هى «المونولوج الفكاهى» ونجح فى هذا اللون، حتى جاء العام 1939 لينتقل إلى دائرة جماهيرية أوسع، فاشترك فى فيلم «خَلَف الحبايب»، وكما كان «أبو السعود الإبيارى» دليله إلى صالة «بديعة» كان دليله وشريكه فى تجربة السينما، ورغم أن «إسماعيل» قدم عدة أدوار فى أفلام «على بابا والأربعين حرامى» و»نورالدين والبحّارة الثلاثة» و«القلب له واحد» إلا أنه قفز من «الصف الثانى» إلى الصف الأول وأصبح نجم شباك، يقدم الفيلم الكوميدى، وهو الوحيد الذى قدم الأفلام التى تحمل اسمه «إسماعيل ياسين فى الأسطول، فى متحف الشمع..» وكوَّن فرقة مسرحية فى العام 1954، ومعه «أبو السعود الإبيارى» أيضاً، وقدم طوال رحلته السينمائية مائة وستة وستين فيلماً، ولكن ابتداءً من العام 1961 ضعف حضوره السينمائى، وضعف الإقبال الجماهيرى على مسرحه، ولكنه ظل يقاوم حتى بيعت «العمارة» التى بناها بأمواله التى كسبها من السينما والمسرح، وسافرإلى «بيروت» ليقدم  «المونولوج» فى الملاهى الليلية، ويقدم إعلانات عن سلع، وضحكت عليه الدنيا، بعد أن ضحكت له، وعاد إلى القاهرة، وتوفى إلى رحمة الله فى فى سن الستين «من مواليد 15سبتمبر1912 ـ توفى فى 24 مايو1972» وكانت أيامه الأخيرة حزينة ومريرة رحمه الله بواسع رحمته.

عبلة كامل.. فاطمة كُشرى المولودة فى نكلا العنب

فى يوم «17 سبتمبر1960» دخلت الدنيا طفلة اسمها «عبلة» وكانت قرية «نكلا العنب» هى مسقط رأسها، وهى قرية تابعة لمركز «إيتاى البارود» فى محافظة «البحيرة» وهذا العنوان يدل على أنها بنت «عربان»، لأن قبائل العربان التى جاءت من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، اتخذت من «البحيرة» مستقراً لها، حتى وقعت الحرب الكبرى بين «العربان» و»المماليك» وتفرق العربان، منهم من اتجه إلى الشرقية، ومنهم من سافرإلى الصعيد، وإلى يومنا هذا مازالت البحيرة واحدة من المحافظات التى يحبها «العربان» و«إيتاى البارود» فيها من قبائل «بنى سليم» و«بنى هلال» ومنها خرج «أدهم الشرقاوى» وهو «مجرم عتيد» عند الباشوات والفلاحين، وبطل شعبى عند «العربان»،وعبلة كامل ، فى ملامحها مائة دليل على أنها «شرقاوية وصعيدية وبحراوية وقناوية» لأنها تحمل ملامح «بنات العرب» وهذا هو سر الحب الذى جمع بينها وبين الناس فى كل المحافظات المصرية، وكان دورها فى فيلم «يوم مر، يوم حلو» مع «فاتن حمامة» فرصة لإعلان تصنيفها الاجتماعى، فهى فى هذا الفيلم الذى تدور أحداثه فى «شبرا مصر» قدمت صورة» بنت الطبقة الفقيرة، ذات الأصول الريفية، وفى مسلسل «ريا وسكينة» قدمت «دور العمر» كما يقولون، واستطاعت أن تثبت فى أذهان المشاهدين، رغم أن القصة معروفة وقدمتها السينما بصيغ عديدة، ودورها فى مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى» ـ فاطمة كشرى ـ دورالتألق والانتقال من الصفوف الخلفية إلى النجومية، وهذا الدور كشف عن موهبة كبيرة ووعى بالشخصية، وكل المشاهد التى جمعتها بالنجوم الكبار، أكدت على أنها فنانة قديرة، قادرة على جذب انتباه المشاهد، ونحن فى هذا الشهر «سبتمبر» نحتفل بعيد ميلادها الرابع والستين ونتمنى لها حياة طيبة، وهى التى أمتعتنا بما قدمته من فن رفيع فى السينما والمسرح والتليفزيون.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيد
منيب

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص